Menu

تقريرمباحثات القاهرة.. ما الذي يمكن أن يقدّمه مجلسُ السلام لقطاع غزة؟

مهند فوزي أبو شمالة

بوابة الهدف - قطاع غزة

مع انحراف أنظار المتابعين عن الأوضاع في قطاع غزة؛ ارتباطًا بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما آلت إليه من اتفاقٍ أُعلن التوصّلُ إليه. بالتزامن، أُجريت في الآونة الأخيرة مباحثاتٌ حثيثةٌ في العاصمة المصرية القاهرة، بين الفصائل الفلسطينية ورئيس ما يسمى بـ"مجلس السلام العالمي" نيكولاي ميلادينوف، سعيًا لتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، الذي أبرمته المقاومةُ مع الاحتلال في أكتوبر من العام الماضي برعايةٍ أمريكية.

وقد تنصّلت "إسرائيل" من تطبيق معظم بنود الاتفاق في مرحلته الأولى، لا سيّما "البروتوكول الإنساني" ودخول لجنة إدارة قطاع غزة، فضلًا عن الخروقات التي يشنّها جيشُ الاحتلال في القطاع منذ ذلك الحين، فعملياتُ القصف والاغتيالات لا تكاد تتوقّف، فقد استُشهد منذ توقيع الاتفاق ما يزيد عن 990 مواطنًا؛ الأمر الذي استدعى تحرّكًا من الوسطاء لإلزام الاحتلال بما تمّ الاتفاق عليه في اتفاق شرم الشيخ.

وكانت حركة حماس قد أعلنت في بداية الشهر الجاري، أنّها "تُجري اتصالاتٍ مكثّفةً ولقاءاتٍ معمّقةً مع مختلف الأطراف المعنية؛ بهدف وضع حدٍّ للتصعيد الإسرائيلي في قطاع غزة، وضمان تنفيذ بنود اتفاق وقف الحرب ووقف إطلاق النار.

وشهدت العاصمةُ المصريةُ في ال6 من الشهر الجاري، حراكًا سياسيًّا فلسطينيًّا لافتًا مع وصول وفودٍ قياديّةٍ رفيعة المستوى تمثل ثمانية فصائل فلسطينية، للمشاركة في جولة مباحثاتٍ تتضمن لقاءاتٍ فلسطينيةً – فلسطينية، وأخرى مع الوسطاء، في محاولةٍ لبلورة موقفٍ فلسطينيٍّ موحّدٍ إزاءَ التطورات المرتبطة باتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، حيث شاركت فيه حماس، والجهاد الإسلامي، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ، ولجان المقاومة الشعبية، والجبهة الشعبية – القيادة العامة، والمبادرة الوطنية الفلسطينية، إلى جانب تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح.

وأعلنت الفصائلُ والقوى الفلسطينية المجتمعة في القاهرة، أنّها سلّمت ردّها الرسمي للوسطاء حول خارطة الطريق المقدّمة من قِبل رئيس مجلس السلام، "نيكولاي ميلادينوف"، مؤكدةً أنّ هذه الخطوة تأتي في إطار السعي الجاد لوقف حرب الإبادة، ووضع حدٍّ للمعاناة الإنسانية المأساوية التي يعيشها شعبنا، مشدّدةً على ضرورة إلزام الاحتلال ببنود اتفاق وقف إطلاق النار بشكلٍ كاملٍ وغير مجزأ، وَفقًا لما جاء في ردّها.

وطالبت قوى الفصائل الوسطاءَ والضامنين بضرورة التزام الاحتلال بتنفيذ كامل بنود المرحلة الأولى دون انتقائيّةٍ أو تسويف، ووقفٍ شاملٍ وكاملٍ لجميع العمليات العسكرية في القطاع، وتطبيق البروتوكول الإنساني فورًا، بما يضمن تدفّق المساعدات، وفتح المعابر كافةً بشكلٍ دائمٍ ومستدام لإنهاء الحصار، وانسحاب قوات الاحتلال من القطاع، ودخول اللجنة الإدارية وتمكينها من ممارسة مهامها لخدمة أبناء شعبنا، والبَدء الفوري في خطّة الإعمار.

