Menu

حوار"بوابة الهدف" تجري حوارًا مع رئيس شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية حول الكارثة الإنسانية في غزة

أحمد زقوت

رئيس شبكة المنظمات الأهلية رأفت المجدلاوي

خاص _ بوابة الهدف الإخبارية - قطاع غزة

في وقتٍ يواصل فيه قطاع غزة مواجهة واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخه، تتفاقم الأزمات الصحية والغذائية والإغاثية وسط دمار غير مسبوق للبنية التحتية، واستمرار القيود على دخول المساعدات، وتراجع التمويل الدولي.

 وبينما تتحدث أطراف دولية عن تحسن نسبي في الوضع الإنساني، تؤكد المؤسسات العاملة على الأرض أنّ الواقع يسير في الاتجاه المعاكس، وأنّ الاحتياجات تتجاوز بكثير ما يصل إلى السكان.

في هذ الحوار الذي أجرته "بوابة الهدف"، يقدّم رئيس شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، رأفت علي المجدلاوي، صورة شاملة لحجم الانهيار الإنساني الذي يعيشه قطاع غزة، متناولًا أسباب انهيار المنظومة الصحية، وأبرز التحديات التي تواجه عمل المنظمات الأهلية، والفجوة المتسعة بين الاحتياجات الإنسانية والاستجابة الفعلية.

كما يستعرض أولويات مرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، ويوجه رسائل إلى المجتمع الدولي والجهات المانحة، داعيًا إلى تحمّل مسؤولياتها تجاه الكارثة المتواصلة في القطاع.

انهيار المنظومة الصحية وتدمير المستشفيات

ويؤكد المجدلاوي أنّ انهيار المنظومة الصحية يمثّل اليوم المؤشر الأخطر على حجم الكارثة الإنسانية في قطاع غزة، موضحًا أنّ القطاع الصحي لم يكن، حتى قبل عدوان عام 2023، في وضعٍ جيد، إذ كان يعاني، بفعل الحصار والانقسام السياسي الفلسطيني، من شح الموازنات، والعجز المزمن في الإمدادات الطبية، ونقص الكوادر البشرية، وغياب كثير من الأجهزة والمعدات الطبية والكهربائية.

ويضيف أنّ” العدوان فاقم هذا الواقع بصورة غير مسبوقة، بعدما تعمّد الاحتلال تدمير البنية التحتية الصحية عبر التدمير الكلي والجزئي لـ(28) مستشفىً من أصل (35) كانت تعمل قبل الحرب، إلى جانب استهداف وتدمير نحو (80%) من مراكز الرعاية الصحية الأولية، فضلًا عن تدمير المستشفيات التخصصية، الأمر الذي دفع المنظومة الصحية إلى حافة الانهيار الكامل”.

ويتابع المجدلاوي: “خسرت المنظومة الصحية عددًا كبيرًا من الكوادر الطبية المتخصصة التي يصعب تعويضها في المدى المنظور، نتيجة هجرة بعضهم خارج قطاع غزة، واستشهاد آخرين، واعتقال آخرين”، مشيرًا إلى أنّ الاحتلال لا يزال يحتجز أكثر من (16) طبيبًا اختصاصيًا من الكفاءات الطبية النادرة.

بطء الإجلاء الطبي وتزايد أعداد المرضى يفاقم الكارثة

يؤكد مجدلاوي أنّ هذه العوامل مجتمعة عمّقت أزمة القطاع الصحي، ورفعت أعداد المرضى المحتاجين للعلاج خارج قطاع غزة، حيث تجاوز عدد المسجلين على قوائم الانتظار (20,000) مريضاً ومريضة. وفي المقابل، فقد آلاف المواطنين حياتهم بسبب غياب الخدمات الصحية وعدم تمكّنهم من السفر لتلقّي العلاج، نتيجة الآلية التي يفرضها الاحتلال للإجلاء الطبي.

ويلفت إلى أنّ” الآلية المعمول بها حاليًا تعني الحاجة إلى نحو (5) أعوام لإجلاء المرضى والمصابين المدرجين على قوائم الانتظار، وذلك بافتراض عدم زيادة أعدادهم”، وهو افتراض، بحسب وصفه "غير واقعي".

ضعف الاستجابة وتغطية محدودة للاحتياجات

وبشأن الاستجابة الإنسانية، يشير رئيس شبكة المنظمات الأهلية إلى أنّها لا ترتقي إلى حجم الكارثة القائمة، موضحًا أن ّمعدل استجابة الممولين لتغطية احتياجات المواطنين عبر المؤسسات الإنسانية لم يتجاوز (20%). ويؤكد أن ّالاحتلال يواصل فرض إجراءات وقيود تعرقل انتقال قطاع غزة إلى مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، من خلال تقييد إدخال الواردات من حيث الكميات والأنواع.

