بين الشوارع المدمرة والأزقة الضيقة، يشقّ عشرات الشبان طريقهم يوميًا على متن دراجاتهم الهوائية، حاملين طلبات الزبائن وأحلامهم الصغيرة في النجاة من شبح البطالة والجوع، إذ في قطاع غزة، تحولت الدراجة الهوائية من مجرد وسيلة تنقّل إلى مصدر رزق وشريان حياة لكثير من الشباب الذين وجدوا في خدمات التوصيل السريع فرصة لمواجهة الظروف الاقتصادية القاسية
ومع تفاقم الأوضاع المعيشية وارتفاع معدلات البطالة وشح الوقود نتيجة قيود الاحتلال الإسرائيلي وتداعيات عدوانه الأخير، اتجه العديد من الشبان إلى العمل في مجال "الديلفري" باستخدام الدراجات الهوائية، التي باتت الوسيلة الأكثر قدرة على الحركة بين الطرق المتضررة والمناطق المكتظة بالسكان.
عمل شاقّ وضروري
يتنقل الشاب محمد عقل (25 عامًا)، أحد العاملين في توصيل طلبات الزبائن، على دراجته الهوائية بين الطرق المدمرة وحفر الشوارع في قطاع غزة، متحملًا مشقة التنقل لساعات طويلة في سبيل تأمين لقمة عيش تسد احتياجات أسرته الأساسية.
وبين الركام وآثار الدمار التي تملأ شوارع القطاع، يواصل محمد رحلته اليومية من حي إلى آخر، متحديًا صعوبة الحركة وتدهور البنية التحتية وارتفاع درجات الحرارة أحيانًا، بهدف إنجاز أكبر عدد ممكن من طلبات التوصيل في يومه الواحد.
يقول عقل، خريج إدارة الأعمال، لـ "بوابة الهدف"، إن العمل في توصيل الطلبات لم يكن ضمن طموحاته بعد التخرج، لكنه وجد نفسه مضطرًا لخوض هذه التجربة في ظل تراجع فرص العمل وتفاقم الأوضاع المعيشية الصعبة، ليكون هذا العمل وسيلته لإعالة أسرته وتوفير الحد الأدنى من احتياجاتها.
ويشير إلى أنّ الدراجة الهوائية أصبحت الوسيلة الوحيدة تقريبًا لتوصيل الطلبات، في ظل منع الاحتلال دخول الدراجات النارية التي كانت تُستخدم في هذا المجال قبل العدوان، ما زاد من صعوبة العمل وضاعف الجهد المطلوب لإنجاز الطلبات، إلى جانب كونها أقل تكلفة في ظل نقص الوقود وشح الزيوت وارتفاع كلفة تشغيل المركبات.
ويضيف عقل في حديثه: "أخرج منذ ساعات الصباح الباكر وأتنقل بين الأحياء لتوصيل الطلبات، حيث يتصل بي الزبون على هاتفي ويحدد لي المكان الذي أذهب إليه، ثم أسلّم الطلب وأحصل على ثمن التوصيل"، مشيرًا إلى أنّ "العمل متعب ومرهق، لكنه يبقى أفضل من الجلوس بلا مصدر دخل أو انتظار فرصة قد لا تأتي".
ويلفت عقل إلى أنّ دخله اليومي غير ثابت، إذ يتفاوت من يوم لآخر تبعًا لعدد الطلبات التي يتمكن من إنجازها، والمسافات التي يقطعها بين الأحياء، إضافة إلى طبيعة الظروف اليومية، موضحًا أنّ هناك أيامًا تشهد حركة نشطة وطلبات كثيرة، بينما تمر أيام أخرى يكون فيها الدخل محدودًا بالكاد يغطي بعض الاحتياجات الأساسية.