مصادرُ فلسطينيّةٌ مطّلعة، أفادت في تصريحاتٍ خاصّةٍ لـ"بوابة الهدف"، بأنّ الفصائل الفلسطينية لم تتعامل مع خارطة الطريق التي قدّمها المبعوثُ الأممي السابق نيكولاي ميلادينوف منذ منتصف أبريل/نيسان الماضي باعتبارها بديلًا عن خطة ترامب أو إطارًا نهائيًّا للتفاوض، بل أبدت مرونةً دبلوماسيّةً ومسؤوليّةً سياسيّةً في التعاطي معها؛ بهدف تطويرها وتحويلها إلى مدخلٍ عمليّ للانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق.

وأوضحت المصادر أنّ الفصائل الفلسطينية لا تزال متمسكةً بخطة ترامب باعتبارها المرجعية الأساسية الناظمة لمراحل الاتفاق واستحقاقاته التنفيذية، مشيرةً إلى أنّها أبدت تحفظاتٍ على خارطة ميلادينوف؛ لأنّها سعت إلى إعادة صياغة النقاش حول مراحل الاتفاق وحصر جدول الأعمال في ملف السلاح فقط، بعيدًا عن بقية الالتزامات المرتبطة بإنهاء المعاناة الإنسانية في قطاع غزة وتنفيذ باقي بنود الاتفاق.

وأضافت المصادر أنّ الفصائل، ورغم هذه التحفظات، وافقت على النقاش انطلاقًا من أرضية خارطة الطريق، وتعاملت معها بمرونة؛ بهدف تطويرها عبر إدخال تعديلات تضمن أن تكون جزءًا من مسارٍ متكاملٍ يقود إلى المرحلة الثانية، وليس مدخلًا لإعادة ترتيب الأولويات أو تجاوز الاستحقاقات السابقة، مشيرةً إلى أنّ الفصائل سلّمت ردودًا تفصيليّةً على بنود خارطة الطريق بندًا بندًا، كما خضعت الورقةُ لسلسلةٍ من عمليات التطوير والتعديل خلال لقاءاتٍ مكثفةٍ ومشتركةٍ مع الوسطاء.

ماذا نتوقّع من مجلس السلام؟

في هذا الإطار، قال المحلّل المختص بالشؤون الدولية موسى عاصي في حديث لـ"بوابة الهدف": “إنّ مجلس السلام العالمي لا يمكن التعويل عليه كثيرًا، وهو الذي تمّ إنشاؤه بداية العام الحالي من قبل دونالد ترامب، وفي ستة أشهر، لم يقدّم أي شيء على مستوى إعادة السلام لغزة، أو إعادة الإعمار ووقف الاعتداءات، مشيرًا إلى أنّ هذا المجلس منح إسرائيل غطاءً سياسيًّا لمواصلة تدمير القطاع وتهجير ما تبقى من سكان، ومنع عودتهم إلى القطاع، فقد قتلت 940 فلسطينيًّا حتى منتصف شهر أيار الماضي”.

ويضيف عاصي أنّه “ومنذ توقيع اتفاق شرم الشيخ، كل ما تمّ تبيّنه في هذا المؤتمر من تقديم المساعدات والسماح بوصول المساعدات دون عراقيل، لم يستطع مجلس السلام إلزام إسرائيل بالسماح بوصول المساعدات بشكلٍ كافٍ، وهذا على صعيد شكل المجلس وطبيعة عمله”.

أمّا بشأن ما يمكنُ أن يقدّم هذا المجلس في ظل الحديث عن المباحثات التي أجرتها الفصائل الفلسطينية وتقديم الرؤية بشأن خارطة الطريق لتطبيق اتفاق شرم الشيخ، يقول عاصي: “إنّ ميلادينوف لن يقدّم أيّ ردٍّ إيجابي للفلسطينيين ما لم يحصل أوّلًا على نزع السلاح من قطاع غزة، معتبرًا أنّ هذه المهمة الرئيسية التي شُكّل المجلس من أجلها.”

ويشير إلى أنّه في حال نزع سلاح القطاع، فإنّ “إسرائيل” ستدخل ما تبقى من قطاع غزة، وتواصل القتل وتدمير ما تبقى مما لم يتدمّر حتى الآن، وستحاول طرد الفلسطينيين إلى أي مكانٍ آخر، مؤكّدًا أنّ السلاح الفلسطيني هو العقبة الوحيدة لمنع استكمال الإجرام والإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة. وعلى فرض وافقت الفصائل على هذا البند، يؤكد عاصي أنّ مجلس السلام لن يضمن الإسرائيلي بأنّه سيلتزم بتعهداته.

