Menu

تقريراغتيال داوود خلف: عندما يلجأ الاحتلال لميليشياته بعد فشله في الميدان

بوابة الهدف الإخبارية

خاص_بوابة الهدف الإخبارية

منذ أنْ بدأت "إسرائيل" عدوانها الفاشي على قطاع غزة في السابع من أكتوبر تشرين أول 2023، استخدمتْ كلَّ أساليبها في إبادة شعبنا، فمن قتل البشر لتدمير الحجر واقتلاع الشجر، وليس آخرًا جعلُ القطاع منطقةً غير قابلةٍ للعيش، وملؤه بمشكلاتٍ داخليّةٍ وفلتانٍ أمني عبر إنشاء "ميليشياتٍ مسلحة" تعمل بتنسيقٍ كاملٍ مع جيش الاحتلال في المناطق التي احتلّها وسيطر عليها خلال العدوان.

هذه الميليشيا التي تضمّ العشرات ممّن لفَظَهم قطاعُ غزة، ومَنْ كانوا داخل السجون الأمنيّة في قطاع غزة، على خلفيّة قضايا أخلاقيّةٍ وجنائيّة، وكثير منهم كان مسجونًا على قضايا عمالةٍ وتخابرٍ مع الاحتلال، إذ لم يجدوا سبيلاً للعيش داخل القطاع، فبحثوا عن أماكنَ تستوعب جرائمهم، وأجهزةٍ توسّع من إجرامهم.

النشأة والظهور

برزتْ ظاهرةُ ميليشيات العملاء أواخرَ 2024، وبدايةَ 2025، مستغلةً حالة تغييب الأجهزة الأمنية الفلسطينية أثناء العدوان، وكذلك لعبتْ على وتر المجاعة التي تفشّت في القطاع بسبب وقف إدخال المساعدات وإغلاق المنافذ البرية مع قطاع غزة، حيث بدأتْ على اعتبارها عصاباتٍ محليّةً عملت على قطع طرق المساعدات، وَفّرتْ قواتُ الاحتلال الحمايةَ لهذه المجموعات، مما سمح لها بالسيطرة على بوابات العبور وقوافل المساعدات وبيعها بأسعارٍ مرتفعة.

تطوّرت هذه المجموعات بدعمٍ وتنسيقٍ "إسرائيليينِ" إلى ميليشياتٍ منظّمةٍ تعمل في (المناطق الصفراء)، وبتنسيقٍ ودعمٍ مادي ولوجستي كاملٍ من جيش الاحتلال، وباعترافٍ رسميّ من أجهزته الأمنية، ومع مرور الوقت وتوسّع سيطرة الجيش على أجزاء واسعة من القطاع، عمل على تنظيمها بشكلٍ أكبر، وربطها بشكلٍ مباشر مع "المخابرات الإسرائيليّة" لتنفيذ مهام أمنيّة.

أبرز التشكيلات والمواقع:

منطقة رفح: برزت مجموعة "ياسر أبو شباب" (التي نشطت جنوب شرق رفح) باعتبارها واحدةً من أوائل هذه المجموعات، وقد تولى قيادتها غسان الدهيني عقب مقتل أبو شباب العام الماضي

جنوب القطاع وخانيونس: تولى قيادتها "حسام الأسطل"

المنطقة الوسطى: تزعّمها "شوقي أبو نصيرة".

مدينة غزة والشمال: برزت مجموعات بقيادة "رامي حلس" و"أشرف المنسي".

مع بداية ظهور مجموعات العملاء، تضاربت الأهداف من وراء تشكيلها، ففي حين أعلنت "إسرائيل" أنها تسعى لإيجاد بدائلَ عشائريّةٍ محليّةٍ لتوزيع المساعدات وسلطةٍ بديلةٍ في غزة، عدّتْ تقاريرُ أنّ هدفها الأساسي هو نشر الفوضى، ملاحقة عناصر المقاومة، وزعزعة الاستقرار الداخلي عبر اختطاف مقاومين وتسليمهم لجيش الاحتلال، لتثبت هذه المهمّة أساسًا في عمل هذه المجموعات، وذلك باعتراف قادتها والمنضمين لها، الذين أكّدوا بشكلٍ واضحٍ عملَهم وولاءهم لصالح المخابرات الإسرائيليّة، وكلّ جهةٍ مناهضة للمقاومة.