مخاطر يومية في الميدان
أما الشاب خليل حميد (27 عامًا)، فقد اضطر إلى شراء دراجة هوائية بسعر مرتفع نسبيًا، في ظل شحّها في الأسواق وندرة قطع الغيار اللازمة لصيانتها، ليبدأ بعدها العمل في توصيل الطلبات باعتباره الخيار الوحيد المتاح لتأمين دخل يواجه به ظروف الحياة القاسية في قطاع غزة.
ويغادر خليل خيمته مع ساعات الصباح الأولى، حاملاً معه ثقل يوم طويل من التنقل بين الأحياء وتوصيل الطلبات، ولا يعود إلا في ساعات متأخرة من الليل، بعد أن يكون قد أنجز عشرات الطلبات التي تتراكم عليه بفعل ضغط الطلب المتزايد.
ويؤكد حميد لـ "الهدف" أنّ هذا العمل، رغم أنه يشكل مصدر رزق أساسي له، إلا أنه محفوف بالمخاطر اليومية، ليس فقط بسبب وعورة الطرق وكثرة العوائق الناتجة عن الدمار، بل أيضًا بفعل الظروف الأمنية غير المستقرة.
يستكمل خليل حديثه: "قد أكون في طريق توصيل طلب عادي، وفجأة أسمع دوي انفجار قريب، عندها لا يكون أمامي سوى الاحتماء بمكان آمن حتى تهدأ الأوضاع أو محاولة إكمال عملي إذا سمح الظرف".
ويشير إلى أنّ العمل في التوصيل بالدراجة الهوائية ليس مهنة بسيطة، إنما هو رحلة شاقة تتداخل فيها الحاجة مع الخوف، في ظل واقع معيشي وأمني بالغ التعقيد، مؤكدًا أنّ الشباب بحاجة إلى فرص عمل حقيقية تحفظ كرامتهم وتؤمن لهم مصدر دخل مستقر، بدلًا من دفعهم إلى أعمال مرهقة ومحفوفة بالمخاطر في ظل غياب البدائل.
ترك الدراسة قسرًا والعمل مبكرًا
في أحد أحياء القطاع، يواصل الفتى أحمد مهدي (17 عامًا) يومه بين الشوارع والأزقة على دراجته الهوائية، عاملًا في توصيل الطلبات بدلًا من مقاعد الدراسة التي كان من المفترض أن يجلس عليها في هذه المرحلة العمرية.
يؤكد مهدي لـ "الهدف" أنّ فكرة الابتعاد عن الدراسة كانت مؤلمة، لكنه شعر أن مسؤولية الأسرة لا تحتمل الانتظار، مضيفًا: "كنت أتمنى أن أكمل تعليمي مثل باقي أصدقائي، لكن الظروف فرضت عليّ أن أعمل لأساعد أهلي، فوالدي مريض ولا يستطيع العمل، وأسرتي تحتاج إلى متطلبات الحياة الأساسية".
ورغم صغر سنه، يحمل مهدي على كتفيه عبئًا أكبر من عمره، بين حلمٍ مؤجل في مقاعد الدراسة وواقعٍ يفرض عليه العمل اليومي لإعالة أسرته، في مشهد يعكس واقعًا يعيشه عدد كبير من الأطفال في قطاع غزة.
ويأتي العمل في مجال توصيل الطلبات "الديلفري" في سياق تداعيات العدوان الأخير على قطاع غزة، الذي ألحق دمارًا واسعًا بالمحال التجارية والبنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في فرص العمل، خصوصًا بين فئة الشباب، ما دفع العديد منهم إلى البحث عن أعمال بديلة وبسيطة تضمن لهم الحد الأدنى من الدخل.
حياة وعمل
في السياق ذاته، يؤكد أحد أصحاب مشاريع التوصيل جميل اليازجي، أنّ غياب السيارات والدراجات النارية نتيجة قيود الاحتلال ونقص الوقود جعل المواطنين يعتمدون بشكل واسع على خدمات التوصيل من المنازل، رغم ما يرافق الحركة داخل القطاع من مخاطر أمنية صعبة وظروف غير مستقرة.