وأضاف المحلل السياسي موسى عاصي أنّ "الكيان الصهيوني منذ نشأته عام 1948، لم يلتزم يومًا لا بقرارٍ دولي، ولا بوساطة، ولا باتفاق. وعلى هذا الأساس، لا أتوقع من رئيس مجلس السلام العالمي أن يقدّم أي شيءٍ إيجابي للفصائل الفلسطينية إلا عندما تطبّق البند الثامن المتعلّق بنزع السلاح، عندها سيكون لإسرائيل اليد الطولى لتفعل ما تشاء، وسينتهي عمل مجلس السلام العالمي."

هل يستطيع مجلس السلام إلزام “إسرائيل” بما سيتم التوافق عليه؟

يرى المحلل عاصي أنّ مجلس السلام يعطي الغطاء للإجرام الإسرائيلي، ولم يُشكّل باعتباره آليةً دوليةً من أجل تطبيق القرارات الدولية الموجودة منذ عشرات السنين، كما أنّه معني بتلبية بعض التمنيات لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية، الذي قام بتشكيل هذا المجلس سعيًا منه بأن يكون رديفًا للأمم المتحدة، لكنّه اصطدم برفضٍ واسعٍ من الدول الغربيّة وحتى الآسيوية والأفريقية من الانضمام إليه.

ويخلص موسى عاصي إلى أـنّ “هذا المجلس لا يعوّل عليه بالنسبة للفلسطينيين، لا في المباحثات التي جرت مؤخّرًا ولا في غيرها، كما أنّه يشكل أكبر خطرٍ على الفلسطينيين في حال ذهبت الفصائل نحو تطبيق بند نزع السلاح وتقديمه هديةً لإسرائيل".

مجلس السلام: غطاء لجرائم الاحتلال

في هذا الإطار، يؤكّد مدير مركز عروبة للأبحاث والتفكير الاستراتيجي أحمد الطناني أنّ “هذا المجلس لا يتعامل وَفقَ التفويض الذي منحه إياه مجلس الأمن باعتباره الطرف أو السقف أو المظلة التي تتولّى الإشراف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بشكلٍ صحيح، والتأكّد من أنّ كل الأطراف ملتزمةٌ في هذا الاتفاق، فضلًا عن تبنّيه السردية والخطاب الإسرائيلي، وتوفير غطاءٍ للتصعيد والجرائم المرتكبة بشكلٍ يومي، وهذا ما يستدعي ضغطًا من الفصائل الفلسطينية على الدول العربية والإسلامية الشريكة في مجلس السلام حتى تكون أكثر فعالية في تصويب بوصلة هذا المجلس، حتى لا يبقى هذا المجلس رهينةً للحسابات الأمريكية المنحازة لإسرائيل، التي توفر الغطاء اللازم للعدوان وعودته على القطاع”.

ويوضح الطناني أنّ السلوك الرئيسي الذي مثّله المدير التنفيذي للمجلس تجلى بشكلٍ واضح في مؤتمراته الصحفية بشكلٍ أكثر وضوحًا في إحاطته التي قدّمها لمجلس الأمن، في تهيئة الأجواء لتحميل المقاومة مسؤولية انهيار الاتفاق، وتوفير المساحة لعودة العدوان على قطاع غزة.

ويرى الكاتب في هذا السياق أنّ هناك حاجةً لزيادة الضغط، واستجلاب دورٍ أكثر من الوسطاء في إطار مكاشفة الرأي العام الدولي لمنع أن يتفرد ميلادينوف والخطاب والموقف الأمريكيين بالهيمنة على ما يناقش في الفضاء العام الدولي في إطار متابعة اتفاق وقف إطلاق النار، ومحاولة حصر النقاش وكأنّ المشكلة هي مرتبطة بسلاح المقاومة، دون أي اعتبار بالمعنى الفعلي والحقيقي لخروقات الاحتلال وعدم التزامه بتفاصيل اتفاق وقف إطلاق النار.

