Menu

بالصوراقتصاد الركام في غزة: إعادة تدوير قسري يحوّل الدمار إلى موردٍ للبقاء

أحمد زقوت

خاص_بوابة الهدف الإخبارية - قطاع غزة

منذ اندلاع العدوان "الإسرائيلي" على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، تعرضت المنظومة الاقتصادية لانهيار واسع نتيجة تدمير البنية التحتية وتعطل قطاعات الإنتاج والتجارة والخدمات، ومع هذا التفكك، نشأ ما يمكن وصفه بـ "اقتصاد الطوارئ"، حيث ابتكر السكان أدوات بقاء بديلة لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم اليومية في ظل شحّ الموارد وتراجع القدرة الشرائية.

مع تعطّل الأسواق وشلل الحركة التجارية في قطاع غزة، واشتداد ندرة المواد الأساسية، برز الركام كمصدر غير تقليدي يلجأ إليه السكان لتأمين احتياجاتهم، كما يُلاحظ اتساع نطاق استخراج المواد القابلة للاستخدام من بين أنقاض المنازل والمحال المدمرة، في مشهد يلخّص عمق الانهيار الاقتصادي، ويجسّد كيف تحوّل الدمار ذاته إلى مساحة قسرية لإعادة تدوير أدوات البقاء.

بسطات من الركام لسد فجوة الموارد

وتنتشر على جوانب الطرقات بسطاتٌ تعتمد على مخلفات الحرب والنفايات في إنتاج أدوات الحياة اليومية، في محاولة لسدّ فجوة غياب المواد الخام وتعطّل القطاعات الإنتاجية، يُجبر السكان على ابتكار بدائل بدائية تُبقي على الحد الأدنى من مقومات الحياة اليومية، في واقعٍ يفرض حلولًا قسرية لا تتجاوز حدود الاحتياج الملحّ والبقاء الحتمي.

في أحد أسواق مدينة غزة، يتجوّل المواطن رائد المقوسي بين بسطات متواضعة وأكوام من المستلزمات الشحيحة، بحثًا عن أخشاب ومواد بسيطة تمكّنه من ترميم خيمته المتضررة، في محاولة لتأمين احتياجاته ومواصلة تفاصيل حياته اليومية في ظل ظروف معيشية قاسية.

ويقول المقوسي في حديثه إلى "بوابة الهدف" إنّ استمرار إغلاق المعابر، وتعثر جهود إعادة الإعمار، إلى جانب ارتفاع الأسعار، دفعه للاعتماد على حلول بديلة لتأمين احتياجات أسرته، مضيفًا أنّ "الضرورة تحكم" في واقع يزداد صعوبة وتراجعًا حادًا في القدرة الشرائية.

ويشير إلى أنّ الأسواق تعاني من شحّ حاد في المواد الأساسية وارتفاع غير مسبوق في أسعارها، ما يجعل تأمين متطلبات الحياة اليومية مهمة شاقة لمعظم العائلات، مؤكدًا أنّ هذه الظروف تفرض واقعًا استثنائيًا لا يترك خيارًا سوى التكيّف والبحث عن بدائل اضطرارية للبقاء.
إعادة تدوير للبقاء

أما المواطن فراس عبيد، فيبحث عن طاولة خشبية بسيطة لترتيب أدوات المطبخ داخل مسكنه المتواضع، إلى جانب بعض قطع الحديد "الأسياخ" لتثبيتها وترميم ما أمكن من احتياجاته الأساسية، بعد أن اضطر إلى إعادة تدوير ما تمكّن من استخراجه من ركام منزله المدمّر.

يبين عبيد لـ "الهدف" أنّه في ظل الدمار الواسع الذي طال منزله وتراجع توفر المواد الأساسية، لم يعد أمامه سوى الاعتماد على ما يُستخرج من تحت الأنقاض وإعادة استخدامه، بوصفه "اقتصادًا بديلًا" تفرضه قسوة الواقع.