ويضيف أنّ “قطاع غزة يحتاج في ظل الظروف الراهنة، إلى ما لا يقل عن (800) شاحنة مساعدات يوميًا، في حين لا يُسمح بدخول أكثر من (200) شاحنة، إلى جانب منع إدخال أكثر من (80%) من السلع الأساسية والضرورية، وهو ما يفاقم الأزمة الإنسانية ويحول دون تلبية الاحتياجات المتزايدة للسكان”.

قيود مشددة

ويبيّن المجدلاوي لــ"بوابة الهدف" أنّ “هناك قائمة واسعة من الاحتياجات الأساسية التي لا تزال ممنوعة أو مقيّدة بشكل كبير، من بينها مستلزمات الفحص الطبي، والأجهزة الطبية، وأدوية الأمراض السرطانية والمناعية، إضافة إلى الأجهزة الكهربائية اللازمة لعمل المؤسسات، والزيوت المعدنية، والبطاريات، وألواح الطاقة الشمسية، وقطع الغيار، والمولدات الكهربائية، فضلًا عن احتياجات شبكات المياه والصرف الصحي، ومحطات التحلية، ما يفاقم من عمق الأزمة الإنسانية ويحدّ من قدرة القطاعات الحيوية على العمل”.

ويوضح في حديثه أنّ نحو (15%) فقط من المؤسسات الأهلية ما تزال قادرة على العمل، وتعمل في ظروف استثنائية بالغة الصعوبة، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل العدوان.

أزمة إنسانية عميقة

تؤكد المؤسسات الإنسانية أنّها تقف عاجزة أمام الكم الكبير والمتزايد من الاحتياجات الإنسانية المتعددة في قطاع غزة، خاصة في ظل الظروف المأساوية التي يعيشها أكثر من مليون مواطن/ة داخل خيام مهترئة، حيث يفتقرون إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة، ويواجهون أوضاعًا قاسية تشمل العيش وسط انتشار القوارض والحشرات، ما يعكس عمق الأزمة الإنسانية وتفاقمها المستمر، بحسب رئيس شبكة المنظمات.

استمرار القيود "الإسرائيلية" يعطّل التعافي وإعادة الإعمار

وحول أبرز العقبات التي تعيق وصول المساعدات إلى مستحقيها، يوضح ضيف "بوابة الهدف" أنّها تتعدد وتتداخل، وفي مقدمتها عدم توفر التمويل اللازم للمؤسسات العاملة في قطاع غزة، إلى جانب تقييد عمل المؤسسات الدولية من قِبل قوات الاحتلال.

كما تشمل هذه العقبات عدم توفر بنية تحتية مناسبة لتخزين المساعدات الإنسانية، وغياب دور وكالة الأونروا في المشهد الإغاثي رغم ما تمتلكه من قدرات وخبرات وكوادر متخصصة، فضلًا عن استمرار حالة النزوح الداخلي المتكرر، ما يزيد من صعوبة تنظيم وتوزيع المساعدات بشكل فعال ووصولها إلى مستحقيها.

وتؤكد الجهات المعنية أنّ المساعدات الإنسانية لا تنسجم إلى حد كبير مع المعايير الإنسانية، سواء من حيث النوع أو الكم، إذ يفترض أن يتمّ توفير الاحتياجات بناءً على أولويات السكان واحتياجاتهم الفعلية.

إلا أنّ الواقع يشير، بحسب المجدلاوي، إلى تعمّد تقييد وصول المساعدات وكمياتها بشكل كافٍ من قِبل قوات الاحتلال، حيث يُمنع إدخال مئات الأصناف الأساسية تحت ذرائع متعددة، من بينها ما يُعرف بالاشتراطات الخاصة بالمواد والسلع ذات الاستخدام المزدوج، ما يحدّ بشكل كبير من فعالية الاستجابة الإنسانية ويعمّق الأزمة القائمة.

وهناك مناطق في قطاع غزة باتت شبه محرومة من الخدمات الإنسانية نتيجة الدمار الواسع الذي طال المساكن والبنية التحتية، بما في ذلك شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء، ويقول المجدلاوي: “إنّ هذه المناطق تعاني من صعوبات كبيرة في الحصول على الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، في ظل حجم الدمار واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية”.

أزمة إنسانية بلا معالجة سياسية

 وفي السياق السياسي والإنساني، يوضح رئيس شبكة المنظمات الأهلية أنّ المعضلة الكبرى تكمن في تعامل المجتمع الدولي مع أزمة قطاع غزة باعتبارها أزمة إنسانية فقط، ضمن سلسلة من الإجراءات التي لا تزال مستمرة، مع تجاهل واضح لجذور المشكلة المرتبطة بوجود الاحتلال، مشددًا على أنّ “إنهاء العدوان وزوال الاحتلال وفق قرارات الشرعية الدولية، وإقامة الدولة الفلسطينية، وضمان حقوق الشعب الفلسطيني، تمثّل المدخل الأساسي لحل القضية الفلسطينية وإنهاء الأزمات في فلسطين والمنطقة”.

