Menu

شاعر الثورة ومنشدها.... المقاتل والزجال.. نوح إبراهيم

موسى مراغة

نشر في مجلة الهدف العدد (84) (1558)

مع حلول ذكرى الثلاثاء الحمراء حين قام المستعمر البريطاني ل فلسطين بإعدام ثلاثة أبطال من أبناء الشعب الفلسطيني وهم عطا الزير ومحمد جمجوم وفؤاد حجازي وذلك في السابع عشر من حزيران 1930...

ونحن نستذكر هؤلاء الأبطال وقصة بطولاتهم ونضالهم الوطني.. تحملنا الذكرى إلى المقاتل والشاعر الزجال الذي خلد هذه الذكرى. وأشاد بالأبطال وصور بكلماته مشهد إعدامهم وتقدمهم بكل فخر واعتزاز إلى منصة الشهادة غير آبهين بالموت....

إنه نوح إبراهيم شاعر فلسطيني ومقاتل.. وأحد المناضلين الذين حملوا الكلمة كسلاح إلى جانب البندقية، فألهبوا مشاعر الناس وقوّوا عزيمتهم، وأعلوا اسم الثورة والوطن والشهداء، وكان لهم الدور الفعال والمميز في النضال والكفاح الذي خاضه الشعب الفلسطيني منذ بزوغ حركة النضال الفلسطيني في عشرينيات القرن الماضي...

نوح إبراهيم الزجال الشعبي الذي اشتهر بداية مغنياً في الأعراس يطوف القرى الفلسطينية مشاركاً الناس أفراحهم... بغنائه وصوته الشجي...

وتشاء الظروف أن يسمعه القائد والمجاهد العربي السوري ابن مدينة جبلة عز الدين القسام والذي قدم إلى فلسطين مناضلاً ضد الاحتلال البريطاني.. أعجب القسام بصوت نوح إبراهيم وأدائه وأشار عليه أن يوظف ملكة جمال صوته وقوة أدائه لصالح الثورة والثوار ...

وفعلاً استجاب المقاتل المغني لهذه الرغبة وترك الغناء في الأعراس وحمل صوته وبندقيته وخاض غمار المعارك مقاتلاً.. ومنشداً للثورة .

الشاعر الشعبي والمنشد نوح إبراهيم، الذي غنّى للأرض وللإنسان. وقدّم روحه فداء الوطن، سيظل أنشودة رائعة تتردد في ذاكرة الأجيال الفلسطينية وكدليل حي على أهمية وعظم الكلمة الملتزمة، والتي انتشرت في النصف الأول من القرن الماضي على امتداد الأرض الفلسطينية التي كانت ترزح تحت وطأة الاستعمار الغربي والمتصهين.

وقد استطاع الشاعر المقاتل نوح إبراهيم أن يسجل ما يدور في نفوس أبناء شعبه من سخط وثورة على الاحتلال والظلم. ويترجم ما في ضمائرهم من أحاسيس وشوق إلى الانعتاق من القيود الثقيلة التي أرهقتهم، جراء الاحتلال الغاشم الذي سلب حريتهم وعاث فساداً في الأرض، فحرق الشجر والحجر. واعتقل وقتل أهل الديار من البشر. ونكّل بهم فعاشوا غرباء مشردين في بلادهم.

وكانت قصائد وأغاني نوح إبراهيم يرددها الصغار والكبار على حد سواء، تشحن نفوسهم بالأمل، وتشفي غليل نفوسهم الظمأى للحرية.

كما أن قصائده أزعجت السلطات البريطانية المستعمرة، وكانت تلك القصائد والأغاني والأهازيج سبباً لملاحقته وزجه في السجن.

مولده:

ولد شاعرنا في مدينة حيفا سنة ۱۹۱۳، (وإن كانت هناك بعض المصادر تقول إنه ولد قبل هذا التاريخ) من أسرة متوسطة الحال وتلقى تعليمه الابتدائي في مدارسها، ولكنه اضطر إلى ترك المدرسة نظراً لظروف أهله المادية، وذلك من أجل العمل ومساعدة أسرته على تأمين مصادر الرزق. حيث عمل في إحدى المطابع، ويبدو أن تعامله مع الحروف ساعده إلى حد كبير على تعلم أشياء كثيرة وصقل موهبته الشعرية وقد وهبه الله صوتاً عذباً جميلاً، استغله في غناء قصائده.

كانت فلسطين آنذاك تعيش حالة اضطرابات واضحة بسبب الاحتلال البريطاني لها، بالإضافة إلى قيام المجموعات الإرهابية اليهودية بأعمال عنف وشغب ضد أبناء الشعب الفلسطيني الذين ضاقوا ذرعاً بما يجري حولهم، وقاموا بتشكيل المجموعات شبه المسلحة للدفاع عن أنفسهم ضد المستعمرين فحصلت أكثر من هبه وثورة وانتفاضة.

