Menu

تقريرأزمة "العقد الاجتماعي" الفلسطيني: ملف المخصصات وتعميق فجوة الثقة بين السلطة والشارع

ثائر أبو عياش

خاص _ بوابة الهدف الإخبارية - الضفة المحتلة

لم يكن قرارُ وقف مخصّصات الأسرى والجرحى وعائلات الشهداء مجرّدَ تعديلٍ إداري أو مالي عابر في أروقة الحكومة الفلسطينية، بل شكّل نقطة تحوّلٍ جوهرية في المنظومة القانونية والسياسية الناظمة لأكثر الملفات حساسيّةً في التاريخ الفلسطيني المعاصر. فالمرسوم الرئاسي الصادر في شباط/فبراير 2025، الذي قضى بإلغاء القوانين التاريخية التي كانت تنظّم صرف هذه المخصّصات، لم ينعكس على الواقع المعيشي لآلاف العائلات فحسب، بل أعاد صياغة فلسفة الالتزام الرسمي تجاه قضايا ارتبطت عقودًا ببنود النضال الوطني، مسبّبًا موجة احتجاجات ميدانية ومؤسساتية ما تزال تفاعلاتها مستمرةً حتى اليوم.

والتزمت الرواية الرسمية بتبرير هذه الخطوة باعتبارها جزءًا من "برنامج الإصلاح المالي والإداري الشامل"، إلا أن السياق الزمني والسياسي يربط القرار مباشرةً بسنواتٍ من الضغوط الأمريكية والإسرائيلية المتواصلة لإنهاء نظام المخصّصات؛ وهو الملف الذي لطالما شكّل محور الخلاف المالي والسياسي الأبرز بين واشنطن وتل أبيب من جهة، والسلطة الفلسطينية من جهة أخرى، مما يضع الإجراء في سياق المواجهة المباشرة بين شروط التمويل الدولي وثوابت المنظومة الوطنية.

الجذور التاريخية: نشأة العقد الاجتماعي الفلسطيني

لفهم حجم الغضب الشعبي والمؤسساتي الذي قوبل به القرار، لا بدّ من العودة إلى الجذور التاريخية لملف المخصصات، الذي يعود إلى مرحلة ما قبل نشوء السلطة الفلسطينية نفسها. فقد تأسّست "مؤسسة رعاية أسر الشهداء والجرحى" عام 1965 بقرارٍ من منظمة التحرير الفلسطينية، أي بالتزامن مع انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة.

ولم تُصمم هذه المنظومة يومًا باعتبارها شبكة أمان اجتماعي حكومية مرتبطة بوظيفة أو هيكل إداري، بل أُسست باعتبارها عقدًا اجتماعيًّا وسياسيًّا بين الثورة وحاضنتها الشعبيّة، ومفاده أن المؤسسة الوطنية ملتزمةٌ بالوفاء لعائلات الذين يفقدون حريتهم أو حياتهم أو سلامتهم الجسدية في سياق المواجهة مع الاحتلال. وبناءً عليه، صاغ المجلس التشريعي الفلسطيني لاحقًا القوانين رقم (14) لعام 2004 ورقم (1) لعام 2013 لتثبيت هذه الحقوق باعتبارها التزاماتٍ قانونيّةً إلزاميّة غير قابلة للإلغاء أو المشاطرة.

لذلك، فإن مساس المرسوم الرئاسي الأخير بهذه القوانين لم يُقرأ في الشارع على اعتباره إجراءً تقشّفيًّا فرضته الظروف، بل باعتباره اهتزازًا لبند جوهري في العقد الاجتماعي الذي يربط المواطن بالمنظومة السياسية، ومساسًا بالشرعية التاريخية والقانونية التي قامت عليها منظمة التحرير الفلسطينية.

من استحقاقٍ نضالي إلى معايير الرعاية الاجتماعية

على مدار عقود، مثلت مخصصات الأسرى والجرحى وعائلات الشهداء جزءًا من "منظومة الاعتراف القانوني والسياسي" بالتضحيات الفلسطينية. وجاء المرسوم الرئاسي ليُحدث إحلالًا قانونيًّا كاملًا؛ حيث ألغى الأساس التشريعي السابق، وأحال ملفات الأسرى والجرحى وعائلات الشهداء إلى المؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي "تمكين".

