جاء شهر حزيران/يونيو 2026 في فلسطين امتدادًا لحالة اشتعال حرب مفتوحة لم تتوقف منذ ثلاث سنوات، حيث تواصلت تداعيات الحرب على قطاع غزة، وتصاعدت المواجهة في الضفة الغربية، خصوصًا مع الارتفاع الحاد في اعتداءات المستوطنين، في حين ظل الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948 يعيش تحت ضغط مزدوج من سياسات التمييز والتضييق التي تمارسها مؤسسات الاحتلال، وتفاقم الجريمة المنظمة التي أودت بعشرات الضحايا. أما سياسيًا، فقد بدت الساحتان الفلسطينية وداخل الكيان، عالقتين في أزماتهما البنيوية دون أفق واضح للحل.
قطاع غزة – كارثة إنسانية مستمرة تحت سقف حرب مفتوحة
في قطاع غزة، واصل الاحتلال الإسرائيلي عملياته العسكرية خلال حزيران، وإن بوتيرة أقل من المراحل الأولى للحرب، إلا أن ذلك لم يخفف من حجم الكارثة الإنسانية المتفاقمة. فقد استمرت الغارات الجوية المتقطعة والاستهدافات وعمليات الاغتيالات بحق عناصر المقاومة والمدنيين في عموم مناطق القطاع، بالتوازي مع استمرار القيود الصارمة التي تفرضها قوات الاحتلال، على إدخال المساعدات الإنسانية والوقود.
وتشير التقارير الإنسانية إلى أن القطاع يعيش حالة انهيار شبه شامل للبنية التحتية، حيث ما تزال مساحات واسعة من المدن مدمرة، مع استمرار أزمة النزوح الداخلي لعشرات الآلاف من العائلات. كما يعاني السكان من نقص حاد في المياه الصالحة للشرب والكهرباء والخدمات الأساسية، في ظل تدهور بيئي وصحي خطير.
فيما النظام الصحي في غزة يواجه بدوره ضغطًا هائلًا، مع استمرار خروج مستشفيات عن الخدمة ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، ما جعل القدرة الاستيعابية للمستشفيات محدودة للغاية أمام الإصابات المتكررة. هذا الواقع الإنساني جعل من غزة منطقة ضغط إنساني مفتوح، تُدار فيها الحياة اليومية في حدود الحد الأدنى من البقاء.
الضفة الغربية – اقتحامات يومية وتصاعد غير مسبوق في إرهاب المستوطنين
في الضفة الغربية، شكّل شهر حزيران ذروة جديدة في التصعيد الميداني، حيث كثّف جيش الاحتلال اقتحاماته لمدن ومخيمات وقرى الضفة، خاصة في جنين ونابلس وطولكرم والخليل، رافقها اعتقالات واسعة، وتدمير للبنية التحتية، وفرض مزيد من الحواجز التي قطعت أوصال الجغرافيا الفلسطينية.
لكن التحول الأخطر تمثل في تصاعد اعتداءات المستوطنين بشكل منظم وغير مسبوق. فقد تحولت هذه الاعتداءات إلى نمط شبه يومي، يستهدف القرى الفلسطينية، خصوصًا في المناطق الرعوية والزراعية، تحت حماية مباشرة أو غير مباشرة من جيش الاحتلال.
وشملت الاعتداءات خلال حزيران:
إحراق منازل ومركبات فلسطينية.
الاعتداء الجسدي على المزارعين والرعاة.
اقتلاع وتخريب مساحات واسعة من الأراضي الزراعية.
منع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم.
إقامة بؤر استيطانية جديدة لفرض وقائع ميدانية.
وتشير تقديرات أممية إلى تسجيل مئات الاعتداءات خلال هذا الشهر، في سياق يعتبره مراقبون جزءًا من سياسة تهدف إلى دفع السكان نحو التهجير التدريجي من مناطق واسعة في الضفة الغربية، خاصة في المناطق المصنفة (ج).
كما حذرت تقارير دولية من أن تزاوج العنف الاستيطاني مع الحماية العسكرية يخلق واقعًا جديدًا على الأرض، يعيد تشكيل الجغرافيا السكانية لصالح التوسع الاستيطاني، في ظل غياب أي مساءلة حقيقية.
الداخل الفلسطيني المحتل (48) – تضييق سياسي وتفكك اجتماعي متسارع
في الداخل الفلسطيني المحتل، واصل الوضع في شهر حزيران تكريس حالة من الضغط السياسي والاجتماعي المتصاعد، حيث استمرت القيود على حرية التعبير والتضامن مع غزة، وتعرض ناشطون وطلاب لاستدعاءات وتحقيقات على خلفية منشورات ومواقف سياسية.
في الوقت ذاته، تعاني البلدات العربية من فجوات بنيوية في مجالات الأرض والتخطيط والإسكان، ما يفاقم أزمة السكن ويعمق الفجوة مع البلدات اليهودية التي تحظى بتوسع عمراني واسع.