ويبين اليازجي لـ "الهدف" أنّ الطرق غير الآمنة وكثرة الحوادث تزيد من صعوبة العمل، إلا أنّ حاجة العاملين إلى تأمين دخل يومي تدفعهم للاستمرار في هذا القطاع، رغم التحديات المتفاقمة.
ويضيف أنّ الدراجة الهوائية أصبحت الوسيلة شبه الوحيدة المتاحة للتنقل لمسافات طويلة داخل القطاع، في ظل منع دخول السيارات والدراجات النارية، ما يجعل عمليات التوصيل تستغرق وقتًا أطول وتعتمد بشكل كبير على حالة الطرق المدمرة.
ويؤكد اليازجي أنّ الدراجة الهوائية تحولت اليوم إلى "أداة عمل وحياة" في آن واحد، في ظل غلاء الوقود وشح المركبات، مشيرًا إلى أنّ الأعباء الاقتصادية على العاملين باتت كبيرة، خاصة مع ارتفاع تكاليف الصيانة.
ويوضح أنّ إصلاح الأعطال البسيطة، مثل إصلاح ثقب الإطار، قد يتطلب تكلفة توازي أو تتجاوز قيمة الطلب نفسه في بعض الأحيان، نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة.
ويلفت إلى أنّ العاملين يخرجون يوميًا وهم يدركون احتمالية عدم العودة، إلا أن الحاجة إلى تأمين لقمة العيش تبقيهم في الميدان، في ظل واقع اقتصادي وإنساني بالغ القسوة.
تراجع سوق العمل وتفاقم البطالة
وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، ارتفعت معدلات البطالة في قطاع غزة إلى نحو 68% خلال فترة الحرب، مع تراجع نسبة المشاركة في القوى العاملة إلى نحو 25% مقارنة بنحو 40% قبل العدوان الأخير.
وأوضح الإحصاء أنّ نحو 74% ممن كانوا يعملون أصبحوا عاطلين عن العمل أو خارج القوى العاملة، فيما تضررت فئة الشباب بشكل كبير، وبلغت نسبة غير المنخرطين في التعليم أو التدريب أو سوق العمل نحو 74%.
شريان اقتصادي
وفي ظل التحولات القاسية التي فرضتها الحرب على مختلف جوانب الحياة في قطاع غزة، يرى الخبير الاقتصادي محمد الناظر أنّ خدمات التوصيل السريع "الديلفري" برزت كنموذج للاقتصاد المرن القادر على التكيّف مع الأزمات، بعد أن تحولت من خدمة رفاهية إلى ضرورة يومية لشرائح واسعة من السكان.
ويشير الناظر لـ "الهدف" إلى أنّه قبل الحرب كانت خدمات التوصيل تعتمد بشكل أساسي على الدراجات النارية والكهربائية، ما ساهم في سرعة إنجاز الطلبات وخلق سوق نشط وفر فرص عمل للشباب، إلا أن هذا الواقع تغير بشكل كبير مع الحرب.
ويوضح أنّ نقص الوقود وارتفاع تكاليف التشغيل أدى إلى تراجع استخدام الدراجات النارية، لصالح الدراجات الهوائية التي أصبحت الوسيلة الأكثر انتشارًا رغم بطئها، لكنها حافظت على استمرار الخدمة.
ويؤكد الخبير أنّ قطاع "الديلفري" اليوم لم يعد مجرد خدمة تسهيل حياة، بل أصبح جزءًا مهمًا من دعم الاقتصاد المحلي، إذ يساهم في استمرار عمل المشاريع الصغيرة وتلبية احتياجات المواطنين في ظل صعوبة التنقل.
ويختم بالإشارة إلى أنّ العاملين في هذا المجال أظهروا مرونة عالية وقدرة على التكيف مع الظروف الصعبة، ما يجعلهم جزءًا أساسيًا من دورة الحياة الاقتصادية اليومية في غزة.

