Menu

حوارالهدف تحاور الباحث والموسيقي الأممي لويس برهني الحوار بين السيف والرقبة والوتر مستمر

الهدف

نشر في مجلة الهدف العدد (83) (1557)

لويس برهوني لمجلة الهدف: حيثما توجد مقاومة، توجد دائماً موسيقى مقاومة، وإنّ الأسئلة المعاصرة المتعلقة بالسياسة والثقافة والأدب متداخلة وغير قابلة للفصل

قدّمت الإمبريالية البريطانية دعماً للمشروع الصهيوني، ومن دون هذا الدعم لكانت أفكار هرتزل وغيرِه قد بقيت في نطاق الأفكار.

أعظم خيانة للشعب الفلسطيني جاءت مع القمع الوحشي لحركته الثورية في 1936-1939 على يد بريطانيا

لا توجد لحظة في التاريخ الفلسطيني لم تنعكس في الموسيقى.

غسان كنفاني جسّد مقاومة شاملة تجمع طيفاً واسعاً من أساليب النضال، ورأى في غزة بطولتها ودورها الطليعي

تعاملت الإمبريالية البريطانية مع الثوار الفلسطينيين بالطريقة ذاتها التي تعاملت بها مع قادة انتفاضة 1916 في أيرلندا

إن مثال أغنية ليفي فلسطين يشير إلى إمكانية تحرير الموسيقى من نزعتها اللامسيّسة"

من على المنبر الذي أسسه الرفيق الشهيد غسان كنفاني، وفي لحظة تاريخية تعيد فيها فلسطين صياغة التاريخ البشري بالدم والنار والمقاومة الضارية، تلتقي "الهدف" بالرفيق الدكتور لويس برهوني.

برهوني، الباحث والموسيقي الأيرلندي، يمثل الامتداد الطبيعي للأممية الشيوعية الملتزمة بقضايا التحرر الوطني في الجنوب العالمي.

يأتي حوارنا معه اليوم بالتزامن مع نتاجه الثقافي والسياسي الأخير؛ وعلى رأسه إصداره المشترك مع د. تحرير حمدي لكتاب "غسان كنفاني: مختارات من كتابات سياسية" الصادر عن دار بلوتو في لندن، ومؤلفه التأريخي والطبقي المرجعي "الموسيقى الفلسطينية في المنفى: أصوات المقاومة".

في هذا الحوار الشامل، نناقش مع الرفيق برهوني جدلية الوتر والبندقية، ومشاريع الإسناد الثوري الحالية، ومآلات المواجهة الجيوسياسية الراهنة ضد الحلف الصهيوني-الإمبريالي.

الهدف: لويس، نرحب بك على صفحات "الهدف"؛ المجلة التي كان كنفاني يرى فيها خندقاً لا يقل أهمية عن خنادق الفدائيين. انطلاقاً من هذا التلازم بين الفكر والفعل، ما هي آخر مشاريعك السياسية والثقافية والأدبية الحالية؟ وكيف تسعى من خلالها إلى تطوير أدوات المواجهة في قلب العواصم الإمبريالية؟

الإجابة:

أولاً، أتوجه بخالص التقدير إلى رفاق مجلة الهدف لإتاحة هذه المناقشة؛ فهذه المجلة، التي أسسها غسان كنفاني و جورج حبش ووديع حداد إلى جانب ثلة من المفكرين والمناضلين الفلسطينيين البارزين، تحمل إرثاً سياسياً وفكرياً راسخاً يسبقها أينما ذُكرت. وما يزال الجهد المتواصل الذي يبذله محرروها وكتّابها يوفّر منبراً فريداً للأصوات المنخرطة في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وخارجها. وفي عالم يرزح تحت وطأة أزمات الإمبريالية، وحروب الإبادة الجماعية، والعقوبات، وصمود الشعوب المقهورة ومقاومتها، تكتسب هذه المهمة أهميةً وإلحاحاً يفوقان أي وقت مضى.

إنّ الأسئلة المعاصرة المتعلقة بالسياسة والثقافة والأدب هي، بطبيعة الحال، متداخلة وغير قابلة للفصل عن بعضها بعضاً، وهي حقيقة أدركها الشهيد غسان وتعكس، إلى حدّ ما، تأثير جورج لوكاتش في فكره وعمله؛ فقد شكّلت مسألة الكلّية الاجتماعية ومسار التطور الاجتماعي هاجساً مشتركاً لكليهما. وكتب لوكاتش: "بالنسبة إلى كل ماركسي حقيقي، توجد دائماً حقيقة أكثر واقعية، وبالتالي أكثر أهمية، من الوقائع والاتجاهات المعزولة".

وكان فضل النقيب من بين الذين رأوا في أعمال غسان تجسيداً لـ"مقاومة شاملة"، تجمع طيفاً واسعاً من أساليب المقاومة في ترسانة نضالية متعددة الأبعاد ومثيرة للإعجاب؛ فقد أنجز غسان كتيبات للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وكتابات نظرية ماركسية، ونقداً ثقافياً، ومحتوى تحريرياً، ومحاضرات، وروايات، وقصصاً قصيرة، ونصوصاً مسرحية، وأعمالاً ساخرة، ولوحات، ورسومات، ومنحوتات، وملصقات، وغير ذلك الكثير. وكان إسهامه في كل واحد من هذه المجالات، وما أدخله عليه من تطوير، جديراً بدراسة جادة ومستقلة بذاتها.

لن تكون لديّ أي أوهام بأن مساهمتي المتواضعة قد تبلغ الذروة التي بلغها غسان كنفاني، غير أن عملي الخاص يعمل، على الأقل، في أكثر من مستوى. في البداية كان ذلك على نحوٍ عفوي. فقد نشأت في عائلة إيرلندية كان للموسيقيين والشعراء فيها تأثير عميق في تشكّلي كموسيقي أدائي وباحث في الموسيقى. غير أنه مع بلوغي سنّ النضج خلال فترة تورط الإمبريالية البريطانية في حروب العراق – مع بقاء أيرلندا، بطبيعة الحال، خاضعة للاحتلال العسكري – أصبح من المتعذر عليّ بشكلٍ متزايد الفصل بين الثقافة والسياسة. وبينما ازداد اهتمامي بموسيقى فلسطين والمنطقة، انخرطت في الجماعة الشيوعية الثورية (RCG) في بريطانيا، وتعلمت من خلالها التفكير سياسياً، والكتابة، والتنظيم.