ويوضح أنّ القيود المفروضة على إدخال المواد، إلى جانب احتكار بعض السلع وارتفاع أسعارها بشكل كبير، جعلت الحصول على المستلزمات الأساسية مهمة شاقة، ما يدفع السكان إلى اللجوء لبدائل متاحة، حتى وإن كانت بدائية أو معاد تدويرها، لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم اليومية.

ويشير إلى أنّ هذا النمط من "الاقتصاد الدائري القسري" بات خيارًا شبه وحيد لكثير من العائلات داخل القطاع، في ظل شحّ المواد الخام وتدهور القدرة الشرائية واتساع حجم الدمار الذي طال مختلف مناحي الحياة، ما يعيد تشكيل تفاصيل المعيشة اليومية على أساس البقاء لا أكثر.

شلل الإنتاج يدفع نحو البدائل

في مدينة غزة، يحاول الحداد أبو أحمد التري إعادة ترميم ورشته التي تضررت بشدة خلال الحرب، عبر استخراج ما أمكن من أدواته ومعداته من بين الركام، في محاولة لاستئناف عمله وتأمين مصدر رزق يعينه على تلبية احتياجاته اليومية.

ويؤكد التري لـ "الهدف" أنه يعمل بإمكانيات محدودة لإعادة تشغيل مهنته، في ظل نقص حاد في المواد الخام وصعوبة إدخال المستلزمات الأساسية، ما يفرض عليه الاعتماد على إصلاح الأدوات التالفة وإيجاد بدائل متاحة رغم محدوديتها.

ويشير إلى أنه يقدّم خدمات بسيطة للسكان مثل أعمال اللحام وتعديل أبواب الحديد وترميم الطاولات وغيرها من الاحتياجات اليومية، في ظل شلل واسع طال مختلف القطاعات الإنتاجية، ما جعل استمرار العمل تحديًا يوميًا للبقاء.

ويبين التري أنّ الارتفاع الكبير في كلفة الكهرباء عبر المولدات، حيث تصل إلى نحو 30 شيكلًا، انعكس بشكل مباشر على كلفة التشغيل، وجعل تشغيل الورشة أكثر صعوبة وتذبذبًا، لافتًا إلى أنّ شحّ أسياخ اللحام والأدوات الأساسية نتيجة القيود على دخول البضائع وندرة المواد في الأسواق يضاعف من أعباء العمل، ويحدّ من قدرته على الاستمرار بشكل منتظم.

ويشدد على أنّ السكان باتوا يعتمدون بشكل متزايد على إعادة التدوير أو استخلاص بدائل من تحت الأنقاض، في ظل ارتفاع الأسعار وغياب الخيارات، ما رسّخ واقعًا اقتصاديًا قسريًا يقوم على الابتكار من أجل البقاء أكثر من الإنتاج.

270426_Khan_Yunis_TM_00(19).jpg

رزق يُنتزع من بين الأنقاض

ولا يقتصر هذا التحول على الحرف الفردية، بل يمتد إلى أنماط معيشية أوسع، حيث جرى إعادة تدوير علب الصفيح والمعادن لصناعة أدوات منزلية، واستخدام بطاريات تالفة كمصادر طاقة محدودة، إلى جانب الاستفادة من الزيوت المستعملة وأجزاء الأجهزة المدمرة لإنتاج بدائل تشغيلية بسيطة.

في جنوب القطاع، وتحديدًا في مواصي خانيونس، يبرز سوق للخردة يعكس هذا الواقع، حيث تُعرض مواد مستخرجة من أنقاض المنازل بعد فرزها وتنظيفها.

يقول التاجر أحمد البيوك إنّ هذا النشاط أصبح مصدر رزق له، في ظل غياب البدائل الاقتصادية، مضيفًا أنّ الإقبال على هذه المواد يعود إلى ندرتها وارتفاع أسعارها، ما دفع السكان إلى قبول أي بديل متاح، حتى وإن كان مستخرجًا من تحت الركام.

