نكبة العرب في فلسطين هل تنتهي أم تتمدد ؟؟...
تمرّ الذكرى الثامنة والسبعون للنكبة؛ الكارثة الكبرى التي حلّت بالفلسطينيين والعرب في شهر أيار/1948 على يد العصابات الصهيونية ودعم الدول الاستعمارية الكبرى، ولم تنته بهزيمة الجيوش العربية واغتصاب فلسطين وطرد ثلثي سكانها الأصليين منها. إنها أكبر عملية تطهير عرقي وأوضح صورة للتمييز العنصري والوحشية الصهيونية. وما بين النكبة والسابع من أكتوبر حصلت آلاف المجازر وجرائم القتل والتدمير والاقتلاع طالت كل المدن والبلدات والقرى والمخيمات الفلسطينية، وتمددت العدوانية الصهيونية إلى الجوار العربي في الأردن وسوريا ولبنان و مصر بهدف الاحتلال والتوسع وذريعة الأمن والدفاع الاستباقي .
وما يحصل منذ سنوات وخاصة بعد السابع من أكتوبر من حرب إبادة جماعية وتطهير عرقي وتدمير شامل في قطاع غزة بهدف الاقتلاع والتهجير، هو ما يخطط له الكيان الصهيوني في الضفة و القدس عبر سياسة الضم والاستيطان وتفريغ المخيمات واقتلاع مئات العائلات الفلسطينية منها، وبموازاة ذلك هو ما يجري من محاولات جادة للسيطرة الشاملة على القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية، والهدف واضح ؛ التهويد والاقتلاع وتهجير الفلسطينيين، وبهذا المعنى تتكرر وتتعدد النكبات، والأسباب هنا لا تكمن فقط بتفوق العدو الصهيوني عسكرياً وتقنياً واقتصادياً أو بوحدة مكوناته السياسية والأيديولوجية حول الهدف، إنما تتعلق ايضا بضعف البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في المجتمعات العربية، وتهميش أدوارها لتكون متخلفة وتابعة، وعاجزة عن بناء دول وطنية قوية وسيّدة، ولتكون ضعيفة منشغلة بإدارة البلاد وفقاً لمصالح الحكام والأمراء بعيداً عن القضية الفلسطينية وأي مشروع عربي نهضوي موحد.
وما ينطبق على الأوضاع العربية يؤشر بشكل واضح الى طبيعة الحالة الوطنية الفلسطينية، وما تعانيه من ضعف بنيوي وتخلف وانقسامات متعددة، وأساسها الجوهري يتعلق بفهم طبيعة التناقضات مع العدو الصهيوني وآليات وطرق المواجهة، فمنهم من يرى الخيار السياسي التفاوضي السلمي، ومنهم من يرى المواجهة الشاملة الاجتماعية والسياسية والمقاومة بكل أشكالها العنفية وغير العنفية، رغم أن الحالة الراهنة على الأقل تتطلب المزيد من الصلابة والوحدة لمواجهة حروب الإبادة والاقتلاع والتهجير، وما يسمى بخطة الحسم الصهيونية؛ أي خطة التطرف العنصرية.
استبشر بعض الفلسطينيين خيراً عندما حددت حركة فتح مؤتمرها العام الثامن مع ذكرى النكبة، ووجد البعض بذلك أملاً بوقفة حركة فتح أمام نفسها وأمام واقع المنظمة والسلطة، والحالة الوطنية الفلسطينية عموما وما تتعرض له القضية الفلسطينية من مخاطر، لتكون الوقفة شاملة وجادة، ونوعاً من المراجعة النقدية الصريحة والجريئة التي تستحضر منطلقات حركة فتح والثوابت الوطنية الفلسطينية، وتعزيز السردية الفلسطينية، وأساسيات المشروع الوطني الفلسطيني باستعادة فلسطين وتحرير الأرض وعودة اللاجئين الفلسطينيين، الأمر الذي سيؤسس لوحدة وطنية حقيقية تمكّن منظمة التحرير الفلسطينية من استعادة دورها ومكانتها باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وهذا ما يتطلع إليه كل الفلسطينيين، إلا أن المخرجات الأوضح كانت انتخابية من جهة بتغيير بعض القيادات في الهيئات القيادية؛ اللجنة المركزية والمجلس الثوري، وسياسية من جهة أخرى عبّر عنها الرئيس أبو مازن في خطابه مؤكداً على خياره السياسي التفاوضي، واتفاقات أوسلو البائسة، والمقاومة السلمية، والشرعية الدولية، رغم أنه مدرك لانسداد الأفق السياسي وما ينادي به "حل الدولتين" ... إنه الوهم في زمن المحن. فالوحدة حوار وشراكة وليست إملاءات من أي طرف، فكيف إذا كانت الإملاءات تأتي من أمريكا والغرب الإمبريالي تحت عنوان الإصلاحات؟؟ ... إلى متى ستبقى تستجير القيادة الفلسطينية الرسمية من الرمضاء بالنار؟؟
إن التطورات في المنطقة بعد العدوان على إيران أثبتت أن هناك شيئاً جوهرياً يتغير، وأن الكيان الصهيوني وأمريكا وما يخططوا له ليس قدراً محتوماً فالمواجهة ممكنة، وكلمة "الرفض" أو "لا" ممكنة، وبات مشروع الخرائط الجديدة للمنطقة والشرق الأوسط الكبير متعثراً، وعلى دول المنطقة أن يتعلموا الدرس، فصون أمنهم ومصالحهم يتم في التعاون العربي والإقليمي أولاً، وهو الضمانة التي تحررهم من التبعية والابتزاز.
أما المقاومة في فلسطين ولبنان فلها ظهير وسند مهم يجب الاستفادة منه في رسم سياسة المواجهة التي تدحر الاحتلال وتزيله من فلسطين، ومن جنوب لبنان والجولان السوري، وتدفن إلى الأبد أحلام الصهاينة في الوطن العربي.