بالانتقال إلى عدة عقود لاحقة، أصبحت مشاريعي اليوم تعكس توازناً بين هذه التأثيرات المختلفة، أما مساهمتي الأساسية على الصعيد السياسي فتتمثّل في عملي ككاتب، مع تركيز خاص على النضال الفلسطيني، إلى جانب الكتابة أحياناً عن لبنان و سوريا وغيرها من التطورات الإقليمية. ويمكن تلخيص بعض المشاريع التي أعمل عليها حالياً على النحو الآتي:

كان كتابي الأول حول الموسيقى الفلسطينية، وقد صيغ بوصفه تاريخاً شفوياً، يغطي مساحات واسعة من التهجير الفلسطيني، ويعرض أساليب الموسيقيين وتقنياتهم، إضافة إلى مشاغلهم السياسية. ومن المقرر صدور هذا الكتاب باللغة العربية في عام 2027.

كما أعمل حالياً على كتاب ثانٍ حول الموسيقى الفلسطينية، يتجه هذه المرة نحو تقديم قراءة تاريخية أشمل، تتتبع تطور الموسيقى الفلسطينية قبل نكبة 1948 وصولاً إلى طوفان الأقصى.

ويستعرض هذا العمل، على سبيل المثال، شخصيات من أوائل الثوريين في المجال الموسيقي مثل نوح إبراهيم ونمر ناصر اليافاوي، كما يتناول أشكال التعبير الموسيقي خلال الانتفاضات التاريخية، ويناقش الدور المستمر للموسيقى، بدءاً من مخيمات التهجير في غزة وصولاً إلى منصات التضامن في العالم.

بعد أن شاركت في تحرير كتاب غسان كنفاني: مختارات من كتابات سياسية، واصلت الاهتمام بدراسة إسهامه الواسع والمتعدد الأبعاد، وعند إعداد هذا الكتاب، كان كل من المحررة المشاركة الدكتورة تحرير حمدي وأنا مقتنعين بأن حقل "دراسات كنفاني" ينبغي تحريره من الطرق الضيقة والمشوّهة التي يُؤطَّر من خلالها الكثير من عمل غسان في الأكاديمية الغربية، حيث يتم فصله عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وعن الماركسية الثورية.

أقوم حالياً بجمع أبحاث حول رحلتي غسان إلى الصين، وكذلك حول مساهمته في ملحق "فلسطين" في جريدة المحرر، وإضافةً إلى قائمته الطويلة من المواهب، أعتزم في نص واحد أن أقترح – على نحوٍ مرح – أن غسان كان موسيقياً! وبطبيعة الحال، فهذا غير صحيح من الناحية الصارمة، لكن فيروز تظهر في أعماله، وكذلك ألحان "العتابا" الخاصة بفلاحي فلسطين. وكان معروفاً أيضاً أنه يرقص الدبكة.

إلى جانب هذه الإسهامات المكتوبة، أواصل دراسة "نظام المقامات" بكل عمقه التاريخي، مستكشفاً الموروثات الموسيقية عبر آلة البزق، وهي آلة ذات امتدادات داخل بلاد الشام وخارجها.

وفي مشروع Gazelleband، أؤدي إلى جانب عازفة العود الغزّية ريم عنبر، التي كان لها أثر كبير في تطويري كموسيقي. وتُعدّ ريم مصدر إلهام حقيقي، وقد قدّمت مؤخراً ورش عمل موسيقية للأطفال في مخيمات لبنان.

ويقدّم عملنا المشترك السردية الفلسطينية على خشبة المسرح بأساليب جديدة، تمزج بين التراث وبين نضالٍ مستمر لإيصال الرواية الفلسطينية وجعلها مسموعة.

الهدف: في تقديمكم لكتابات كنفاني السياسية المختارة، شددتم على أن المعركة هي "مواجهة بين الإمبريالية وحركة تحرر مناهضة للإمبريالية ضد احتلال استيطاني وحشي". في ظل ملحمة الصمود والإبادة المستمرة في غزة، كيف يفكك هذا التحليل الطبقي محاولات البرجوازية العربية والليبرالية العالمية لتسييل الصراع وتحويله إلى قضايا إنسانية وإغاثية مجردة؟

الإجابة:

هذه نقطة مهمة، وأعتقد أن المضمون الطبقي الأوسع المحيط بالمواجهة في غزة قد عبّر عنه بشكلٍ موجز جورج إبراهيم عبد الله عند خروجه من سجن إمبريالي فرنسي في عام 2025. وباستخدام مصر كمثال له، حرص عبد الله على الإشارة إلى أن الإبادة الجماعية في غزة كانت ستصبح مستحيلة لو تم تحقيق وتعبئة الإمكانات الثورية للجماهير إلى جانب الشعب الفلسطيني. وباعتباره شيوعياً لبنانياً، كان عبد الله يتحدث، بالطبع، من بيروت عند عودته، معبّراً على الأرجح عن منظور أكثر أقسام اليسار الإقليمي تقدماً ووعياً؛ كما أظهر ببلاغة أن المعتقلين السياسيين الحاليين والمحرَّرين يؤدون باستمرار دور طليعي على الصعيد السياسي.

لكن لا يمكنني الإجابة عن هذا السؤال إلا من موقع كوني شيوعياً في بريطانيا، الدولة الأكثر مسؤولية عن الأزمة التي تواجهها الجماهير الفلسطينية خلال القرن الماضي وما يزيد؛ فقد قدّمت الإمبريالية البريطانية دعماً للمشروع الصهيوني، ومن دون هذا الدعم لكانت أفكار هرتزل وغيرِه قد بقيت في نطاق الأفكار.

وفي مقالته "المقاومة هي الجوهر"، أشار كنفاني إلى أن أعظم خيانة للشعب الفلسطيني جاءت مع القمع الوحشي لحركته الثورية في 1936-1939 على يد بريطانيا وأتباعها من الميليشيات الصهيونية، حيث استُخدمت تقنيات مكافحة التمرد المطبّقة في أيرلندا والهند لترويع شعبٍ أصلي آخر.

وقد دعمت بريطانيا الصهيونية بوصفها "أولستر يهودية صغيرة موالية"، أي كحصنٍ في مواجهة الثورة العربية والاستقلال. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة قد حلت محل بريطانيا بوصفها القوة العالمية المهيمنة، فإن هذا الموقف لدى الطبقة الحاكمة البريطانية قد استمر، مع لعب حزب العمال دوراً شديد السُمّية تاريخياً، وكذلك حالياً في الحكم.

إنّ مسألة التضامن في بريطانيا ترتبط عضوياً بهذا التاريخ من التدخل الإمبريالي البريطاني؛ فبينما يكون جورج عبد الله حادّاً في انتقاده لفشل ملايين الناس الذين يعيشون تحت أنظمة عربية رجعية في الانتفاض إلى جانب غزة؛ فإنني أرى أن على الجماهير في بريطانيا مسؤولية تاريخية في بناء تضامن حقيقي.