ويؤكد البيوك في حديثه مع "الهدف" أن الواقع في غزة أفرز نمطًا اقتصاديًا قاسيًا يقوم على انتشال ما تبقّى من تحت الأنقاض وإعادة تدويره، بعدما تحوّل الركام من شاهدٍ على الدمار إلى وسيلة اضطرارية للبقاء وتأمين ما يُبقي العائلات على قيد الحياة وسط واقعٍ ينهار فيه كل شيء من حولهم.

270426_Khan_Yunis_TM_00(12).jpg

البلاط المستعمل يقاوم غياب مواد البناء

أما البائع عبد الرحمن أبو صلاح، فيعرض البلاط المستخرج من ركام المنازل المدمرة لبيعه للمواطنين، مؤكداً أنّ معظم زبائنه من النازحين القاطنين في الخيام ومراكز الإيواء، ممن يحاولون استخدامه لتهيئة أماكن أكثر ملاءمة للعيش وسط الظروف القاسية التي فرضتها الحرب والنزوح المتواصل.

ويقول أبو صلاح إلى "الهدف" إنّ الإقبال على شراء البلاط المستعمل ازداد بشكل ملحوظ مع تدمير آلاف المنازل وغياب مواد البناء عن الأسواق، ما دفع كثيرًا من العائلات إلى البحث عن بدائل بسيطة تساعدهم في فرش أرضيات الخيام أو إنشاء مرافق مؤقتة تقيهم الرطوبة والطين ومياه الأمطار.
270426_Khan_Yunis_TM_00(28).jpg

ويشير إلى أنّ ما يتم بيعه اليوم لم يعد مجرد "خردة" أو مواد مستصلحة، إنما وسيلة لمقاومة واقع الحرب والدمار بأقل الإمكانيات، ومحاولة لصناعة حياة مؤقتة فوق أنقاض المنازل المهدمة.

270426_Khan_Yunis_TM_00(26).jpg

الحرب تعيد تشكيل هيكل الاقتصاد

وتعقيبًا على ذلك، يرى المختص في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر، أنّ ما يجري في غزة تجاوز مفهوم "إعادة التدوير" التقليدي، ليتحول إلى اقتصاد موازٍ فرضته الحرب والحصار وانهيار السوق، في ظل غياب المواد الخام وتوقف الاستيراد.

ويؤكد أبو قمر لـ "الهدف" أنّ الحرب لم تدمر البنية التحتية فحسب، بل أعادت تشكيل هيكل السوق نفسه، حيث يتحول الاقتصاد تدريجيًا من الاعتماد على الاستيراد والخدمات إلى اقتصاد قائم على "الاستخراج من الدمار"، تصبح فيه إعادة الاستخدام والإصلاح أكثر أهمية من الإنتاج الفعلي.

ويشير إلى أنّ الركام الذي يُقدّر بنحو 68 مليون طن، لم يعد مجرد مخلفات حرب، بل تحول إلى مورد اقتصادي، مع دخول الحديد والأخشاب والبلاستيك المستخرجة من الأنقاض في أسواق بديلة نشأت بفعل الضرورة.

ويبين المختص الاقتصادي أنّ غزة تعيش نموذجًا اضطراريًا من "لاقتصاد الدائري" فرضته الحرب وشحّ الموارد، مع تحوّل الركام والنفايات، خصوصًا المعدنية، إلى مواد قابلة لإعادة الاستخدام، مشددًا على أنّ هذا الواقع يعكس صمود المجتمع، لكنه يكشف في الوقت ذاته عمق الانهيار، لأن الاقتصاد الطبيعي لا يقوم على تفكيك الأنقاض لتأمين الحد الأدنى من الحياة.

ويوضح أنّ غزة لا تعيش اقتصادًا قائمًا على التنمية والاستدامة، بل "اقتصاد نجاة" يُدار بما تبقى من مدينة مدمرة، مشيرًا إلى أنّ الاستثمار مستقبلًا في الاقتصاد الدائري قد يسهم في خلق فرص عمل وتقليل الاعتماد على الاستيراد إذا توفرت الإمكانيات والدعم اللازم.