سارعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ مطلع العام الجاري في وتيرة المشاريع الاستيطانية وعمليات التهويد في القدس المحتلة بشكل غير مسبوق، فمن هدم المنازل في سلوان والشيخ جراح، لإخطارات بالاستيلاء على أخرى في منطقة السلسلة، إلى إقامة الحدائق التلمودية والمدارس الدينية، في مساعي لتغيير الأوضاع الديمغرافية في المدينة المقدسة.
يواجه المقدسيون تصعيداً خطيراً يعكس تسارع السياسات الاستعمارية الرامية إلى فرض وقائع ميدانية تعيد تشكيل الجغرافيا والديمغرافيا في مدينة القدس المحتلة، بما يخدم المشروع الاستعماري الإسرائيلي، ويستهدف طمس الهوية العربية والإسلامية والمسيحية للمدينة، عبر توظيف مشاريع "التراث" و"التطوير" و"الأمن" كأدوات لتكريس الضم والاحتلال، في إطار تسارع إجراءات فرض الوقائع الاستعمارية على الأرض.
في 17 من مايو الماضي، أقرت حكومة الاحتلال رسمياً مخططاً استيطانياً جديداً يهدف إلى الاستيلاء على مجموعة من العقارات والمحال التجارية المملوكة للفلسطينيين في طريق باب السلسلة التاريخي داخل البلدة القديمة ب القدس المحتلة؛ تفعيلاً لأمر وقعه وزير التراث قبل نحو عشرة أشهر، مما يمهد الطريق لإخلاء السكان والتجار من واحدة من أكثر المناطق حساسية وملاصقة للمسجد الأقصى، في مسعى لتحويل المنطقة لما يسمى بـ "شارع النزاع"، تمهيداً لضمها بشكل كامل إلى "الحي اليهودي". وتهدف هذه الخطوة إلى تغيير الطابع الديموغرافي والجغرافي للمنطقة التي تبعد خطوات قليلة عن المصلى القبلي وقبة الصخرة، مما يثير مخاوف جدية حول مستقبل الوجود الفلسطيني هناك.
وفي 18 من مايو الماضي، صادقت سلطات الاحتلال على حزمة قرارات ومخططات تهويدية شملت: تخصيص مجمّع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" السابق في حي الشيخ جراح، المقام على مساحة تُقدّر بنحو 36 دونماً، لصالح إقامة متحف لجيش الاحتلال، ومكتب تجنيد، ومقر لوزارة الأمن الإسرائيلية، وتطوير ما تُسمّيه "بركة ماميلا"، في إشارة إلى "بركة مأمن الله" التاريخية، وتحويل المنطقة المحيطة بها إلى ما تسميه "حديقة الاستقلال"، ضمن مشروع تهويدي جديد بميزانية تصل إلى 80 مليون شيقل، ويُقام على مقبرة مأمن الله الإسلامية التاريخية، وإنشاء مركز تراث استعماري في موقع مطار القدس الدولي المحتل في بلدة قلنديا شمال القدس المحتلة، وخططاً لإقامة مركز للفئات السكانية الخاصة حسب وصفها، جنوبي البلدة القديمة، يتضمن مرافق سكنية وخدماتية، على أن يُستخدم أيضاً كمركز "إجلاء" في حالات الطوارئ، وتشكيل فريق وزاري خاص للتحضير لإحياء ما سمّته الذكرى الستين لاحتلال القدس الشرقية عام 1967.
هذه المشاريع والقرارات الإسرائيلية ليست وليدة هذا العام، فقد شهدت القدس المحتلة منذ احتلالها عام 1967 تهويداً ممنهجاً عبر فرض وقائع استعمارية من خلال إقامة المستوطنات واستقطاب المستوطنين، بالإضافة إلى سن قوانين جائرة على المقدسيين لدفعهم لترك المدينة، فقد أقامت إسرائيل 15 مستعمرة في داخل المناطق التي احتلتها في الـ 67، تم ملؤها بحوالي 245 ألف مستوطن، وذلك وفق الخبير في شؤون الخرائط والحدود والاستيطان ومدينة القدس خليل تفكجي.