في بعض اللحظات منذ بداية الإبادة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بدا غضب الشباب ضد حكومة حزب العمال قابلاً لأن يتطور إلى حركة أوسع وأقوى؛ لكن عناصر انتهازية داخل الحركة الرسمية المؤيدة لفلسطين سعت إلى كبح هذا التمرد، عبر استضافة نواب حزب العمال باستمرار على منصاتها، وعزل نضالات حركة "بالستاين أكشن" و "SOAS2" وغيرهما ممن يواجهون قمع الدولة.

كما تهدد الحكومة بحظر كلمات مثل "انتفاضة"، بينما يقوم منظمو المسيرات الكبرى في لندن بدور شبيه بالشرطة لفرض الصمت! كيف يمكن مواجهة الليبرالية في هذا السياق؟

في رأيي، يجب أن تُستمد الإجابات من خلال انخراط ثوري دائم مع أولئك داخل الحركة الفلسطينية الذين يواصلون المقاومة، ومن خلال النضال من أجل حقنا نحن أيضاً في دعم هذه المقاومة. وفي ظل تصاعد العنصرية وأزمة غلاء المعيشة، يقع على عاتق الثوريين أن يوضحوا للطبقة العاملة أن الطريق إلى الأمام هو الأممية والاشتراكية.

الهدف: في أدبيات الجبهة الشعبية، وخصوصاً وثيقة "مهام المرحلة الجديدة" (1972) التي صاغها كنفاني، وُصفت غزة بأنها المكان الذي أثبتت فيه الطليعة قدرتها على شن "حرب شعبية فعالة". كموسيقي أرّخ لثقافة المقاومة، كيف ترى العلاقة بين الأغنية الملتزمة على سبيل المثال (أغاني فرقة العاشقين، كوفية، وأبو عرب) والبندقية؟ هل اللحن الثوري مجرد صدى للمقاومة أم أنه أداة تعبئة لـ"حرب الشعب"؟

الإجابة:

لا توجد لحظة في التاريخ الفلسطيني لم تنعكس في الموسيقى؛ فالنضالات منذ الاحتلال البريطاني عام 1917، مروراً بالنكبة والنكسة والانتفاضات، وصولاً إلى حروب ومقاومة اليوم، جميعها وجدت تمثيلها في الغناء والموسيقى.

وعندما زار غسان كنفاني غزة عام 1966، رأى أجواءها التي اتسمت بالقمع الاستعماري العنيف والمقاومة الشرسة، وأشار إلى ذلك كثيراً في كتاباته في السنوات اللاحقة.

وبحلول عام 1972، كانت الثورة الموسيقية التي رافقت عودة بروز الكفاح المسلح للتحرر قد بلغت ذروتها؛ فقد كانت الموسيقى الفلسطينية تُغنّى في كل مكان يوجد فيه فلسطينيون، وكانت معظم أغاني تلك المرحلة موجَّهة بشكلٍ مباشر أو غير مباشر نحو النضال من أجل تحقيق النصر على الاستعمار الصهيوني.

كما رأى كنفاني والجبهة الشعبية في غزة بطولتها ودورها الطليعي بوصفها جيباً استعمارياً مُفقراً، اكتسبت مكانة غزة في الوعي الفلسطيني والثقافة الشعبية حضوراً ملحوظاً. وقد كتب محمود درويش عن "قيم غزة المختلفة"، كما كان الموسيقي شفيق كبها، القادم من شفاعمرو في الشمال، يزور غزة كل عام في ثمانينيات القرن الماضي، ويغني لجماهير متحمسة وحية كانت تتفاعل مع أناشيده الوطنية بشغف.

ويتذكر من نشأوا في غزة خلال تلك الفترة ازدهار تجارة أشرطة الكاسيت الثورية، حيث كانوا يستمعون إلى فرقة العاشقين، ومرسيل خليفة، والشيخ إمام، وجورج قرمز، وأبو عرب، وغيرهم ممن قدّموا غناءً يحمل رسالة ثورية واضحة.

لكن يجب أن نتذكر أنه في هذه المرحلة - في السنوات التي سبقت انتفاضة الحجارة عام 1987 - كانت القدس مركزاً للموسيقيين الشباب، وكان كثيرون يتوافدون إلى المدينة للانضمام إلى الفرق الموسيقية أو لمجرد الاستماع إلى عروضها.

وعندما اعتلت الفرقة المختلطة من مغنين وموسيقيين وراقصين، مثل فرقة الفنون الشعبية، مسارح القدس في صيف عام 1987، قدّمت موسيقى استخرجتها من ذاكرة الفلسطينيين الأكبر سناً ومن أولئك الذين تشتتوا بعد النكبة.

ومن خلال مناداة الثوار، غنّوا "القدس تشرع"، و"أوف مشعل" وأغانٍ تقليدية أخرى، مستخدمين العود والبزق وآلات الإيقاع التقليدية.

كما استخدمت فرق أخرى تأثيرات عالمية، وانضمت مغنيات شابات مثل كاميليا جبران وريم تلحمي إلى فرقتي صابرين ووشم، مستخدمين شاعريّة رقيقة وتأثيرات الموسيقى العربية الكلاسيكية.

كان آخرون مباشرين تماماً، رغم القمع الشديد في القدس وبقية أنحاء فلسطين المحتلة؛ فقد استحضر الكاتب والملحن وليد عبد السلام الحركة المسلحة في لبنان بوصفها مصدر إلهام، لكنه لم يقتصر على محاكاتها؛ ففي أغنيته الشهيرة "نزلنا على الشوارع"، غنّى عن "الحرب الشعبية طريق الانتصارات". ويمكن تقييم تأثير هذه الأغاني من خلال استمرارها؛ إذ أُعيد غناء نشيد عبد السلام في حيفا ورام الله خلال احتجاجات "انتفاضة الوحدة" عام 2021.

لكن الارتباط التاريخي للموسيقى يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك؛ ففي أثناء انتفاضة الأقصى، قدّمت "فرقة دواوين" في غزة أغنية "هزّ الرمح"، وهي أغنية تعود إلى ثورة 1936-1939، وقد وردت الإشارة إليها في كتاب كنفاني حول تلك الثورة.

وخلال "طوفان الأقصى"، عادت أغنية "موطني" لتصبح نشيداً شائعاً في غزة ولبنان وعلى المستوى الدولي أيضاً - وقد سمعتها تُغنّى في أيرلندا ونيويورك. وفي الواقع، يمكن اعتبار "موطني" دراسة حالة في كيفية حفاظ الجماهير على مبادئ النضال الثوري المناهض للاستعمار؛ أما نشيد "فدائي" التابع للسلطة الفلسطينية فلا يحظى بشعبيةٍ مماثلة، وحيثما توجد مقاومة، ستوجد دائماً موسيقى مقاومة.