بيادق الجيش: خيانة علنية عمليات اغتيال واعتقال لصالح الاحتلال

بعد أشهرٍ قليلةٍ من ظهور هذه الميليشيات، طوّرت المخابرات الإسرائيلية من مهامها، فانتقلت من قطع الطرق وقرصنة المساعدات، إلى العمل بيدقًا للجيش ضمن مناطقَ سيطرته داخل القطاع، على اعتبارها عمليات تمشيطٍ وبحثٍ عن الأنفاق، ومرافقة جنود الاحتلال في بعض عملياتهم البريّة، وصولًا للقيام بعملياتٍ تخريبيّة، تشمل اعتقال مقاومين وعناصر أمنيّة، وعمليات اغتيال طالت قيادات في المقاومة الفلسطينية، والقيادي في كتائب الشهيد أبو علي مصطفى الذراع العسكري للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين "داوود خلف" مثالًا.
0c46a385-b1a9-44db-8c5f-bfaa4e98c140.jpg

صباح يوم الخميس – الرابع من سبتمبر/أيلول من العام 2025، أقدمت هذه الميليشيا على اغتيال عضو هيئة أركان كتائب الشهيد أبو علي مصطفى القيادي داوود خلف، بعد أن أطلق 4 من عناصرها الرصاص عليه بشكلٍ مباشر غرب مدينة دير بلح وسط القطاع.

تفاصيل الحدث

قائد المحافظة الوسطى في كتائب الشهيد أبو علي مصطفى "أبو الوديع" يروي لـ"للهدف" تفاصيل اغتيال الشهيد داوود، يقول إن 4 عناصر من ميليشيا العملاء كانوا داخل "جيب مدني"، اقتحموا المكان الموجود فيه داوود في معسكر مدينة دير البلح، وقد تمّت العمليّةُ تحت غطاءٍ جوي كامل من جيش الاحتلال، حيث غطّتْ طائراتُ الاحتلال المسيّرة والكواد كابتر والطائرات الحربيّة أجواءَ المنطقة.

ويؤكّد القيادي أبو الوديع أنّ هدف العملية كان اغتيال داوود وليس اعتقاله كما روّجت بعض المصادر ومنها وسائل إعلام العدو، مشيراً إلى أنّ العملاء أطلقوا 5 رصاصات بشكل مباشر تجاه داوود مما أدّى لاستشهاده على الفور، مشيراً إلى أنّ مثل هذه العمليات كانت أحد الأسباب الرئيسية وراء تشكيل هذه المجموعات، بعد أن فشل العدو بالوصول لقيادات المقاومة خلال عدوانه البريّ والجوي على القطاع، مؤكداً أنّ أجهزة الكتائب الاستخبارية والأمنية إلى جانب أجهزة فصائل المقاومة تعمل وباستمرار على ملاحقة عناصر هذه الميليشيات، وقد تمكنت من قتل عدد منهم عبر كمائن وعبر عمليات خاصة نفذتها المقاومة.

ويضيف قائد المحافظة الوسطى في الكتائب أنَّ التحقيقات من بدايتها أثبتت تورّط العملاء المدعومين من جيش الاحتلال في هذه الجريمة، وذلك ما أثبتته فوارغ الرصاصات التي أُطلقت، حيث تظهر تاريخ صناعتها الحديث، والرموز العبريّة المخطوطة عليها.

لماذا داوود خلف؟

في هذا السياق، يقول "أبو الوديع" في حديثه مع الهدف، إن الشهيد الرفيق داوود خلف وضمن عمله في قيادة أركان كتائب الشهيد أبو علي مصطفى، قد أوكل إليه المهام الميدانية، كتشكيل المجموعات الميدانية، وإعادة وتوجيه الأوامر العسكرية بالعمل على الأرض على مستوى قطاع غزة، وكان يتنقل بشكل مستمر ما بين أرجاء قطاع غزة من وسطه إلى جنوبه، بالإضافة إلى أنّه كان المكلف بالتواصل والتنسيق مع فصائل المقاومة أثناء العدوان.

ويضيف القيادي أن ورغم الإمكانيات الصعبة، كان الشهيد يحاول توفير الإمكانيات العسكرية للرفاق المقاومين في الكتائب، ويعمل على تزويدهم المستمر بالعتاد اللازم للتصدي للعدوان، ويكشف القيادي للهدف أن الشهيد داوود تمكّن تأسيس ورشة تصنيع عسكري في ظل العدوان. رغم بدائيتها لكنها أنتجت عددًا كبيرًا من الصواريخ وقذائف الهاون، وقد كان أحد الأسباب الكبرى التي كتبت النجاح لوحدة هندسة التصنيع العسكري في إحدى مناطق القطاع غزة، كما كان مسؤولًا عن توفير المواد الخام اللازمة للتصنيع.

0c35eebb-c901-4263-abfd-c09805793e28 (1).jpeg
 

ويشير قائد المحافظة الوسطى لكتائب الشهيد أبو علي مصطفى إلى أنّ الرفيق داوود خطّط لكثيرٍ من العمليات وكثيرٍ من المهام العسكرية، من رميات الصواريخ والهاون وغيرها من عمليات التصدي للاجتياحات، وكان يعمل على نقل السلاح والعتاد بين محافظات القطاع، مشيرًا إلى أنَّ كلَّ ما ذُكر وما لم يُذكر جعل الشهيد داوود هدفًا لدى أجهزة الاحتلال، وعَدَّهُ من الذين يشكّلون خطرًا.