وأشار تفكجي في حديث مع "بوابة الهدف"، إلى القرار الذي اتخذته رئيسة الوزراء في تلك الفترة غولدا مائير، بتشكيل لجنة أرنون غافني، والذي يعني: الأغلبية اليهودية والأقلية العربية -يعني 75% يهود، 25% عرب، وهذه السياسة ما زالت حتى هذه اللحظة.
أهداف استراتيجية
يقول تفكجي إن "إسرائيل" تعتبر مدينة القدس هي عاصمة كيانها، وبالتالي ما يجري الآن من عملية تهويد هي لها مجموعة من الأهداف الاستراتيجية؛ أولاً السيطرة على الأرض، وقد استطاعات سلطات الاحتلال باستخدام قوانين كثيرة من السيطرة على الأرض، وبالتالي فإن أكثر من 87% من مساحة القدس التي تمت احتلالها بعد عام 1967 تحت السيطرة الإسرائيلية.
ولفت التفكجي في حديثه إلى أن الاحتلال استخدم قوانين: "الاستملاكات للمصلحة العامة، أملاك الغائبين، أملاك يهودية قبل الـ 48، قضية التنظيم والبناء، وقضية فتح الشوارع" للسيطرة على المدينة والتمدد الاستيطاني فيها، وترك للفلسطينيين 13% يريد أيضاً إقامة البؤر الاستيطانية في داخل أحيائها، وإقامة الوحدات السكنية في قلب المنازل الفلسطينية، كما يحدث الآن في سلوان، في بيت صفافا، شعفاط، وغيرها من القرى الفلسطينية.
وأوضح المختص في شؤون الاستيطان أن هذه السياسات تندرج ضمن إطار التطويق، الاختراق، التشتيت؛ بمعني تطويق الأحياء الفلسطينية بالمستعمرات، ثم اختراقها بالبؤر الاستيطانية، ثم تحويلها إلى وحدات سكنية ضمن المستعمرات الإسرائيلية، حتى لا تكون هنالك دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، وبالتالي عدم إعادة تقسيم المدينة مرة أخرى كما كان حادثاً بين الـ 48 والـ 67.
وأشار إلى بعض الدراسات والتقارير الإسرائيلية التي تفيد بأن عدد السكان الفلسطينيين في عام 2040 سيكون - إذا استمر هذا الوضع55%، فبالتالي هنالك رؤية إسرائيلية بإخراج هؤلاء السكان عن طريق جدار الفصل العنصري، وإقامة "القدس الكبرى" بالمفهوم الإسرائيلي؛ والتي تعني إخراج 150 ألف فلسطيني وإدخال 150 ألف إسرائيلي، والرجوع إلى الأقلية العربية والأغلبية اليهودية: 12% عرب، 88% يهود.
يشير تفكجي إلى قرار إخلاء بعض المنازل في حي الشيخ جراح مؤخراً لإقامة المدرسة، موضحاً أنه تم لوجود رؤية إسرائيلية بإقامة بؤر استيطانية داخل الأحياء الفلسطينية وفصل الأحياء الفلسطينية بعضها عن بعض، كما أن البيوت أُخِذت بزعم لأنها أملاك يهودية قبل الـ 48، فبالتالي يجب إخلاؤهم، أما بالنسبة لتحويل مقر الأونروا متحفاً للجيش، فهذا مرتبط بموقف الاحتلال من وجود الوكالة أصلاً باعتبارها الشاهد على النكبة الفلسطينية، ويستمر بذلك في مساعيه لإلغاء حق العودة وقضية اللاجئين.
شملت القرارات الإسرائيلية الصادرة عن الحكومة مؤخرا، إنشاء مركز تراث استعماري في موقع مطار القدس الدولي المحتل في بلدة قلنديا؛ في إطار مشروع تقوده وزارة التراث الإسرائيلية لتحويل الموقع إلى مركز سياحي وتعليمي يخدم الرواية الاحتلالية في المدينة.
