من نبتةٍ يستخدمها الإنسانُ ليحوّلها إلى طعامٍ بالطريقة التقليديّة المعتادة، إلى نبتةٍ صيّرها الغزيّون بديلًا غيرَ مألوفٍ لسجائر التبغ، وذلك بعد أن أوقفتْ "إسرائيل" إدخالَ جميع أنواع التبغ والسجائر إلى قطاع غزة، بعد إحكامها على جميع المنافذ البريّة التجاريّة لقطاع غزة، وبات المدخّنون يجفّفون أوراق الملوخيّة ويخلطونها بسائل النيكوتين بعد إضافة بعض المواد عليها، لتصبح بديلًا لسجائرهم التي أصبح سعرُها يفوق قدرتهم الطبيعيّة.
ازداد انتشار هذا البديل بين المدخنين بعدما قفز سعر السيجارة الواحدة ما يزيد عن 30 شيكلًا، بما يشكّل أكثر من 30 ضعفًا لسعرها الأساسي، بعد أكثر من عامين ونصف من الحرب على القطاع الذي يعاني نقصًا حادًّا في المواد الأساسيّة، فضلًا عن كثيرٍ من الأصناف التي يتعمّد الاحتلال منع إدخالها، ضمن سياسة حرمانٍ ممنهجةٍ طالت جوانبَ كثيرةً من احتياجات المواطنين، غير أنّ هذا البديل نفسه لا يتوفّر دائمًا، سواءً المنتج محليًّا أو المستورد.
الاتجاه إلى بدائل غير تقليديّة
يقول المواطن محمود أبو ناموس، وهو تاجر يبيع السجائر والتبغ منذ سنوات، واضطّر للاستمرار في هذه المهنة رغم غلاء أسعارها وشح بدائلها لعدم وجود مهنة أخرى يعيش منها: “إنَّ الارتفاع الصاروخي في أسعار السجائر، دفع الناس للجوء إلى بدائلَ غير تقليديّة، من بينها أعشابٌ ممزوجةٌ بالنيكوتين، وأبرزها الملوخيّة”، مشيرًا إلى أنّ الفكرة انتشرت بوصفها حلًّا طارئًا.
يضيف أبو ناموس في حديثٍ له مع "بوابة الهدف"، أنَّ الخطر لا يكمن في النيكوتين نفسه، إنّما في طريقة تفاعله مع الأعشاب المجفّفة، لا سيما الملوخيّة، التي أصبحت القاعدة الأكثر استخدامًا؛ لأنَّ النيكوتين يثبتُ بين أوراقها.
وعن طريقة التحضير، يقول: “إنَّ من يعملون بهذا البديل يجفّفون الأوراق قبل أن تطحن وتُمزج بالنيكوتين لإنتاج مادةٍ تُستخدم للتدخين، بعيدًا عن معايير السلامة، ويعزو ذلك بسبب الواقع الاقتصادي وارتفاع أسعار السجائر اللذَين لم يتركا هامشًا للاختيار”.
وعن أسباب انتشار هذا البديل، يوضح أبو ناموس أنَّ “الفرق الهائل بين أسعاره مع أسعار السجائر الأصليّة هائل، فقد كانت علبةُ السجائر تكلّف 15 شيكلًا (5.15 دولارات)، أما الآن فتصل إلى 500 أو 600 شيكل (171 أو 205 دولارات)”، مؤكّدًا أنَّ الأمر أصبح شبه مستحيلٍ بالنسبة لمعظم المدخنين.
أبعاد خطرة، تسمّم وأعراض صحيّة كثيرة
يثير تدخينُ هذه السجائر مخاوفَ متزايدةً بشأن مخاطرها الصحيّة، في ظلّ غياب معلوماتٍ واضحةٍ عن مكوّناتها. في هذا السياق، يقول طبيب الأمراض الصدريّة الدكتور أحمد الربيعي في حديثٍ مع "بوابة الهدف": “إنّ خلط النيكوتين بأعشابٍ مجهولة الهُويّة أو أعشاب كالملوخية، وبالتالي فإنَّ التفاعل الناتج عن خلط هذه الأعشاب مع النيكوتين سيكون مجهولًا وقد تنتج عنه مخاطرَ صحيّة، مشيرًا إلى أنَّ المستشفيات تسجّل دخولًا بشكلٍ يوميٍّ لحالات التهاباتٍ رئويّةٍ حادّةٍ غير موسميّة”.
ويوضح الدكتور الربيعي أنّ “المستشفيات تواجه تفاقمًا في حالات "الانسداد الرئوي" وهو مرضٌ يصيب المدخنين ويُظهِرُ التهاباتٍ مزمنةً في الشُّعَب الهوائيّة، وفشلًا تنفسيًّا حادًّا، وقد وصل بالفعل بعض الوَفَيَات بسبب التهابٍ رئويٍّ حادٍّ مجهولِ المصدر، ومع سؤال أهل المريض عمّا إذا كان مدخنًا أم لا، يقولون إنَّهُ كان يستخدم الملوخيّة والنيكوتين وما إلى ذلك من أعشابٍ تستخدم في التدخين حاليًّا”.