إرادة قتالية وحنكة عسكرية

يروي قائد المحافظة الوسطى في كتائب الشهيد أبو علي مصطفى للهدف بعضًا من الصفات القياديّة التي تمتّع بها الشهيد داوود خلف، قائلًا: "كان يتمتع بصفاتٍ ثورية كبيرة، صلبًا كبير الانتماء للوطن، كان يمتلك من الإرادة القتالية والحنكة العسكرية الكبيرة، حيث تمكن من قيادة المجموعات العسكرية خلال فترة العدوان بكلّ كفاءةٍ وبكلّ شراسةٍ وبكل شجاعة، وتحلى بالسرية، وبحب الجبهة وفوق كل ذلك حب فلسطين، وتولّد لديه شعورٌ دائم بأن هذا العدو يجب أن يتم الإثخان فيه وتدفيعه أكبر ثمن ممكن مقابل عدوانه على شعبنا.

ويضيف: "وفي الميدان، هو مقاتل شرس لا يهاب الموت، لديه من إرادة القتال الكثير، وكان يحث الرفاق دائمًا على أنَّ الشهادة هي الطريق الذي اخترناه جميعًا، وكان يقول لنا: "ثوروا فلن تخسروا سوى القيد والخيمة"، وعن صفاته الإنسانيّة، يقول القيادي "أبو الوديع": رفيقنا كان دمث الأخلاق، طيبًا، يحمل من المشاعر الإنسانية الكثير، ومحبوبًا لدى رفاقه، وكان الجميع متّفقًا على رفيقنا داوود، حتى لو كان مختلِفًا معه بالرأي.

وفي ختام حديثه مع "بوابة الهدف" أكّد القيادي "أبو الوديع" على عهد كتائب الشهيد أبو علي المصطفى لرفيقنا داوود بأن تمضي على دربه، وعلى الوصايا التي ما زلنا متمسكين بها، مقاتلين في الميدان، مستمرين على طريق المقاومة والثأر والتحرير، رغم كل الويلات التي يمر بها شعبنا".

داوود خلف: القائد الإنسان وامتداد العائلة الثوري

بوابة الهدف التقت بعائلة الشهيد الرفيق داوود خلف، التي أكّدت على أنّه استمدّ حبه العميق للوطن، وشغفه بالمقاومة، وانتماءه لـ " الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين " مباشرةً من عائلته، فهي التي كانت دائمًا الدافعَ والمحرّكَ له للسير في هذا الطريق النضالي، وقد كانت العائلة تدرك تمامًا أنَّ طريق المقاومة نهايتُهُ محتومةٌ (إما النصر أو الشهادة)، لكنّها كانت ترى هذه التضحيةَ رخيصةً أمام ما يقدّمه أبناءُ الشعب الفلسطيني من تضحياتٍ جسام لمواجهة الاحتلال حتى تحقيق التحرير والعودة.

وبحسب حديث العائلة، فلم يشكل احتمال استشهاد داوود هاجسًا أو عائقًا أمام العائلة؛ فقد حرصت والدتُهُ منذ الصغر على زرع حب الوطن والجهاد في سبيله داخل نفسه، وكانت تهيئ نفسها باستمرار لاستقبال خبر استشهاده في أي يوم.

رغم الاستعداد النفسي لشهادته، إلا أن رحيله ترك فراغًا كبيرًا جدًّا نظرًا لصفاته الإنسانيّة والمودة العالية التي كان ينشرها بين أفراد أسرته، وبحسب شهادة شقيقه: "فقد كان داوود الأقرب إلى قلوب الجميع، وكان يمثّل حلقة الوصل التي تجمع العائلة، ولم ينقطع يومًا عن السؤال عنهم والاطمئنان عليهم حتّى في أشدّ أوقات المعارك ضراوةً أثناءَ التصدّي للعدوان على قطاع غزة".

يمثل اغتيال الشهيد داوود خلف محطة فارقة تكشف بوضوح طبيعة الدور الخبيث المنوط بميليشيات العملاء في قطاع غزة؛ تلك المجموعات التي ولدت من رحم الجريمة والعمالة، وترعرعت تحت ظلال طائرات الاحتلال وحمايته، لكن التاريخ يعلمنا أن بيادق الخيانة سرعان ما تتهاوى مع أولى تباشير النصر، وأن الفوضى والفلتان الأمني اللذين يسعى الاحتلال لزرعهما سيتمزقان بين إرادة شعبنا الذي لطالما لفظ الخونة ورفض طريقهم.

بقدر ما تكشف هذه الجريمة عن حجم التحديات الداخلية والأمنية المتزايدة، فإنها تؤكد في الوقت ذاته على فشل الاحتلال في تحقيق أهدافه العسكرية مباشرة، ليلجأ إلى أدواتٍ يجمع الشارع الفلسطيني على نبذها ومحاربتها، مما يضع استقرار القطاع ومستقبله أمام اختبار حقيقي تقوده مقاومة مدعومة بحاضنتها الشعبية.