وبموجب هذا الانتقال الهيكلي، تحولت معايير الاستحقاق المالي لتبنى على "مسوحات الفقر، الحالة الاجتماعية، ومستوى الدخل الحالي للعائلة"، بدلًا من "الصفة النضالية" (أسير، جريح، شهيد). هذا التحوّل الهيكلي نقل القضيّة من إطار الاعتراف الوطني العام بالتضحية، إلى إطار "الرعاية الاجتماعية المقيّدة بشروط العوز"، حيث يخضع المستفيدون لتقييماتٍ دوريّة تبحث في ممتلكاتهم ومصادر دخلهم البديلة، وهو ما اعتبرته الأطر النقابيّة والشعبيّة تحجّجًا بالبُعد الإداري لتفكيك القيمة المعنويّة والسياسيّة للحركة الأسيرة وجيل الجرحى.

الفخ القانوني: نزع الصفة السياسية عن الضحية

تتجاوز خطورة تحويل الملف إلى مؤسسة "تمكين" الأثر المالي المباشر، لتصل إلى أبعادٍ قانونيّةٍ وحقوقيّة ترتبط بالتصنيف الدولي للمناضلين تحت الاحتلال. وتضغط المنظومة السياسية الغربية، بدفع إسرائيلي مستمر، منذ سنوات لنزع الصفة القانونية والسياسية عن الأسرى والجرحى الفلسطينيين، ومحاولة مساواتهم بالمدنيين العاطلين عن العمل أو الحالات الاجتماعية التي تحتاج إلى معوناتٍ إغاثية.

ووفقًا للمحددات الحقوقية الدولية، وتحديدًا اتفاقيتا جنيف الثالثة والرابعة، يُصنف الأسرى الفلسطينيون باعتبارهم "مقاتلين من أجل الحرية" أو "أشخاصًا محميّين" قاوموا احتلالًا أجنبيًّا، وهو مركزٌ قانوني يفرض على سلطتهم الوطنية تمثيلهم ورعايتهم بصفتهم السياسية تلك. ومن هنا، فإن إخضاع الجرحى والأسرى لآليات مسح الفقر التابعة لمؤسسة "تمكين" يتماشى تفصيليًّا مع الرؤية الدولية التي تسعى لإفراغ القضية من مضمونها التحرري، وتحويل حقوق الضحايا السياسية إلى ملفاتِ مساعداتٍ خيرية وإنسانية تخضع لرقابة المانحين وشروطهم.

لغة الأرقام: معادلة المقاصة ووهم الانفراج الاقتصادي

بُنيت المبررات الرسمية للقرار على فرضية أن إحداث هذا التغيير البنيوي في منظومة الصرف سيسهم في تفكيك الحصار المالي الخانق الذي تواجهه السلطة الفلسطينية. ومنذ عام 2018، سنّ الكنيست الإسرائيلي قانونًا يقضي باحتجاز مبالغ تعادل ما تدفعه السلطة للأسرى وعائلات الشهداء من أموال المقاصة (الضرائب الفلسطينية التي تجبيها إسرائيل)، وهي الاقتطاعات التي بلغت مئات ملايين الشواكل وتسببت في عجز مالي تراكمي وعجز السلطة عن دفع رواتب موظفيها بانتظام.

ومع ذلك، تُظهر المؤشرات المالية الرقمية بعد أكثر من عام على صدور المرسوم الرئاسي وتطبيقه، أن هذه الخطوة بُنيت على "وهم الانفراج الاقتصادي". فلم تتراجع الحكومة الإسرائيلية عن سياسة قضم أموال المقاصة، بل واصلت اقتطاع مبالغ ضخمة تحت ذرائع متجددة، مثل الديون المتراكمة لشركات الكهرباء والمياه الإسرائيلية، ومخصصات قطاع غزة، بالتوازي مع استمرار تجميد الدعم المالي المباشر من واشنطن بموجب قانون "تايلور فورس". وتثبت هذه المعطيات أن التنازل في ملف المخصصات لم يحقق العائد المالي المتوقع، بل أسفر عن خسارة مزدوجة: تعميق الأزمة المعيشية داخليًّا، مع بقاء الابتزاز المالي الخارجي على حاله.

