حين يريد الكونغرس تمرير ما يدرك أن الرأي العام الأمريكي سيرفضه، فإنه لا يطرحه للنقاش العلني، بل يدفنه في ثنايا التشريعات الضخمة. وهذا بالضبط ما حدث مع المادة 224 من مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2027 الصادر عن لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب. إنها إضافة مريبة صاغها أنصار “إسرائيل أولاً” تحت تأثير نفوذ “إيباك”، وتهدف إلى دمج الصناعات العسكرية الأمريكية مع جيش دولة ضُبطت مراراً وهي تتجسس على الولايات المتحدة وتسرق تقنياتها العسكرية. والأسوأ أن هذا البند دُسّ داخل مشروع موازنة دفاعية تبلغ قيمتها 1.15 تريليون دولار، ليمضي قدماً بعيداً عن أي نقاش عام يُذكر.
يحمل البند عنوان “مبادرة التعاون الأمريكي–الإسرائيلي في تكنولوجيا الدفاع”، لكنه يتجاوز بكثير حدود المساعدات العسكرية التقليدية. فهو يجيز الإنتاج المشترك للأسلحة، والبحث والتطوير الثنائي، وتبادل التراخيص التقنية، والتكامل العميق في مجالات الذكاء الإصطناعي والحرب الإلكترونية والأنظمة المستقلة والتكنولوجيا الحيوية. والأخطر من ذلك أنه ينشئ منصباً تنفيذياً دائماً داخل البنتاغون تكون مهمته الحصرية تنسيق التعاون العسكري مع دولة الاحتلال.
وبتبنّي هذا التشريع، يعلن أعضاء مجلسَي النواب والشيوخ تحدّيهم الصريح لإرادة الناخبين الذين يزعمون تمثيلهم. فبحسب استطلاع لمركز بيو للأبحاث نُشر في مارس/آذار 2026، بعد شهر واحد من اندلاع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، بات 60 بالمئة من الأمريكيين البالغين ينظرون إلى دولة الاحتلال نظرة سلبية، بزيادة سبع نقاط خلال عام واحد، ونحو عشرين نقطة منذ عام 2022. أما بين الديمقراطيين فتبلغ النسبة 80 بالمئة. وفي كلا الحزبين، تنظر أغلبية الأمريكيين دون سن الخمسين إلى “إسرائيل” ونتنياهو نظرة سلبية.
ولا تتوقف الفجوة بين سلوك الكونغرس وإرادة الشعوب عند الحدود الأمريكية. ففي استطلاع منفصل أجراه مركز بيو في يونيو/حزيران 2026 وشمل 36 دولة وأكثر من 44 ألف مشارك، تبيّن أن وسيط 67 بالمئة من سكان العالم يحملون نظرة غير مواتية تجاه دولة الكيان. وتسود هذه النظرة السلبية في جميع الدول الأوروبية التي شملها الاستطلاع: 78 بالمئة في إسبانيا والسويد، و76 بالمئة في هولندا، و73 بالمئة في ألمانيا، و70 بالمئة في بولندا. أما في اليابان فبلغت النسبة 93 بالمئة. وفي وقت أصبحت فيه مكانة الولايات المتحدة الدولية رهناً بمصداقية تحالفاتها ونزاهة سياستها الخارجية، يمضي الكونغرس نحو ترسيخ اندماج مؤسسي مع حكومة يرى فيها ثلثا سكان العالم دولة منبوذة دولياً.
وعدا تحدّي إرادة الناخبين، يتجاهل الكونغرس بتهور التداعيات المباشرة لهذا التشريع على الأمن القومي الأمريكي. فمن خلال منح إسرائيل نفوذاً مباشراً على أولويات الدفاع الأمريكي وسلاسل الإمداد العسكرية، تربط المادة 224 الجاهزية العسكرية الأمريكية بحروب “إسرائيل” الإقليمية المفتوحة. وكل مخزون يُستنزف، وكل منظومة أسلحة تُسخَّر لخدمة تلك الحروب، يمثل استنزافاً مباشراً لقدرات الدفاع الأمريكية. وهذا لن يجعل الولايات المتحدة أكثر أمناً، بل سيحوّلها إلى تابع تُقيَّد قدراته العسكرية بأجندة حكومة أجنبية لا تخضع للمساءلة أمام أي ناخب أمريكي.
