فاجئنا تصريح القيادي في حركة فتح والسلطة الفلسطينية بوصف اضراب المعلمين الفلسطينيين يندرج تحت عنوان الأضرار بالأمن القومي الفلسطيني! هذا التصريح يطرح سؤالا مهما، ما هو الأمن القومي الفلسطيني وما هي عناصره؟ الأمن القومي كمفهوم عام هو الأمن السياسي والاقتصادي والاجتماعي والبيئي وأمن الموارد الطبيعية والأمن الداخلي لحماية الدولة ومؤسساتها من الاعتداء عليها من قبل منظمات اجرامية خارجة عن القانون.
وهنا تأتي مهمة قوى الأمن الوطني وأجهزتها في الحفاظ على الأمن الداخلي، أمّا عن أمن الحدود الذي هو مهمة توكل للجيش لحماية الدولة من أية مخاطر خارجية (وفي الحالة الفلسطينية لا يوجد حدود ولا جيش). هذه العناصر التي يجب أن تتوفر في تأمين الأمن القومي للدول، فهل يندرج إضراب المعلمين تحت أياً من هذه العناوين، بالتأكيد لا، لكونه إضراباً شرعياً يستخدم الوسائل السلمية في مواجهة تغول السلطة والحكومة على حياة المواطنين ولقمة عيشهم، إن إضراب المعلمين هو صرخة ضد الفساد.
والسؤال الذي يجب ان يطرح هل جميع عناصر الأمن القومي مؤمنة؟ في الحالة الفلسطينية عناصر الدولة غير مكتملة والأراضي الفلسطينية ما زالت تحت قوانين المغتصب المحتل، وعليه فإن الحديث عن أمن سياسي في ظل الانتهاكات اليومية للمغتصب المحتل لا يستوي، والحياة السياسية الفلسطينية معطلة فالمجلس التشريعي معطل، والرئاسة انتهت مدتها القانونية، ناهيك هن مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية المعطلة أصلاً وزد عليها حالة الانقسام.
هذا يعني أن كل الحياة السياسية الفلسطينية معطلة، وأي نظرة عامة للحياة السياسية الفلسطينية تجدها تتمركز تحت عنوان الرئيس، فهو المتحكم بكل مقاليد السلطة السياسية محاطاً بمجموعة منتفعة صادرت القرار الوطني الفلسطيني، أمّا عن الأمن الاقتصادي فحدث ولا حرج فالاتفاقيات التي وقعتها السلطة كاتفاقية باريس وغيرها تضع الاقتصاد الفلسطيني الناشئ والضعيف تحت سيطرة المغتصب المحتل، وجعلته يتحكم بقنواته ويستعملها للضغط على لقمة عيش المواطن الفلسطيني، هذه الاتفاقيات التي أجهضت أية امكانية لتطوير الاقتصاد الفلسطيني وربطته بالكامل بعجلة الاقتصاد (الإسرائيلي).
أما عن أمن الموارد الطبيعية فان السلطة والحكومة تغطي الممارسات الإسرائيلية اليومية التي تسرق المياه الجوفية وكل المصادر الطبيعية الفلسطينية ومنها الغاز الذي يعتبر حق من الحقوق الفلسطينية، لم نسمع من السلطة او الحكومة اي تصريح بشأنه ولو من قبيل الضغط اللفظي، أمّا عن الأمن الداخلي فإن السلطة مبدعة فيه وتعلن التزامها بكل بنوده، وصباح مساء تعلن التزامها بالتنسيق الأمني وأنها تقوم بكل ما يطلب منها لحماية العيش المشترك، والتي تفهمه السلطة باتجاه واحد أي أمن المحتل المغتصب ومستوطنيه، وتعترض لفظاً على سياسات العقاب الجماعي والاعتقال اليومي والأعداء الميداني للفلسطينيين (المفترض انهم مواطنيها ومسؤوليتها هي حمايتهم). فنجدها تلوح باللجوء للمحاكم الدولية كلما ازداد الضغط الشعبي الفلسطيني، ولكنها لا تقدم على اية خطوة تعزز الموقف اللفظي.
هذه هي صورة الأمن القومي الفلسطيني. لا أمن سياسي ولا أمن اقتصادي ولا أمن اجتماعي ولا أمن بيئي ولا أمن للموارد الطبيعية. عن اي أمن قومي يتكلم عزام الأحمد. بالتأكيد هو يعترض على اضراب المعلمين لأنه كشف زيف الأمن القومي الفلسطيني ,وأكد ان الذي ينتهكه بشكل يومي هو تحالف( السلطة والاحتلال).
هذه السلطة التي خطفت القرار الوطني الفلسطيني وطوعت المؤسسات الوطنية الفلسطينية وحولتها لمؤسسات بيروقراطية ريعية، وحولت المواطن الفلسطيني الى متسول ينتظر المعونة الخارجية المشروطة بالأمن للمغتصب المحتل.
عذرا سيد عزام فكل ما سبق يؤكد ان استمرار السياسات التي تنتهجها السلطة وحكومتها هي التي شكلت وتشكل خطراً على الأمن القومي الفلسطيني (هذا ان وجد أصلاً امن قومي فلسطيني)، وصرخة المعلمين واعتصامهم هي صرخة لإعادة الروح الوطنية الفلسطينية. هي صرخة مسؤولة للمطالبة بإعادة صياغة الرؤية الوطنية الفلسطينية ويحررها من السلطة الكومبرودارية بشقيها.