الأثر الميداني: شهادات المعاناة من رصيف مجلس الوزراء

بعيدًا عن الحسابات السياسية والمالية، تُرجم القرار إلى أزمةٍ معيشيّةٍ حادة طالت الفئات الأكثر هشاشةً في المجتمع الفلسطيني، في وقتٍ يشهد فيه الاقتصاد واحدةً من أصعب مراحله جراء تصاعد معدلات البطالة والانهيار الشرائي العام. ويكشف الواقع الميداني عن تفاوتٍ كبير في آليات الصرف الجديدة؛ حيث يوضح الجريح علاء زيّات، من مخيم بلاطة شرق نابلس، أن الجرحى يعيشون أوضاعًا إنسانية معقدة جراء عدم انتظام الصرف، مشيرًا في حديثه للتقرير إلى أن:"بعض الجرحى لم يتلقوا أي مستحقات منذ أشهر طويلة، وحرم آخرون منها لمدد تتجاوز العامين. والاعتصام المفتوح القائم أمام مجلس الوزراء في رام الله جاء بعد استنفاد جميع محاولات الحوار مع الجهات الرسمية دون الوصول إلى حلول عملية، مما دفع الجرحى إلى التصعيد الميداني للمطالبة بحقوقهم".

وينتقد زيّات آلية الاستبيانات التي تعتمدها مؤسسة "تمكين" قائلًا: هذه الآلية تتعامل معنا كحالات للشؤون الاجتماعية تخضع لاختبارات الدخل، بينما مطالبنا تستند إلى حقوق قانونية ووطنية كفلها القانون الأساسي، وليست منحًا أو مساعدات خيرية تمن بها الحكومة".

وفي السياق ذاته، يؤكد سعيد أبو عياش، والد الشهيد مهدي أبو عياش من بلدة بيت أمر شمال الخليل، أن البعد المادي ليس المعيار الوحيد للعائلات، ولكن المخصصات كانت تمثل صمام أمان معيشي أساسي للأسر في ظل الانهيار الاقتصادي الحالي، مضيفًا: "عائلات الشهداء لم تقدم أبناءها سعيًا وراء مقابل مادي، لكن هذه المخصصات كانت تشكل سندًا حقيقيًّا لكثير من الأسر لتوفير متطلبات الحياة اليومية وتأمين الأدوية للجرحى ذوي الإعاقات الدائمة. الحفاظ على هذه المنظومة هو التزام معنوي وإنساني يعكس وفاء المؤسسة الرسمية، وتحويل الملف إلى بنود إغاثية يمس مباشرة بالكرامة والرمزية الوطنية للشهادة والأسر".

مآلات الأزمة وفجوة الثقة المفتوحة

بعد مرور أكثر من عام على دخول المرسوم الرئاسي حيز التنفيذ، تبدو النتائج الميدانية والسياسية واضحةً في اتجاهات عدّة: اتساع الفجوة الداخلية: تحولت الوقفات الاحتجاجية في مدن الضفة الغربية من مجرد مطالب فئوية إلى حراك نقابي وسياسي مستمر، يعيد صياغة مفهوم الحقوق الوطنية في مواجهة تكنوقراط الإدارة المالية.

غياب المكاسب السياسية: لم تقدم تل أبيب أو واشنطن أي تسهيلات مالية أو سياسية ملموسة للسلطة الفلسطينية مقابل هذا الإجراء، مما أظهر المؤسسة الرسمية في موقفِ مَنْ قدّم تنازلًا رمزيًّا هائلًا دون تحقيق أي انفراجةٍ ملموسة.

في الخلاصة، يثبت استمرار الجدل والاعتصامات حول ملف المخصصات أن الأزمة تتجاوز حدود العجز في الموازنة العامة أو البحث عن معايير أكثر عدالة للصرف. إنها أزمة حول "حدود المناورة الرسمية" أمام الشروط الخارجية، ومدى قدرة المنظومة السياسية على إدارة أزماتها الاقتصادية دون المساس بالركائز الأساسية للرواية والذاكرة الوطنية الفلسطينية. وطالما بقيت الحسابات المالية مقدمةً على الاعتبارات الرمزية، ستبقى فجوة الثقة بين الشارع والمؤسسة الرسمية مرشحةً لمزيدٍ من الاتساع، باعتباره عنوانًا لأزمة عقد اجتماعي فلسطيني مأزوم.