إبادة جماعية

ويؤكد أنّ ما يجري في غزة هو إبادة جماعية، وأنّ التعامل معها يجب أن يكون مسؤولية جماعية تقع على عاتق المجتمع الدولي، ولا يجوز أن تخضع الاحتياجات الإنسانية للمتضررين لأي اعتبارات سياسية أو إجرائية أو تمويلية. إلا أنّ الواقع، بحسب المجدلاوي، يشير إلى أنّ الإجراءات المتخذة تسعى لتقييد التمويل ووضع محددات للاستجابة الإنسانية لا تتوافق مع حجم الاحتياجات.

ويضيف المجدلاوي أنّ “توفير التمويل الكافي، واعتماد معايير وآليات استجابة تتناسب مع احتياجات السكان في التعافي وإعادة الإعمار، يمثّلان المدخل الأساسي لإنهاء الكارثة الإنسانية التي خلّفها العدوان المستمر على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023”.

تراجع التزامات المانحين

وفيما يتعلق بالمانحين، يشير إلى وجود تراجع كبير في الالتزامات لأسباب متعددة، من بينها نقص التمويل، وتغير الأولويات التمويلية نتيجة الأزمات والصراعات في المنطقة، إضافة إلى القيود التي يفرضها الاحتلال وما يترتب عليها من صعوبات في إدخال المساعدات وتقييد عمل المؤسسات الدولية في قطاع غزة.

الأولويات العاجلة، بحسب المجدلاوي، “تتمثّل في قطاعات الصحة والمياه والزراعة والإيواء والتعليم، باعتبارها الأكثر إلحاحًا في ظل الواقع الإنساني الراهن في قطاع غزة”.

ويؤكد أنّ جميع محاولات التعافي المبكر تصطدم بإجراءات الاحتلال وقيوده المفروضة، لا سيما ما يتعلق بتوريد السلع والمواد الأساسية، مشيرًا إلى أنّ إنهاء هذه القيود من شأنه أن يمهّد الطريق بشكل كبير للانتقال إلى مرحلة التعافي المبكر.

إسناد المؤسسات الحكومية

وفي السياق ذاته، يوضح ضيف "الهدف" أنّ المؤسسات الأهلية الصحية لعبت، تاريخيًا، دورًا مهمًا في إسناد المؤسسات الحكومية، وبرز هذا الدور بشكل واضح خلال العدوان، حيث تحملت أعباءً كبيرة وخفّفت الضغط عن القطاع الحكومي، لافتًا إلى أنّ المؤسسات الأهلية الصحية والتعليمية قادرة على سد أكثر من (50%) من الفجوة القائمة حاليًا في هذين القطاعين.

كما يشير إلى أنّ “الوثائق والاتفاقيات والمبادرات المتعلقة بقطاع غزة تعطي أولوية للبُعد الإنساني، بما يحدّ من التوجه نحو الحلول السياسية التي يعتبرها المدخل الأساسي لإنهاء الأزمات في غزة والضفة الغربية”، موضحًا أنّ القيود المفروضة على السلطة الوطنية الفلسطينية، تحت ذرائع الإصلاح الإداري والمؤسساتي، إلى جانب منع وصول اللجنة الوطنية لإدارة غزة، تعكس -بحسب وصفه- إرادة تهدف إلى تعطيل المسار السياسي.

وفيما يتعلق بدور المنظمات الدولية، يوضح المجدلاوي أنّ” بعض المؤسسات التابعة للأمم المتحدة أدت أدوارًا أساسية وجوهرية ضمن معايير التدخل الإنساني، في حين أنّ مؤسسات دولية أخرى لعبت أدوارًا سلبية أو عدائية، ساهمت في تفاقم الأزمات بدلًا من معالجتها، ورفعت من كلفة تقديم الخدمات وأهدرت جزءًا من الموارد”.

متابعة المناصرة الدولية ورصد الفجوة الإنسانية

تلعب شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية أدوارًا مهمة على عدة مستويات، أبرزها رصد وتحديد الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية وما هو متوفر من إمكانات، والعمل على توثيقها بشكل مستمر، إلى جانب متابعة مختلف أشكال المناصرة الدولية اللازمة لتسليط الضوء على هذه الفجوة وكشف آثارها الكارثية على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وفق ما يؤكد المجدلاوي.

ويشدد على أنّ “العدوان على قطاع غزة لم يتوقف منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، مشيرًا إلى أنّه حتى بعد إعلان ما يُسمى وقف إطلاق النار، اتخذ الاحتلال أشكالًا أخرى من العدوان، تستهدف السيطرة والتحكم في مختلف مناحي الحياة الفلسطينية، سواء الإنسانية أو الصحية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو النفسية، في إطار سعيه لتحقيق أهدافه، بما في ذلك دفع نحو ترحيل سكان قطاع غزة”.