الهدف: رفيق لويس، أنت قادم من الإرث النضالي الأيرلندي ضد الاستعمار البريطاني. كيف تتقاطع تجربة المقاومة الأيرلندية وتفكيك البنى الاستعمارية مع القضية الفلسطينية؟ وما هي الرسالة التي يوجهها اليسار الأيرلندية الراديكالي اليوم إلى قوى المقاومة في فلسطين؟

الإجابة:

تتقاطع النضالات الأيرلندية والفلسطينية تاريخياً ضد الإمبريالية في العديد من المحطات والتجارب المشتركة. وقد أشرتُ بالفعل إلى أن قوات الاحتلال البريطاني خلال فترة "الانتداب" قد أُرسلت إلى فلسطين بعد أن كانت قد شاركت في أعمال وحشية في أقدم مستعمرة لبريطانيا، أي أيرلندا. وشمل ذلك إرسال أكثر من 750 من "القمصان السوداء والتان" سيئ الصيت - وهم شرطة استعمارية سُمّوا نسبة إلى زيّهم - وقد وصلوا إلى حيفا عام 1922.

وقد تعاملت الإمبريالية البريطانية مع الثوار الفلسطينيين بالطريقة ذاتها التي تعاملت بها مع قادة انتفاضة 1916 في أيرلندا. إن دبابيس "المشنقة" التي يضعها بن غفير على ياقته اليوم، وما يرافقها من تحريض صهيوني سافر ومتعطش لدماء الأسرى الفلسطينيين، تعيد إلى الأذهان صفحاتٍ قاتمة من التاريخ الاستعماري؛ فهي تجد أصداءً لها في إعدامات قادة الثورة الأيرلندية عام 1916، حين أُعدم 16 ثائراً منهم جيمس كونولي وباتريك بيرس. وتتكرر هذه المأساة ذاتها في الذاكرة الفلسطينية من خلال إعدام أبطال "ثورة البراق" عطا الزير، وفؤاد حجازي، ومحمد جمجوم، وغيرهم من عشرات الثوار الفلسطينيين الذين نالوا شرف الشهادة شنقاً على يد الاحتلال البريطاني منذ عام 1930 فصاعداً.

من هذه الفترات المبكرة من النضال المناهض للإمبريالية، نجد أيضاً أوجه تشابه في ثقافة المقاومة؛ فقد كان موسيقيون أيرلنديون وفلسطينيون من بين الذين استشهدوا على يد البريطانيين - ويمكن أن نذكر عازف القِرَبة الأيرلندي إيمون دِنت (Éamonn Ceannt) وكاتب الأغاني الثائر الفلسطيني نوح إبراهيم. وكانت موضوعات الموسيقى متشابهة أيضاً، إذ كانت تدعم المقاومة وتمجّد جمال الأرض الأخضر، وغالباً ما كانت تسخر من قوات الاحتلال.

وفي العقود الأخيرة، سارت المقاومة والموسيقى جنباً إلى جنب خلف قضبان سجون الاحتلالين؛ ففي الحالة الفلسطينية، هناك العديد من أمثلة الموسيقيين بين الصامدين في سجون الصهاينة، من تأليف أغاني السجن مثل "يا نقب كوني إرادة" لصلاح عبدربه، إلى غناء أغاني الشيخ إمام، كما يروي وسام رفيدي.

وفي أيرلندا الخاضعة للاحتلال البريطاني، صنع السجناء آلات القِيثارة من أخشاب الخردة، وكتب مقاتلون معروفون مثل بوبي ساندز أغاني التمرد. وفي سجن جلبوع، اجتمع المعتقلون الفلسطينيون لصناعة عود بقيادة الموسيقي المولود في الجولان فداء الشاعر.

من الواضح أن الآلات الموسيقية مهمة؛ ففي وقت يحاول فيه موسيقيون صهاينة ادعاء ملكية العود من خلال مهرجانات تُقام على أرض مسروقة، فإن سماع صوت العود بين أيدي الفلسطينيين في غزة وحول العالم يُمثل تهديداً لمشروعهم الاستعماري.

لأسبابٍ عديدة، يعاني اليسار الأيرلندي من أزمة، وتعيش حركة التحرر حالة من التراجع -وقد شهدنا، بالطبع، نسختنا الخاصة من "أوسلو" وخيانة قضية التحرر من قبل تيار برجوازي يسعى إلى التفاوض بدل التحرير الحقيقي، كما أن انتهازية الأجزاء المهيمنة من اليسار البريطاني وخضوعها لحزب العمال الإمبريالي تتحّمل قدراً أساسياً من المسؤولية عن الوضع الراهن.

لكن ضمن قطاعات صغيرة، وإن كانت مبدئية، من الحركة اليسارية الأيرلندية، تُقدَّم فلسطين بوصفها المثال الأبرز لشعب يرفض الخضوع لحرب استعمارية، وكلما كنت في أيرلندا، أشعر بأن القضية الفلسطينية تحظى بتأييد شبه شامل.

هناك حدود لمستوى التضامن في الوقت الراهن، لكن بناء تضامن أكثر فاعلية واستمرارية بين الحركتين، في رأيي، يتطلب توجيه الضرب إلى الجذور البريطانية للأزمة الوطنية التي يعاني منها كلا الشعبين. غير أنني أرى أن بناء تضامنٍ أكثر فاعلية وديمومة بين الطرفين، يتطلب منا تجاوز حدود التعاطف والتفاعل الوجداني إلى العمل المشترك لتفكيك الأسس الاستعمارية البريطانية، التي تمثل الجذور العميقة للأزمات الوطنية التي لا يزال يعاني منها شعبانا حتى اليوم.

• الهدف: نشهد تجدداً ثورياً لشعارات المقاومة في الشارع الغربي، ورأينا كيف صعدت أغنية فرقة كوفية السويدية "تحيا فلسطين" (المطالبة بسحق الصهيونية) لتصبح نشيداً للاحتجاجات العالمية رغم الحظر الرسمي. كيف يمكن لليسار الثوري تحويل هذه التعبئة الموسمية العفوية في الغرب إلى جبهة أممية منظمة تدعم الكفاح المسلح علناً وتقطع الشرايين الاقتصادية والعسكرية للكيان؟

الإجابة:

إلى جانب أهميتها الوطنية بوصفها حوامل للوعي والحيوية الثقافية، أثارت الأغاني الفلسطينية أيضاً مواجهات دولية بين التقدميين وقوى الرجعية؛ فقد قام جورج توتري، كاتب أغاني فرقة "كوفية" من الناصرة، بتأليف أغنية "ليفي فلسطين" (تحيا فلسطين) باللغة السويدية، والتي غُنيت لأول مرة في تظاهرات التضامن في أوائل سبعينيات القرن الماضي. ومن الغريب أن السياسيين الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يحكمون السويد سعوا لاحقاً إلى حظر الأغنية عام 2019، إذ اعتبروا كلماتها المناهضة للصهيونية غير مقبولة تماماً بالنسبة لهم.

لكن ماذا حدث منذ محاولة الرقابة هذه؟ لقد أُعيد غناء الأغنية من قبل عشرات الآلاف في تظاهرات التعبئة في السويد، فيما شهدت فرقة «كوفية» عودةً في شعبيتها وازدياداً في حضورها. وقد أنتجتُ الفيلم "كوفية: ثورة من خلال الموسيقى"، وقد فوجئت بالاستقبال الحماسي له، حيث نُظمت عروضه من قبل ناشطين ومحبي السينما في نحو اثنتي عشرة دولة.

إن مثال أغنية "ليفي فلسطين" يشير إلى إمكانية تحرير الموسيقى من نزعتها اللامسيّسة في عالم تهيمن عليه النزعة الاستهلاكية وشركات الموسيقى الكبرى. وفي الوقت نفسه، فإن تبنّيها من قبل قطاع واسع ونضالي من حركة التضامن يقدّم مؤشرات على كيفية مواجهة مساعي إسكات الأصوات المناهضة للصهيونية والمؤيدة للمقاومة بشكلٍ صريح.

خلال حملات مقاطعة نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، استهدف النشطاء الفرق الرياضية الوطنية وغيرها من الممثلين الثقافيين. وفي الواقع، تُعد أيرلندا اليوم أحد أبرز الأمثلة التي تدعو فيها القوى التقدمية إلى عزل الكيان الصهيوني؛ فعلى سبيل المثال، قاطعت أيرلندا مسابقة "يوروفيجن" للأغاني، لكن اعتزام منتخبها الوطني لكرة القدم مواجهة نظيره "الإسرائيلي" يثبت أن هذه المعركة لم تُحسم بعد بأي حال من الأحوال. لذا، من الواضح أن حركة المقاطعة بحاجة إلى تعميق أدواتها وتوسيع نطاقها؛ وهذا يتطلب في بريطانيا التحرر من القيود التي تفرضها "حملة التضامن مع فلسطين" الموالية لحزب العمال، وكذلك من قيود اللجنة الوطنية لحركة المقاطعة (BDS) في رام الله، التي غالباً ما تنأى بنفسها عن مبادرات المقاطعة المستقلة. إن على المناهضين للإمبريالية أن يرفضوا قيود "الأعراف السياسية البرجوازية المعتدلة"، وأن يستعدوا لنضال طويل النفس.

الهدف: رفيق لويس، في رسالة شهيرة كتبها غسان كنفاني حيث قال بمرارة: "إنني أشعر أكثر من أي وقت مضى أن كل قيمة كلماتي، أنها تعويض صفيق وتافه لغياب السلاح، وأنها تنحدر الآن أمام شروق الرجال الحقيقيين الذين يموتون كل يوم في سبيل شيء أحترمه". كيف تقرأ كمثقف وموسيقي مشتبك هذا المأزق الذي عبّر عنه الكنفاني بين الكلمة والبندقية؟ وكيف ترى تحول كنفاني نفسه بعد عام 1967 حين جعل من صحيفة "الهدف" طليعة للكفاح المسلح تُفرد مساحات لعمليات مقاتلين ثوريين مثل "جيفارا غزة" محمد الأسود؟

الإجابة:

في هذه السطور الموجهة يكشف لنا غسان كنفاني عن افتقاره التام للغرور، وعن شعوره بالتواضع الجمّ؛ فهذه القامة الشامخة، التي مثّلت -كما رأينا في وصف فضل النقيب- "مقاومة شاملة" ذات أوتار متعددة في عوده (إن جاز لنا هذا التعبير)، كانت تشعر في أعماقها بضآلة الذات.

إن إعجاب غسان بأولئك الفلسطينيين في غزة، الذين انخرطوا في أعمال المقاومة المسلحة قبل سنوات من معركة الكرامة، ومن تأسيس الجبهة الشعبية وما عُرف لاحقاً بالثورة الفلسطينية، يُظهر في الواقع أن "تحوّله" قد حدث قبل عام 1967 بكثير. وسيعلم قراء مجلة "الهدف" وأنصار الجبهة أن "الحكيم" جورج حبش قد كشف أن بذور الجبهة الشعبية كانت قد زُرعت في نقاشات بدأت في وقت مبكر من عام 1964.

في ذلك الوقت، كان غسان ناشطاً في حركة القوميين العرب ومحرراً لملحق "فلسطين". وتكشف أنشطته كمحرر عن الوجهة التي كانت تقصدها هذه المجموعة؛ ففي عهده، تُرجم ونُشر كتاب "حرب العصابات" لتشي جيفارا، كما جرى تحليل حركة حرب العصابات في فيتنام. وإلى جانب ذلك، سافر غسان بنفسه إلى الصين في عام 1965، حيث وجد نفسه متأثراً جداً بالتجربة الثورية هناك.

يظهر هذا التحّول الثوري أيضاً في أعمال غسان الروائية؛ فقد تم تفسير روايته الأشهر "رجال في الشمس" بطرق عديدة، لكن نادراً ما يُستند إلى كلماته هو نفسه في هذا السياق؛ ففي مقابلة مع مجلة "مواقف" عام 1970، قال متأملاً الرواية: "لقد دعوت بصوت شديد العلوّ إلى المقاومة والعنف" (دعوت بصوت شديد العلوّ إلى المقاومة والعنف).

وقد صدرت "رجال في الشمس" عام 1963، ما يعني أن غسان كان بالفعل في طليعة المطالبة بردّ فلسطيني مسلح منذ تلك المرحلة المبكرة. وبالتالي نرى بذور "الهدف" وتركيزه على الكفاح المسلح بعد عام 1969 في هذه الفترة السابقة.

وعندما كتب غسان كراس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين "المقاومة وتحدياتها" عام 1970، لخص كل هذا المسار المعرفي، وأكد بوضوح أن الماركسية-ال لينين ية هي المنهجية الوحيدة القادرة على دفع النضال إلى الأمام. وهكذا يكون غسان ورفاقه قد أكملوا دورة فكرية كاملة.

الهدف: بالعودة إلى كتابكم حول موسيقى المنفى، تذكرون أن يافا والقدس قبل عام 1948 كانتا مركزين حضريين للتبادل الثقافي الإقليمي، وبرزت أسماء مثل نوح إبراهيم وروحي الخماش وسلفادور عرنيطة عبر "محطة الإذاعة الفلسطينية". كيف أثرت النكبة والتهجير القسري طبوغرافياً وثقافياً على هؤلاء الموسيقيين؟ وكيف تحولت إنتاجاتهم في منافيهم الجديدة (بغداد، بيروت) من الطرب والموسيقى الكلاسيكية إلى أدوات صريحة للهوية الوطنية والسياسية؟

الإجابة:

نجد في فلسطين ما قبل النكبة مقاربات حية ومتطوّرة وجماعية إقليمياً للثقافة الموسيقية، بما يفنّد بالكامل الخرافة الصهيونية التي تزعم أن فلسطين كانت أرضاً قاحلة وخالية؛ ففي أواخر الفترة العثمانية، كانت القدس ويافا وحيفا من المدن التي كان يجتمع فيها الموسيقيون الحضريون، سواء بشكلٍ غير رسمي في مقاهي الطبقة العاملة أو، بشكلٍ متزايد، في المسارح الأكبر.

وخلال العقود التي سبقت النكبة، قدّم مغنون عرب معروفون مثل أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب عروضاً لجماهير متحمسة، وقد زارت أم كلثوم فلسطين أربع مرات على الأقل، وكانت حفلاتها تحقق نجاحاً كبيراً، كما عمل عازفون مثل عازف الكمان سامي الشوا وعازف البزق محمد عبد الكريم في فلسطين، حيث أصبح الأخير جزءاً من فرقة إذاعة القدس الموسيقية.

بالمحافظة على سياق الموسيقى الحضرية؛ كان الاتجاه السائد آنذاك يميل نحو الموسيقى العربية الكلاسيكية، بما في ذلك المقطوعات الآلية ذات التأثير العثماني، والموشحات، والقصائد، ومنذ عشرينيات القرن الماضي، بدأت "الطقاطيق" وأشكال غنائية جديدة بالظهور. إن أقدم التسجيلات للموسيقيين الفلسطينيين مثل الشيخ أحمد الشيخ، ورجب الأكحل، وثريا قدورة- كانت مبنية على الشعر الكلاسيكي، وقد سُجلت في دمشق أو القاهرة، بل إنهم كانوا يغنون بلهجات مصرية! ومن الواضح أن موسيقى "الطرب" القائمة على المقامات كانت تزدهر في فلسطين قبل ذلك الاستعمار الوحشي المدعوم بريطانياً، والذي أفضى إلى النكبة؛ وهي النكبة التي لم تكتفِ بمجزرة البشر وتشريدهم في كل اتجاه، بل عطلت تماماً مسار تطور الموسيقى الفلسطينية. كما نُهبت التسجيلات والمقتنيات الموسيقية من تلك الحقبة على يد الصهاينة، ولا يزال الكثير منها حبيس أرشيفات المستعمر حتى يومنا هذا.

لقد تحدثت عن الوضع في الموسيقى الحضرية، لكن فلسطين كانت بلداً ريفياً بامتياز، حيث كان معظم الناس من الفلاحين. ومن ثمّ، يترتب على ذلك أن أكبر نصيب من صناعة الموسيقى كان قائماً على الأرض، مع أغانٍ وموسيقى مخصصة للحصاد، ورعي الأغنام، وصيد الأسماك، وغيرها من الأنشطة القائمة على العمل في أرض فلسطين. وتجد الدبكة والساحة (السحجة) وغيرها من الرقصات الشعبية أصولها في الحركات الجسدية لفلاحي المنطقة، في حين أن أقدم الآلات الموسيقية التي عثر عليها علماء الآثار في فلسطين هي مزامير الرعاة المصنوعة من العظم أو الغصن، والتي يعود تاريخها إلى أكثر من 12,000 عام. قبل النكبة، كانت الموسيقى عنصراً رئيسياً في الاحتفالات، وكانت هناك أغانٍ للمواليد، وحفلات الزفاف، وحالات الوفاة، والمناسبات الدينية، وغيرها. وكان الشاعر المغني النموذجي، "الزجال"، يلعب دوراً مهماً كعريف للحفل، وكان يرتجل كلمات بناءً على المناسبة أو الأحداث المحيطة بتلك اللحظة المحددة في التاريخ.

أشعر أنه من الضروري سرد هذا التاريخ من أجل وصف اللحظات الأولى في صناعة الموسيقى المناهضة للاستعمار بين الفلسطينيين، مبيناً الأصول الاجتماعية والتاريخية للأنماط الجمالية التي استخدمها المؤدون. كاتب العديد من الأغاني التاريخية ضد الاحتلال البريطاني والاستعمار الصهيوني، نوح إبراهيم، كانت لديه خلفية في كل من موسيقى الريف والحضر في فلسطين. كونه زجالاً غنى أيضاً الطرب في العشرينيات، فإن بعض أغانيه السياسية للعقد الثوري القادم كانت تشبه "الطقاطيق" في القاهرة، بما في ذلك الهجاء الشبيه بأعمال المصريين سيد درويش وزكريا أحمد. ولكن تماماً كما كانت ثورة 1936-1939 الطليعة الإقليمية للنضال المناهض للإمبريالية، كانت موسيقى فلسطين خلال هذه الفترة ثورية. لقد وظف إبراهيم هذه التأثيرات وخلق موسيقى كانت ثورية في محتواها الشعري وراسخة فنياً في المقامات. معاصره نمر ناصر كان قد غنى نفس القصائد الرومانسية لأم كلثوم في منتصف العشرينيات، لكنه سجل موسيقى مناهضة للصهيونية خلال الثورة، بينما ظل يستخدم القانون والعود والألحان الإقليمية. كانت موسيقى المقاومة في الفترات اللاحقة متنوعة أسلوبياً، لكن العديد من الموسيقيين ظلوا ملتزمين بهذا الارتباط بالتقاليد الفلسطينية والعربية.

الهدف: ركّزتم في رصدكم التاريخي على دور البث الموسيقي وإعادة صياغة الفلكلور بعد النكبة، وأبرزتم دور صبري الشريف في بيروت وتأثير نهجه على الأخوين رحباني وفيروز (عبر أعمال مثل "راجعون" و"القدس في البال"). من منظور تفكيك البنى الاستعمارية، كيف ساهم هذا "التوزيع الأوركسترالي والتناغم" للفلكلور الأصيل في صيانة الذاكرة الجمعية للفلسطينيين في الشتات وإفشال مخططات المحو الصهيونية؟

الإجابة:

هذا سؤال مثير للاهتمام حقاً؛ ففي ظل مواجهة الفلسطينيين للتهجير القسري، والفقر، وحالة عدم اليقين التي أعقبت عام 1948، ومع صعود جمال عبد الناصر وحركة القوميين العرب التي ألهمت الكثيرين خارج حدود مصر، أصبحت فلسطين رمزاً لمناهضة الإمبريالية في قوالب موسيقية جديدة. وكان من بين من غنوا لفلسطين بأساليب اتسمت أحياناً بالطابع النضالي كلٍ من محمد عبد الوهاب، وعبد الحليم حافظ، وصباح، وأم كلثوم.

ويمكن القول إن تبني الآلات الأوركسترالية الغربية وما صاحب ذلك من "تسطيح" لبعض الخصائص الموسيقية العربية شكّل نوعاً من التناقض في بعض هذه النماذج؛ فهل كان يمكن التعبير عن "الوطن الأكبر" حقاً من خلال قالب موسيقي أوروبي؟ لقد ترددت أصداء أصوات إنهاء الاستعمار في جماليات تذكرنا بفرانتز فانون حين قال: "إن السيطرة الاستعمارية، لأنها كلية وشاملة، وتميل إلى جعل المستعمر ينسى ماضيه وتشويهه وتدميره، فإنها تعادي الثقافة الوطنية بشراسة". ومع ذلك، فإنه لا شك في أن ذلك النوع من التضامن العربي مع فلسطين الذي شهدناه في هذه الأمثلة الموسيقية كان متقدماً بأشواط على حالة السلبية التي نراها اليوم في ظل العديد من الأنظمة الرجعية الموالية للإمبريالية.

كانت فيروز والأخوان رحباني من بين أكثر الفنانين تأثيراً في الغناء لفلسطين. لدرجة أن أغانيهم ظهرت في القصص القصيرة لغسان كنفاني. في عام 1957، قام حتى بإنتاج عمل فني مستوحى من نشيدهم الذي حمل الاسم نفسه في العام ذاته، حيث غنت فيروز والأوركسترا: "راجعين".

في عام 1967، تم تخصيص ألبوم فيروز والرحباني "القدس في البال" بالكامل لتحرير فلسطين. تم إنتاج هذا العمل وأعمال أخرى بواسطة الفلسطيني صبري الشريف، الذي وُلد في عائلة من الطبقة المتوسطة في يافا، حيث تعلم العزف على البيانو في سن مبكرة، قبل تهجيرهم مع الحصار الصهيوني للمدينة.

عقب النكسة، وسماع فيروز تغني حول استرجاع القدس، ومع مونتاجات أغاني الرحباني التي وضعت مدن وقرى يافا وبيسان في المركز، مُنح الفلسطينيون تفاؤلاً للمعركة القادمة. استمرت فيروز في الغناء لفلسطين وضربت مثالاً في المبدئية برفضها الغناء للملوك المطبّعين.

هناك الكثير مما يمكن قوله حول تغريب الموسيقى في العالم العربي، وحقيقة أن الأنماط الأوروبية قد تم تبنيها بهذه السهولة من قبل التيارات المناهضة للاستعمار تثير الكثير من التفكير. في فلسطين، شهدت فترة ما بعد أوسلو تسارعاً في المنهجيات والآلات الغربية، جزئياً من خلال المعاهد الموسيقية الممولة أوروبياً. ومن الصحيح أيضاً أن فناني هذه الحقبة المبكرة وفروا متنفساً جوهرياً للسرديات الفلسطينية، وأن حقيقة غناء فيروز وآخرين لفلسطين قد أججت الرغبة بين الفلسطينيين ليغنوا لأنفسهم

الهدف: تناولتم في فصول كتابكم تجارب هامة مثل تجربة كاميليا جبران وقيادتها لفرقة "صابرين" في القدس ثم انتقالها لفرنسا، وتأثيرها على الأجيال الشابة المقيمة في الخارج (مثل تامر أبو غزالة وهدى عصفور). في ظل امتناع المنصات الرسمية الغربية عبر مسار "أوسلو" عن توفير فضاء للموسيقى الفلسطينية، كيف تمكن هؤلاء الفنانون المستقلون من شق طريقهم وبناء قنوات بديلة للوصول إلى الجمهور الملتزم؟

الإجابة:

على الرغم من أنهم لا يعيشون تحت الاحتلال، إلا أن هناك تحديات حقيقية تواجه الموسيقيين الفلسطينيين في الدول الغربية، تمتد حتى لأولئك الذين لا يعبرون عن آراء سياسية من خلال موسيقاهم؛ فبريطانيا، على سبيل المثال، ترفض بشكلٍ روتيني تأشيرات الدخول للفنانين، حتى أولئك الذين يقدمون موسيقى آلاتية بلا كلمات.

إن الأوساط الموسيقية لا ترحب تماماً بالموسيقى السياسية، وهناك ضغوط للتغريب من أجل الحصول على منصة. في الوقت نفسه، تُعتبر تجارب فرق مثل "كوفية" تعليمية فيما يخص كيفية مساعدة الحركات في الحفاظ على الموسيقى التقدمية، وكيف يستطيع الموسيقيون الواعون سياسياً ممارسة بعض التأثير الخاص بهم.

قدمّت فرقة "كوفية" عروضاً في مظاهرات حاشدة في السويد خلال السبعينيات ولم تحصر نفسها في القضية الفلسطينية؛ أو، وبشكل أكثر دقة، ربطوا أنفسهم بجميع أنواع الحملات، بما في ذلك نضالات العمال والتعبئة الأممية ضد الفصل العنصري. ومن خلال القيام بذلك، وجدوا جمهورهم بين أولئك الذين رفضوا التيار السائد وكان لديهم رغبة في تغيير العالم.

تشير أبحاثي بين موسيقيين فلسطينيين متنوعين وجمهورهم إلى أن التماهي مع القضية نفسها هو غالباً ما يجلبهم إلى الحفلات الموسيقية، أحياناً بشكلٍ مستقل عن النوع الموسيقي، سواء كان ذلك التجريبية لتامر أبو غزالة، أو ريبيرتوار المقامات الموسعة لكاميلا جبران، أو مغني الراب مثل فرقة "دام". بالطبع، هناك حدود للمدى الذي يمكن أن تحشد فيه الموسيقى الناس لاتخاذ إجراءات، ولكن - مع وضع غسان كنفاني في الاعتبار - تتطلب الحركات الثورية كل أنواع الأسلحة لكي تنجح. يمكن للموسيقى أيضاً أن تكون الجسر نحو الأممية والانخراط في السياسة، وهناك علامات على أن اندماج الفنانين مع التنظيم المناهض للإمبريالية، الذي ميز فترة ما بعد عام 1967، يشهد موجة أخرى.