لكن الحدث الأبرز كان استمرار تفاقم الجريمة المنظمة والعنف الداخلي، حيث شهدت عدة بلدات عربية حوادث إطلاق نار وجرائم قتل متكررة، وسط اتهامات لشرطة الاحتلال بالتقاعس أو الفشل في مواجهة هذه الظاهرة. وقد أدى ذلك إلى تآكل متزايد في الشعور بالأمن داخل المجتمع العربي، وتعميق الإحباط الاجتماعي.
اقتصاديًا، يستمر التمييز في فرص العمل ومستوى الخدمات، ما يعزز شعور التهميش البنيوي، خاصة بين فئة الشباب.
المشهد السياسي الفلسطيني – أزمة بنيوية وانقسام مستمر
سياسيًا، لم يحمل حزيران أي اختراق في ملف الانقسام الفلسطيني، حيث بقيت السلطة الفلسطينية في مواجهة أزمة مالية خانقة وتراجع في قدرتها السياسية على التأثير في مسار الأحداث.
وفي المقابل، واصلت القيادة الفلسطينية تحركاتها الدبلوماسية في المحافل الدولية لوقف الحرب على غزة ووقف الاستيطان، إلا أن هذه الجهود بقيت محدودة التأثير في ظل غياب أدوات ضغط فعلية على الأرض.
كما استمر الجمود في ملف المصالحة الداخلية، مع غياب أي تقدم حقيقي نحو إعادة توحيد النظام السياسي الفلسطيني، في وقت تتفاقم فيه التحديات الميدانية والاقتصادية، على الرغم من الدعوات التي أطلقتها قيادة السلطة لإقامة انتخابات عامة للمجلس الوطني الفلسطيني، إلا أن المراقبين يرون أن تلك الدعوات لم تصل الى درجة تحققها، لاعتبارات كثيرة ومتعددة، أهمها عدم وجود مناخات عامة تسمح بهذا الانجاز، في ظل وجود عوائق لوجستية تمنع من ذلك ايضا .
المشهد السياسي في دولة الاحتلال – أزمة حكومية وانتخابات قادمة واصل ائتلاف بنيامين نتنياهو مواجهة ضغوط داخلية متزايدة، في ظل استمرار الحرب المفتوحة في غزة وتوسع التوتر في الضفة الغربية وجنوب لبنان.
حيث شهد شهر حزيران تصاعد الانتقادات من المعارضة وأوساط أمنية وسياسية سابقة، حذرت من أن تغوّل التيار اليميني المتطرف داخل الحكومة ساهم في تغذية العنف في الضفة الغربية، وأضر بصورة دولة الاحتلال على المستوى الدولي.
كما برزت خلافات داخل المؤسسة السياسية حول إدارة الحرب وأهدافها، بين تيارات تدفع نحو استمرار العمليات العسكرية سواء في غزة او جنوب لبنان، وأخرى تحذر من استنزاف طويل الأمد دون أفق سياسي.
دوليًا، تزايدت الانتقادات تجاه سياسات الاستيطان، وبدأت بعض الدول باتخاذ خطوات عقابية ضد جهات مرتبطة بعنف المستوطنين، في مؤشر على تغير تدريجي في الموقف الدولي.
خاتمة: شهر تثبيت الوقائع لا إدارة الصراع
يكشف حزيران 2026 عن مرحلة تتجاوز كونها مجرد امتداد للأحداث السابقة، إلى مرحلة تثبيت وقائع جديدة على الأرض. ففي غزة، يستمر الحصار والدمار كواقع يومي، وفي الضفة الغربية يتصاعد الاستيطان والعنف ليشكّل أداة إعادة هندسة جغرافية وديمغرافية، بينما يعيش الداخل الفلسطيني أزمة مركبة بين القمع السياسي والتفكك الاجتماعي.
أما سياسيًا، فإن كلًا من القيادة الفلسطينية وحكومة الاحتلال تبدوان في حالة مأزق بنيوي، الأولى بفعل غياب الأدوات، والثانية بفعل الانقسام الداخلي والتطرف السياسي.
وهكذا، يبدو حزيران شهرًا آخر في مسار طويل من إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني بالقوة، في ظل غياب أي أفق سياسي حقيقي، واستمرار اختلال ميزان القوة بشكل كامل لصالح الاحتلال.
ومع هذا فإن المراقبين للحالة السياسة داخل دولة الاحتلال وعبر استطلاعات الرأي المتعددة، يرون أن حكومة اليمين تعيش لحظتها الأخيرة بفعل الصراعات الداخلية، وأن نتنياهو لم يعد اللاعب الأساس والمركزي في المشهد السياسي بفعل تلك التحولات، وأن الأشهر القادمة سيفتح فيها الباب لمشهد جديد ربما يغادر فيها الحياة السياسية .