ويتضمن المشروع إعادة تأهيل مباني المطار التاريخية، وعلى رأسها مبنى المسافرين الذي أُنشئ خلال فترة الانتداب البريطاني وتم توسيعه في العهد الأردني، إضافة إلى إنشاء معارض توثق ما تسميه سلطات الاحتلال "تاريخ الطيران الإسرائيلي" و"تاريخ الاستيطان" في المنطقة التي يطلق عليها الاحتلال اسم "عطروت" الاستعماري، المقامة على أراضي المواطنين الفلسطينيين شمال القدس، كما يشمل المشروع جناحاً خاصًا لتخليد ذكرى "يوني نتنياهو" المرتبط بعملية "عنتيبي" العسكرية عام 1976.
هذا القرار لن يقف عند أهدافه المعلنة رسميا من قبل الحكومة الإسرائيلية، وفي هذا السياق، يقول الخبير في شؤون الاستيطان خليل تفكجي خلال حديثه مع "الهدف" إن هناك مشروعاً لإقامة 9000 وحدة سكنية على مساحة حوالي 1200 دونم.
وأوضح تفكجي أن هذا المشروع له ثلاثة أهداف استراتيجية: فصل المنطقة الشمالية من الضفة الغربية عن مدينة القدس، اثنين؛ إقامة القدس الكبرى بالمفهوم الإسرائيلي، وقد بدأ يتم الآن عبر إقامة بنية تحتية لوصل المستعمرات الشمالية الشرقية "بيت إيل"، "ميغرون"، "كوخاف" "يعقوب" في المنطقة، ويجري الآن فتح نفق وشارع يطلق عليه شارع 45"، مشيراً إلى أن هذه المستوطنة تهدف لتغيير الديموغرافي لصالح الإسرائيلي.
دلالات وتأثيرات
في هذا السياق، أكد خليل اتفكجي على أن دلالات القرارات الإسرائيلية واضحة، تشير إلى أن القدس غير قابلة للتقسيم لدى حكومة الاحتلال، فمن شرقها لغربها يريدونها عاصمة ولا يمكن التنازل عنها.
ويشير تفكجي إلى أن هذا يؤثر في الميزان الديموغرافي بالإضافة للتأثير الديني، يحث يعتبرون المسجد الأقصى هو جزء من الهيكل المزعوم، وبالتالي ما يجري الآن تقسيم مكاني وزماني وعملية حسم قضية القدس من ناحية البلدة القديمة من الناحية الجغرافية، لأنه هنالك أغلبية عربية في داخل البلدة القديمة حوالي 32 ألف عربي مقابل حوالي 4500 يهودي في داخل البلدة القديمة.
ويلفت تفكجي إلى وجود مخططات استعمارية أخرى في المدينة المقدسة، مثل "غفعات شاكيد" التي هي تحيط بمنطقة بيت صفافا من الناحية الغربية، فهنالك سلسلة من المستعمرات الإسرائيلية التي تمتد من جنوب شرق المدينة باتجاه جنوب غربها بحيث أنها تقطع التواصل الجغرافي بين القرى والتجمعات الفلسطينية داخل حدود البلدية وخارجها بيت لحم، بيت جالا، بيت ساحور.
كل هذا بحسب تفكجي يأتي ضمن البرنامج الإسرائيلي الواضح بالإضافة إلى إقامة القدس الكبرى بالمفهوم الإسرائيلي تصل حتى البحر الميت، والبوابة أو مشروع القدس عام 2050 بإقامة أكبر مطار في منطقة النبي موسى، بالإضافة إلى إقامة مشاريع استيطانية في E1 اللي هو حوالي 3500 في مرحلة أولى، ثم 7000 وحدة سكنية بالإضافة لـ 4000 غرفة فندقية، وتوسيع مستعمرة معاليه أدوميم لتصل عدد السكان إلى 70 ألف نسمة، وهذا ما ذكره نتنياهو: "نحن عدنا إلى أرضنا التاريخية".
وفي ختام حديثه، يعتبر المختص في شؤون الاستيطان أن المقدسيين تركوا وحيدين في مواجهة مخططات الاحتلال الاستعمارية، وإن الجميع وعلى رأسهم السلطة والعرب والمسلمين، لم يقدموا الدعم الكامل والكافي لتعزيز صمود المقدسيين، وبالتالي فإن أهل القدس يعتمدون على أنفسهم وهذا ما حدث بالـ 2017 عندما قادوا معركة البوابات وغيرها كثير من الأحداث والمواجهات التي يخوضونها في سبيل قضيتهم الوطنية والدينية.
الهجمة تتسع على القدس: حرب على الوجود الديمغرافي الفلسطيني
في هذا السياق، يقول الكاتب والناشط المقدسي راسم عبيدات في حديث مع "بوابة الهدف"، إن سلطات الاحتلال الإسرائيلي زادت وتيرة حربها على الوجود الفلسطيني في القدس، فقد تصاعدت بشكل غير مسبوق، فخلال الربع الأول من هذا العام، هدمت سلطات الاحتلال أكثر من مئة منزل ومنشأة تجارية واقتصادية وزراعية، كما سلمت عشرات الإخطارات.
ويضيف عبيدات أن الاحتلال زاد منة هجمته التي تسعى لتهويد الأقصى، حيث يجري عملية تحريض ممنهجة من قبل حاخامات ما يعرف بأمناء الهيكل ووزراء متطرفين مثل بن غفير وسموتريتش وعميحاي الياهو وغيرهم، وحتى السفير الأمريكي المتصهين مايك هاكابي، قال بأنه يجب العمل على اقامة ما يعرف بالهيكل الثالث في قلب الأقصى، كما قامت جمعيات استيطانية وبلدية الاحتلال، بحفريات واسعة في منطقة "حوش الشهابي"، رباط الكرد، الواقع بالقرب من باب الحديد، في المنطقة الغربية من المسجد الأقصى، التي تسعى الجماعات المتطرفة لإقامة كنيس يهودي فيها، والتي يعرفونها حسب مفاهيمهم التلمودية والتوراتية ب"المبكى الصغير"، من اجل توسيع ساحة حائط البراق".
وأوضح عبيدات أن حرب الديمغرافيا والتطهير العرقي والطرد والتهجير، التي يسعى اليها الاحتلال، سعياً لقلب الواقع في المدينة لصالح المستوطنين، من خلال توسيع مساحة القدس لتبلغ 73 كم، حيث يجري ضم مستوطنات جنوب غرب القدس اليها، "غوش عتصيون" و"مجمع افرات الاستيطاني" ومستوطنات مدينة القدس وصولاً إلى مستوطنات جنوب شرق القدس، مجمع " معاليه ادوميم" الاستيطاني، ولذلك، فإن عملية عزل القدس عن محيطها الفلسطيني جغرافياً وديمغرافياً ، وإقامة بؤر استيطانية في قلب الأحياء والبلدات المقدسية، يأتي لشطب ومنع أي حل سياسي، ولتحويل الأحياء المقدسية الى جزر متناثرة في محيط إسرائيلي واسع.
ويختم عبيدات حديثه مع الهدف بالقول: "القدس لم تتلق من الجهات الرسمية الفلسطينية، والعرب والمسلمين سوى شعارات وبيانات الدعم والإسناد، دون أي ترجمة لفعل على أرض الواقع، والهجمة على القدس من المتوقع أن تتصاعد بشكل جنوني، في ظل الوضع الناشئ والانشغالات بما يحدث في قطاع غزة من حرب حصار وتجويع وطرد وتهجير وقتل، بالإضافة للحروب والتصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط.
تشتد هجمة الحكومة الإسرائيلية على القدس المحتلة، متجاوزةً هدف السيطرة على الأرض إلى حسم الهوية الديمغرافية والدينية للمدينة بشكل نهائي، وعزلها تماماً عن محيطها الفلسطيني، عبر توظيف ترسانة من قوانين جائرة ومخططات استعمارية إحلالية، تعدّت مصادرة الدونمات، لتصل إلى عملية "تطهير عرقي صامت" بهدف قلب الميزان الديمغرافي بالكامل؛ لتتحول الأحياء والبلدات الفلسطينية المتجذرة في عمق المدينة إلى جزر معزولة ومتناثرة في محيط استيطاني واسع.

