تسيطر علينا كمجتمعات ودول وأحزاب ونقابات ما يُعرف بـ"ثقافة التبرير"، وتكاد تغيب عنا "ثقافة النقد". ومع أن الإنسان بطبيعته يسعى ليكون منسجماً أخلاقياً وعقلياً، ومتوافقاً بين ما يطمح إليه وما يسعى لتحقيقه، إلا أنه عندما يظهر التناقض، يبدأ العقل بصناعة مبررات للتقصير، وإلقاء اللوم على الظروف. فعلى سبيل المثال، تعمل الأنظمة على تبرير القمع باسم "الاستقرار"؛ وهنا يجري تسويق التبرير وتحويله إلى عقيدة مطلوبة، تصنع الرضا والقبول لدى الشعوب بالهيمنة وسياسة القمع.
حتى الأحزاب تقع في فخ التبرير بدلاً من الاعتراف بالأخطاء الاستراتيجية والتنظيمية، وهي بذلك تحافظ على استمرار الوضع الراهن على ما هو عليه. هذه الصورة تخلق توتراً بين الوعي بالمأزق وبين الرغبة في تبرير الاستمرار به؛ لأن التبرير باختصار هو "حماية للذات".
لقد تفشت ثقافة التبرير تماماً كما تفشت ثقافة الفساد، وأصبح التصدي لهما يتطلب جهداً كبيراً ومضنياً، بل يعتبره البعض ضرباً من المستحيل (أو كما يُقال: حمل السلم بالعرض). وحتى على مستوى الأفراد، نجد أن الإخفاق في الدراسة -مثلاً- يُبرر بالظروف أو الحظ.
إن الدخول في تناول هذه الظاهرة وفهم خطورتها ودورها في تغييب العقل النقدي بدا واضحاً في التخلي الرسمي العربي عن الانتصار ل غزة في مواجهة حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل ولا تزال، وتبرير هذا التخلي بتحميل الغزيين مسؤولية الحرب، وممارسة سياسة الإنكار للجوهر الإجرامي للكيان الصهيوني. وما يجري الآن في جنوب لبنان، يُبرر النكوص الرسمي عن القيام بالواجب الوطني بدعم وإسناد المقاومة بذرائع أن الأخيرة "لم تستشر أحداً في دخولها الحرب".
هكذا وببساطة، يجري تبرير هذه المواقف المتخاذلة، وتبرير سياسة الاصطفاف مع العدو من خلال ذرائع شتى لا تكفي لستر العورة. فالواجب والمسؤولية الوطنية، والوعي بالمأزق وبالمخطط الإسرائيلي، يفرضون علينا مغادرة ثقافة التبرير والتحجج بالظروف، والانطلاق الحثيث نحو ثقافة النقد؛ بل وتحويلها إلى مشروع تاريخي ليكون بمثابة رافعة للنهوض وقدح شرارات التفكير.
إن الصمود الذي تبديه المقاومة في مواجهة العدوان، وهذا التخلي العربي عن المسؤولية القومية، يجب أن يُفجّرا عوامل الفكر، ويثيرا الأسئلة حول الدور الذي يقع علينا -أفراداً وجماعات- القيام به. لقد تعرض شعبنا وأمتنا لاعتداءات وحروب هُزمنا فيها، وبدلاً من السعي للغوص في الأعماق للوصول إلى أسباب الهزائم، شاعت ثقافة التبرير واختلت المعايير وتفشى المرض.
هذه لحظة فاصلة؛ إما أن نكون جزءاً من صُنّاع التاريخ، أو أن نخرج منه. لكن أمةً فيها مثل هذه النخب المقاومة لن تكون إلا من صُنّاع التاريخ.
د. سعيد ذياب
رئيس حزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني

