شهد شهر أيار تصعيدًا احتلاليًا واسعًا على امتداد الجغرافيا الفلسطينية، من قطاع غزة إلى الضفة الغربية و القدس ، وصولًا إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، في سياق حرب استعمارية شاملة تقودها حكومة الاحتلال الفاشية، مستندة إلى آلة قتل وإبادة مفتوحة، ودعم غربي متواصل سياسيًا وعسكريًا.
هذا التصعيد لم يكن حدثًا منفصلًا أو طارئًا، بل جاء امتدادًا مباشرًا للمسار الدموي الذي دشّنته دولة الاحتلال منذ انطلاق معركة «طوفان الأقصى»، حيث تحولت الحرب إلى مشروع اقتلاع جماعي يستهدف الإنسان الفلسطيني والأرض والذاكرة والوجود السياسي معًا.
ورغم ادعاءات حكومة الاحتلال المتكررة بأنها حققت أهدافها العسكرية والسياسية في غزة، إلا أن اتساع رقعة العدوان وتصاعد حدته يكشفان بوضوح حجم المأزق الذي تعيشه المؤسسة الصهيونية، وعجزها عن تحقيق حسم فعلي، سواء في الميدان أو في المستوى السياسي. فكلما طال أمد الحرب، ازدادت تناقضات الكيان الداخلية، وتعمقت أزمته البنيوية، إلى الحد الذي باتت فيه حكومة اليمين المتطرف نفسها تدخل مرحلة التفكك السياسي، مع تصاعد الدعوات لحل الكنيست والذهاب إلى انتخابات مبكرة، في ظل احتدام الصراع داخل المعسكر الصهيوني حول مستقبل نتنياهو ومصير الحرب.
غزة: إبادة مستمرة ومشروع احتلال متجدد
في قطاع غزة، واصل جيش الاحتلال حرب الإبادة بوتيرة غير مسبوقة، عبر القصف المكثف للأحياء السكنية والبنى التحتية والمرافق الصحية والتعليمية، في محاولة لكسر البيئة الاجتماعية الحاضنة للمقاومة وتحويل القطاع إلى مساحة غير قابلة للحياة.
كما وسّعت قوات الاحتلال عملياتها البرية، بالتوازي مع إعلان بنيامين نتنياهو عزمه توسيع السيطرة العسكرية على ما يقارب 70% من مساحة القطاع، في مؤشر واضح على انتقال العدوان من هدف «الرد العسكري» إلى مشروع إعادة احتلال مباشر وإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والجغرافي للقطاع بالقوة.
وفي مقابل ذلك، يعيش القطاع كارثة إنسانية مركبة بفعل الحصار والتجويع ومنع إدخال المساعدات، وسط موجات نزوح متكررة وانهيار شبه كامل للمنظومة الصحية والخدماتية. كذلك واصل الاحتلال سياسة الاغتيالات بحق قيادات المقاومة، في محاولة لتعويض فشله الميداني عبر القتل المباشر واستهداف البنية القيادية للفعل المقاوم.
سياسيًا، استمرت الجهود المرتبطة بمسار التهدئة، لكنها بقيت تراوح مكانها نتيجة تنصل حكومة الاحتلال من الالتزامات التي تضمنتها اتفاقات الهدنة، ورفضها الانتقال إلى المرحلة الثانية منها، في ظل عجز الوسطاء والضامنين عن فرض أي التزام فعلي على الاحتلال، الأمر الذي أعاد التأكيد أن حكومة الحرب لا ترى في أي اتفاق سوى أداة مؤقتة لإعادة تنظيم عدوانها.
الضفة الغربية: الاستيطان كوجه آخر للحرب
في الضفة الغربية، صعّدت قوات الاحتلال من اقتحاماتها اليومية للمدن والمخيمات الفلسطينية، بالتوازي مع حملات الاعتقال والمداهمات الليلية التي طالت مئات الفلسطينيين، في إطار سياسة العقاب الجماعي ومحاولة تفكيك البنية الاجتماعية والسياسية للمقاومة.
وفي السياق ذاته، تسارعت عمليات الاستيطان ومصادرة الأراضي، خصوصًا في محافظة جنين، حيث استولت سلطات الاحتلال على مئات الدونمات الزراعية، بالتزامن مع الدفع نحو إعادة المستوطنين إلى المستوطنات التي أخليت عام 2005، بما يعكس انتقال المشروع الاستيطاني إلى مرحلة أكثر عدوانية تقوم على فرض وقائع نهائية بالقوة.
كما بقيت القدس في قلب حالة الاشتباك المفتوح، خاصة في محيط المسجد الأقصى، مع تصاعد الاقتحامات والاستفزازات المنظمة من قبل جماعات المستوطنين، وسط مخاوف متزايدة من توسع دائرة المواجهة وتحول الضفة إلى جبهة اشتباك شاملة.
فلسطينيو الداخل: مواجهة مشروع الإلغاء
في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، برزت حالة توتر سياسي واجتماعي متصاعدة، بالتوازي مع استمرار الحرب على غزة وتصاعد الخطاب العنصري والتحريضي ضد الفلسطينيين في الداخل.
وشهدت المدن والبلدات الفلسطينية فعاليات جماهيرية واسعة لإحياء ذكرى النكبة والتضامن مع غزة، في مواجهة سياسة القمع والملاحقة التي مارستها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية عبر حملات الاعتقال والاستدعاء بحق النشطاء والمتظاهرين.
كما استمرت سياسات هدم المنازل ومصادرة الأراضي، خصوصًا في النقب، في إطار المشروع الاستعماري الهادف إلى تفريغ الأرض من أصحابها الأصليين وإعادة هندسة الحيز الجغرافي والديمغرافي بما يخدم الرؤية الصهيونية.
وفي مواجهة هذا التصعيد، انشغلت القوى السياسية الفلسطينية في الداخل بمحاولات إعادة بناء حالة وطنية جامعة، تستند إلى خطاب سياسي موحد قادر على مواجهة الإجماع الصهيوني المتزايد على سياسات الإقصاء والعزل والتجريم بحق الفلسطينيين في الداخل المحتل.
نهاية حكومة أم بداية انهيار سياسي؟
تشير مجمل التحولات داخل المشهد الصهيوني إلى أن الأزمة لم تعد محصورة في شخص نتنياهو، بل باتت تعكس مأزقًا أعمق يضرب بنية النظام السياسي الإسرائيلي نفسه. فالصراع المحتدم بين مكونات المعسكر الصهيوني، وتبادل الاتهامات حول إدارة الحرب والفشل الأمني والعسكري، يكشفان حجم التآكل الذي أصاب مركز القرار داخل دولة الاحتلال.
ورغم أن قطاعات واسعة داخل المؤسسة الصهيونية باتت ترى أن النهاية السياسية لنتنياهو أصبحت مسألة وقت، إلا أن الأزمة تتجاوز شخصه نحو سؤال أكثر جوهرية يتعلق بقدرة النظام السياسي الإسرائيلي على إعادة إنتاج نفسه بعد الحرب، في ظل الانقسامات الداخلية، وفشل الجيش في تحقيق أهدافه، واستمرار حالة الاستنزاف المفتوح.
النكبة المتجددة
في أيار هذا العام، كما في كل الأعوام السابقة، استعاد الفلسطينيون ذكرى النكبة بوصفها فعل تمسك بالهوية والحق والرواية، في مواجهة المشروع الصهيوني القائم على الإلغاء والتغييب والاقتلاع.
فالنكبة لم تعد حدثًا تاريخيًا معزولًا وقع عام 1948، بل تحولت إلى مسار مستمر يتجدد بأشكال مختلفة من القتل والحصار والتهجير والاستيطان، فيما بقي الشعب الفلسطيني، رغم كل المجازر والحروب، متمسكًا بحقه التاريخي والوطني، وقادرًا على إنتاج أشكال متواصلة من الصمود والمقاومة.
ولهذا، فإن إحياء ذكرى النكبة لم يعد مجرد استعادة للذاكرة، بل تأكيد سياسي متجدد على أن أصحاب الأرض الحقيقيين ما زالوا هنا، وأن كل مشاريع الاقتلاع والإبادة لن تنجح في كسر إرادة الشعب الفلسطيني أو إنهاء قضيته الوطنية.