دعونا نتذكر أن الحركات الثورية المتنوعة كان لها تمثيلاتها الثقافية الخاصة، من فرق "الفهود السود" في الولايات المتحدة في الستينيات إلى المغنين الشيليين المناهضين للفاشية في أوائل السبعينيات. وقد كانت الموسيقى سمة مركزية في النضالات الثورية ومناهضة الاستعمار: في كوبا، وجنوب أفريقيا، والعديد من الأماكن الأخرى.

منذ أكتوبر 2023، قمت بجولات دولية مع فرقة Gazelleband وهي الفرقة التي أسستها ريم عنبر. شملت مساحات أدائنا مخيمات اللاجئين، والمهرجانات، وقاعات الحفلات الموسيقية، وفعاليات التضامن، بما في ذلك الحرم الجامعي خلال حركة الاعتصام الطلابي.

نحن نؤدي مزيجاً من الموسيقى الفلسطينية والعربية، غالبيتها من فترة ما قبل النكبة، والتي نمزجها بالقصص. لقد أدينا مقطوعة "سماعي" للمؤلف الموسيقي وعازف العود الفلسطيني روحي الخماّش في اسكتلندا، بعد وقت قصير من استشهاد وليد دقة في السجون الصهيونية، وربطنا الموسيقى بقصة تتناول وليد، الذي كان مشاركاً في الإنتاج السري لآلة عود داخل السجن. تُظهر تجربتنا أن هذا التجاور بين السرد والموسيقى يمكّن الجمهور من التواصل مع كليهما؛ فقد كان لدينا عدد من الحضور يسألوننا عن وليد دقة بقدر ما كان لدينا من يعّبرون عن تقديرهم للموسيقى. وبإصرار من ريم، قمنا أيضاً بأداء أغانٍ ثورية أيرلندية على العود والبزق، وهذه الأغاني تثير دائماً رد فعل إيجابي للغاية، أينما أديناها.

الهدف: ختاماً رفيق لويس، حذّر كنفاني مبكراً من خطر تحويل الصراع ضد الإمبريالية وإسرائيل إلى مواجهات عنصرية أو طائفية. اليوم، وفي ظل الحرب الإمبريالية الأمريكية-الغربية الصهيونية على المنطقة وعلى قوى المقاومة في المنطقة؛ ما هو موقف اليسار التقدمي العالمي؟ وكيف نواجه إستراتيجية "صناعة الإجماع" وتفتيت المنطقة على أسس طائفية وعرقية؟

الإجابة:

أولاً، بصفتي أكتب من داخل عمق بريطانيا الإمبريالية، يجب أن أصر على أن نعتبر هذه الحرب على المنطقة حرباً بريطانية أيضاً. لقد صِيغ وعد بلفور هنا. ولا تزال الحلقات التي تكبّل الشعب الفلسطيني قائمة عبر الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري والثقافي المستمر من الإمبريالية البريطانية، التي يمثلها حالياً حزب العمال في الحكومة.

كيساريين في بريطانيا، يجب أن تشكل وجهة النظر هذه كل ما نقوم به: هدفنا الأول هنا في لندن، وكما جادل ماركس وإنجلز بأن على العمال البريطانيين دعم التحرر الأيرلندي، يجب أن ندرك أن توجيه ضربة إلى قلب الطبقة الحاكمة للإمبريالية سيعزز تحرير فلسطين والمضطهدين في بريطانيا.

فيما يتعلق بميزان القوى في المنطقة المحيطة بفلسطين، أتذكر المقابلة الشهيرة التي أجراها غسان كنفاني مع الصحفي الأسترالي ريتشارد كارلتون. إن وصفه للمفاوضات مع المحتل بأنها "حديث بين السيف والرقبة" أصبح معروفاً الآن، لكن قلة يركزون على تحليل غسان اللينيني لدول المنطقة؛ فقد وصف "الرجعيين المرتبطين تماماً بالإمبريالية"، ذاكراً الأردن والمملكة العربية السعودية، والأنظمة "البرجوازية الصغيرة العسكرية"، بما في ذلك سوريا والجزائر. نحن نرى الآن أنه إلى جانب الأردنيين والسعوديين، أصبحت مصر و قطر والإمارات من الداعمين الرئيسيين للتيار الأول، بينما يمكن القول إن تركيا تقع في مكان ما بينهما. النقطة التي أعني إيضاحها هي أن أشرس دعاة التصفوية - لمقاومة فلسطين، ولبنان، وإيران، واليمن... - مرتبطون بملايين الخيوط بالإمبريالية، سواء كانت الأمريكية أو الأوروبية أو كليهما. لقد دعموا جميعاً "مجلس السلام"، الذي يتمثل هدفه المعلن في وقف المقاومة. إنني أرى لينينية غسان لا توفر إطار التحليل لفهم هذه العلاقات فحسب، بل توفر أيضاً أدوار الثوريين تجاهها.

يجب الضغط على الدول المنخرطة في هذه المهزلة التي يقودها ترامب للانسحاب من هذا "المجلس" لكن ماذا عن دول مثل بريطانيا وفرنسا التي لم تنضم إلى هذه الخطة الأمريكية؟

مرة أخرى، يجب أن يكون الموقف هو فضح وتحطيم المناورات الحربية والإمبريالية للطبقات الحاكمة التي تحكمنا.

في بريطانيا، يعني هذا التنظيم من أجل كسر الروابط المتجذرة بين الإمبريالية البريطانية والاحتلال الصهيوني، والدعوة إلى مقاطعة شاملة وفرض عقوبات على النظام، وتحقيق النصر لكل قوى المقاومة العالمية، من غزة إلى كوبا.

والآن أكثر من أي وقت مضى، في هذه الأوقات التي تشهد إبادة جماعية دموية، وعنصرية عنيفة، وفقراً لا يُوصف، فإن المستقبل أمام البشرية يطرح طريقين: الاشتراكية أو البربرية. الشعب يجب أن ينتصر.

في نهاية لقائنا مع الرفيق لويس برهوني، تزداد القناعة راسخةً بأن كلمات غسان كنفاني لا تزال حية، تُقرأ في خنادق غزة وتُعزف في ساحات العالم. إن حوار "السيف والرقبة والوتر" مستمر، وتجربة برهوني تثبت أن المثقف المشتبك والموسيقي الأممي هما جزء لا يتجزأ من معركة التحرير من النهر إلى البحر.