موقف الفصائل في المباحثات: صلابة ومرونة متزامنتان

في هذا السياق، يقول الكاتب والمحلل السياسي أحمد الطناني في حديثٍ مع "بوابة الهدف": “إنّ الفصائل ذهبت إلى مفاوضات القاهرة بمعادلةٍ تجمع بين "المرونة والصلابة"، حيث يكون المدخل الأساسي للمرونة هو إنهاء الكارثة الإنسانية ووقف العدوان، في حين تتمثّل الصلابة في منع تحويل الاتفاق إلى مجرد أداةٍ لخدمة الأهداف الإسرائيلية أو كونه جزءًا ممتدًا من حرب الإبادة”.

وأضاف أنّ الفصائل أخذت على عاتقها أنّ تثبيت تفاصيل المرحلة الأولى والتزامات الاحتلال بتطبيقها، يجب أن يشكل مدخلًا رئيسيًّا لأي تفاهمٍ على تفاصيل المرحلة الثانية، ومن ثَمَّ هي تعاملت مع خارطة الطريق التي قدّمها ميلادينوف بنوعٍ من الامتعاض والحذر، الذي هدف بشكلٍ أساسي إلى منع تحويل النقاش في كل اتفاق وقف إطلاق النار إلى نقاش حول نقطة نزع السلاح فقط، وإعادة صياغة جدول الأعمال ليكون متوافقًا مع الأهداف الإسرائيلية دون أي اعتبارٍ للأهداف الفلسطينية، وهذه المعادلة التي ذهبت الفصائل لإثباتها في المباحثات.

ويشير الطناني إلى أنّ “الفصائل عملت بشكلٍ مشتركٍ وكثيفٍ على خلق تعديلاتٍ جوهريّةٍ تحاول أن تطور على خارطة الطريق التي قدّمها ميلادينوف، حيث تتحول إلى إطار ناظم لإعادة تصويب بوصلة اتفاق وقف إطلاق النار، وليس إعادة النقاش في جدول الأعمال بما يتناسب مع الاحتلال. لذلك، نجحت في تحقيق جزءٍ أساسي من هذه الاختراقات؛ إذ ثبّتت فكرةً رئيسيةً أنّ هناك إقرار من مجلس السلام بوجود خروقاتٍ إسرائيليّةٍ وعدم التزام، وثبّتت أنّ أي تفاهمٍ له علاقة بالمرحلة الثانية يجب أن يكون متزامنًا ومتكاملًا مع إلزام الاحتلال بتفاصيل المرحلة الأولى”.

أين وصلت المباحثات، ومحددات المرونة التي تبديها المقاومة؟

أكد الكاتب أحمد الطناني في حديثه مع "الهدف" أنّ “المقاومة قطعت شوطًا مهمًّا في إطار المفاوضات، وأنّ المرونة التي تُبديها ليست على حساب تقديم تنازلاتٍ جوهريّةٍ تمسُّ حقوق شعبنا الفلسطيني، بل تهدف بدرجةٍ أساسيّةٍ لإنهاء المعاناة الإنسانية في قطاع غزة، لوقف حرب الإبادة بشكلٍ جدي، ووقف احتمالات التهجير بشكلٍ حقيقي”، معتبرًا أنّ “الأهم في هذه المرحلة هو الحفاظ على الأصول الاستراتيجية للشعب الفلسطيني التي تتمثّل بالأرض والشعب معًا على هذه الأرض، ومن ثَمَّ، فإنّ أي مرونةٍ هي ضمن هذه المحددات وليست مرونةً مطلقةً يمكن أن يحوّلها الاحتلال إلى مدخلٍ لأن يحصلَ على ما لم ينجح في الحصول عليه بالأدوات العسكرية؛ عبر فرضه بالأدوات الدبلوماسيّة والسياسيّة”.

وختم الطناني حديثه بأنّ المقاربة المطروحة حاليًا صعبة وتحتاج إلى طول نفس، والمهم والأساس ألّا يتحول السلوك الحالي لمجلس السلام إلى مدخلٍ لأنْ يستأنف بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية عدوانها على قطاع غزة بشكلٍ واسع، وألّا يتحول الاتفاق إلى شكلٍ مستدامٍ من أشكال الإبادة في قطاع غزة، التي تتعدّد فيها الأشكالُ والأنماط العدوانيّة بحقّ أهالي القطاع.