ويشير الطبيب الربيعي إلى أنَّ الأعراض التي ظهرت على المدى القصير بسبب هذا النوع من السجائر تتمثّل بالتهابات شُعُبٍ هوائيّةٍ حادّة، ونوباتٍ حادّةٍ من الانسداد الرئويّ والأزمة والربو، وفشلٍ تنفسيٍّ حاد، وهي أعراضٌ لم تظهر بهذا الشكل خلال الأعوام الماضية بين المدخنين، مضيفًا: "عندما تستقبل الحويصلات الهوائيّة الدخان الناتج عن حرق الملوخيّة أو أعشابٍ أخرى مخلوطةٍ بالنيكوتين، التي تعدُّ مادةً كيميائيّةً سامة، فإنّها تسبّب التهابًا حادًّا في الحويصلات الهوائيّة".
ولم يجزم الطبيب إن كان هذا النوع من السجائر قد يؤدّي إلى أمراضٍ أخطر كـ"السرطانات" إلّا أنّه قد يثبت ذلك على المدى الطويل، مع الإشارة إلى أنّ الأطباء يشخّصون حالات سرطان الرئة بشكلٍ ملحوظٍ في الفترة الماضية، وهناك زيادةٌ حادّةٌ في انتشار الأورام.
ويلفت الدكتور الربيعي إلى أنّ "استخدام النيكوتين في جرعاتٍ غير محسوبة، قد تكون عاليةً بشكلٍ مركّز، يؤثر سلبًا على صحة الإنسان؛ فتؤدي إلى تهيّجٍ في الشعب الهوائيّة، وزيادة إنتاج المخاط من الرئتين، وزيادة نوبات الربو والأمراض التنفسيّة الحادة، كما تؤثّر سلبًا على الجهاز القلبي والأوعية الدموية وتنتج تسارعًا في ضربات القلب، وارتفاعًا في ضغط الدم، ونوباتٍ حادّةً من الذبحة الصدريّة”.
مضطّرون للتدخين.. الحاجة تكسر الكبرياء
بوابة الهدف، التقت النازح أبو محمد (42 عامًا)، في سوق السجائر في مخيم النصيرات، الذي يقول: “اضطّررت للاختيار بين التدخين أو إطعام عائلتي، عندما وصل سعر علبة السجائر العادية إلى أرقامٍ خياليّةٍ توازي قدرتي المادية لأسابيع، علمًا أنّني مدخّنٌ منذ الثالثة عشرة، والآن أدخّن "الملوخيّة"، لسعرها المتدني وقدرتي على شرائها”.
وعن المردود الذي يقدّمه هذا البديل من السجائر، يؤكّد أبو محمد أنّه لا يفي بالوعد أبدًا، فلا وجود للذي يطلبه الدماغ تحت الضغط والتوتّر، فضلًا عن رائحته التي تشبه حرق الأعشاب الجافة أو القش، وطعمها في الفم يترك مرارةً لا تطاق، مضيفًا: "نحن لا ندخن لنعدل مزاجنا، بل ندخن لنقنع عقولنا بأنّنا نفعل شيئًا اعتدنا عليه".
ويشير إلى أنّ "هذا النوع من السجائر يعكس الحياة في قطاع غزة ويختصر الواقع فيه، فقبل الملوخية شربنا ماءً مالحًا على اعتباره بديلًا للعذب، وطبخنا على حطب النوافذ والأبواب على اعتباره بديلًا للغاز، وندخن الملوخية بديلًا للتبغ"، لافتًا إلى حالة الاستعجاب التي ظهرت في المحيط عند بدء ظهور هذا البديل إلى أن أصبح واقعًا مفروضًا عليه كما هو على جميع المدخنين.
إنّ ذهاب المدخنين لبدائل عشوائية كـ"سجائر الملوخية"، يجسّد صورةً حيّةً ومؤلمةً لواقع قطاع غزة المنهك، حيث تفرض الحاجة والظروف القاسية خياراتٍ مشوّهةً وغير محسوبة المخاطر، يفاضل المواطنون عندها بين إقناع عقولهم بعاداتٍ قديمةٍ أو الحفاظ على ما تبقّى من صحتهم، وهذا كلّه بينما يحاول الغزيون التكيّف مع سياسة الحرمان الممنهجة بأي طريقة، فقبل الملوخية، تخطّوا أزماتٍ كبيرةً عبر اختراع بدائلَ عشوائيّةٍ تفي بشيءٍ من الغرض الذي يُراد تلبيته.. ومجرد بقائهم على قيد الحياة أكبر مثال.