هذا ويأتي ذلك بعد أيام قليلة من إعلان وكالة استخبارات الدفاع التابعة للبنتاغون رفع تصنيف التهديد الاستخباراتي الإسرائيلي ضد الولايات المتحدة إلى مستوى “حرج”، وهو أعلى تصنيف ممكن، متجاوزاً حتى التصنيفات الممنوحة للدول المعادية. ووفقاً لوثيقة داخلية مؤلفة من سبع صفحات، فإن أنشطة التجسس الإسرائيلية باتت أكثر عدوانية مما هو متوقع حتى بين الدول المتخاصمة. وكشف مسؤولون أمريكيون في مكافحة التجسس أن إسرائيل زرعت برمجيات تجسس في هواتف المفاوضين الأمريكيين المشاركين في المحادثات مع إيران، كما حاولت زرع جهاز تنصت داخل مركبة تابعة للحرس الرئاسي.
هذا هو “الشريك” الذي يقترح الكونغرس دمج الجيش الأمريكي معه.
فإذا كانت “إسرائيل” تزرع برامج تجسس في هواتف مسؤولين أمريكيين على صلة مباشرة بالرئيس، وتتسلل إلى مركبات الحرس الرئاسي، فإن المادة 224 لن تفتح الأبواب أمام أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية فحسب، بل ستسلّمها المفاتيح. فالتكامل العميق في أنظمة الذكاء الاصطناعي والشبكات المعلوماتية والبنية التحتية الرقمية وخطوط تطوير الأسلحة سيمنح الاستخبارات الإسرائيلية وصولاً غير مسبوق إلى التكنولوجيا العسكرية الأمريكية، عبر ما يمكن وصفه بالتجسس المُشرعن، الذي يصعب احتواؤه ويكاد يستحيل التراجع عنه.
ويجعل التاريخ الإسرائيلي في سرقة و نقل التكنولوجيا العسكرية الأمريكية إلى دول غير صديقه هذا الخطر أقرب إلى اليقين منه إلى الاحتمال. ففي تسعينيات القرن الماضي باعت “إسرائيل” طائرات “هاربي” المسيّرة للصين، ثم سعت إلى تطوير تلك المنظومات لصالح بكين رغم الاعتراضات الأمريكية المباشرة. كما حقق البنتاغون في نقل “إسرائيل” سراً لتكنولوجيا صواريخ “باتريوت” الأمريكية إلى الصين، واقتنع عدد من مسؤولي الاستخبارات بأن عملية النقل قد تمت بالفعل. كذلك اضطرت “إسرائيل”، تحت ضغط أمريكي مكثف، إلى إلغاء صفقة بيع أنظمة الإنذار والرادار المحمولة جواً من طراز “فالكون” للصين. والنمط واضح ومتكرر: تحصل “إسرائيل” على التكنولوجيا الأمريكية، ثم تجد تلك التكنولوجيا طريقها إلى الصين. وما يقترحه هذا التشريع لن يفعل سوى توسيع هذا المسار وترسيخه.
عندما تصنف أجهزة استخبارات البنتاغون التهديد الاستخباراتي الإسرائيلي ضد الولايات المتحدة في أعلى درجات الخطورة، فإن الرد المنطقي لا يكون بفتح جميع طبقات التكنولوجيا العسكرية الأمريكية أمام “إسرائيل”. لكن هذا ما يفعله الكونغرس.
ومع التراجع المتسارع في التأييد الشعبي لدى الاحتلال، يلجأ أنصار “إسرائيل أولاً” إلى تمرير أجندتهم عبر قنوات المشتريات والعقود الدفاعية في البنتاغون، بدعم من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ودفنها داخل مشاريع القوانين الضخمة بعيداً عن أعين الرأي العام. يتصارع الحزبان حول مصالح “أمريكا أولاً”، لكن عندما يتعلق الأمر بمصالح “إسرائيل أولاً”، تتلاشى الخلافات ويصبح الإجماع سيد الموقف.
إن كنت مواطناً أمريكياً، فلا تكتفِ بالغضب. اجعل صوتك مسموعاً. اتصل بالكونغرس على الرقم (202) 224-3121، وأبلغ ممثلك المنتخب أنك واحد من الستين بالمئة الذين يرفضون هذا النهج. فالكونغرس وُجد لخدمة المواطنين الأمريكيين، لا لخدمة المليارديرات المؤيدين "لإسرائيل" و جماعات الضغط الصهيونية.