وقد تركت هذه الأحداث أثرها في ذهن وفكر شاعرنا الذي وهبه الله حساً شاعرياً مرهفاً، فراح يؤلف القصائد الوطنية في سن مبكرة، ويغنيها بصوته الشجي الجميل.

وجاءت أحداث "حائط البراق" سنة ۱۹۲۹، والتي امتدت آثارها إلى معظم مدن وقرى وبلدات فلسطين حيث قتل وجرح المئات من اليهود والجنود الإنكليز، واستشهد وجرح العشرات من الفلسطينيين، وقامت على إثرها سلطات الاحتلال البريطاني بحملة اعتقالات واسعة ضد العرب وحكمت على العشرات بالسجن...

وفي عودة إلى القصيدة التي اشتهرت وذاع صيتها في تلك الفترة والتي

نظمها وغناها شاعرنا تلك التي حملت عنوان "الثلاثاء الحمراء" وجاءت في حادثة إعدام المناضلين عطا الزير وجمجوم وحجازي تقول بعض أبياتها:

كانوا ثلاثة أرجال تسابقوا ع الموت

أقدامهم عليت فوق رقبة الجلاد

وصاروا مثل يا خال

طول عرض البلاد

ومن سجن عكا طلعت جنازة

محمد جمجوم وفؤاد حجازي

وجازي عليهم يا شعبي جازي المندوب السامي وربعه وعموما

ويقول محمد أنا أولكم

خوفي يا عطا أشرب حسرتكم

ويقول حجازي أنا أولكم لا نهاب الردى ولا المنونا

ثلاثة ماتوا موت الأسود وجودي يا أمي بالعطا جودي

علشان هالوطن بالروح نجودي

ولأجل حرية الوطن بعلقونا...

وسرت هذه القصيدة بين الناس مسرى الهشيم بالنار، وحفظوها عن ظهر قلب وراحوا يرددونها في كل مكان وفي كل مناسبة على امتداد فلسطين، فقد استطاعت هذه القصيدة أن تؤدي غرضها بكلماتها الرائعة ومعانيها الكبيرة، وصورها الشعرية التي تلهب الحماس، وتولد روح الثورة في النفوس. وكان شاعرنا يقوم بإلقاء قصائده في النوادي والجمعيات والتجمعات الشعبية وفي المقدمة كانت قصيدة "الثلاثاء الحمراء".

واشتهر شاعرنا بلباسه الفلسطيني التقليدي، وبالكوفية والعقال المقصب. وقد ارتبط شاعرنا نوح إبراهيم بثورة الشيخ عز الدين القسام. وأطلق عليه "تلميذ القسام" وبعد استشهاده في أحراش بلدة (يعبد) رثاه بقصيدة طويلة لحنها وغناها بصوته وتردد صداها على مساحة فلسطين وكانت بعنوان "يا خسارة يا عز الدين" وتقول بعض أبياتها:

عز الدين يا خسارتك

رحت فدا لأمتك

مين بينكر شهامتك

یا شهید فلسطین

عز الدين يا مرحوم

موتك درس للعموم

فلسطین مین قال شافت

مثل غيرة عز الدين

أسس عصبة الجهاد

حتى تحرير البلاد

اقرؤوا الفاتحة يا أخوان

على روح شهداء الأوطان

وسجل عندك يا زمان

كل واحد منا عز الدين

وعندما تم تعيين الجنرال "ديل" قائداً عاماً للجيش البريطاني في فلسطين إثر تصاعد الثورة الفلسطينية سنة ١٩٣٦، نظم شاعرنا قصيدة يخاطب فيها القائد البريطاني الجديد، الذي جاء وفي نيته إخماد الثورة والقضاء عليها، حيث قال نوح إبراهيم:

يا حضرة القائد "دل"

لا تظن أن الأمة تمل

إن كنت عاوز يا جنرال بالقوة تغير هالحال

لازم تعتقد أكيد

طلبك صعب من المحال

ونفذ شرط الأمة

من حرية واستقلال

جيت فلسطين الحرة

حتى تقمع هالثورة

ولما درست الحالة

لقيت المسألة خطرة

دبرها يا مستر "دل"

 

وصل خبر هذه القصيدة إلى مستر "دل" الذي أمر بإلقاء القبض على قائلها وسجنه، حيث مكث في السجن عدة أسابيع، ليطلق سراحه بعدها، وليتابع من جديد نظم القصائد الوطنية، ونضاله ضد من سلبوا شعبه الحرية والكرامة.

وقد ذاع صيت نوح إبراهيم في البلاد المجاورة لفلسطين، حيث قام بزيارة دمشق والقاهرة، وأحيا فيها أمسيات شعرية لاقت الإعجاب من الجماهير العربية التي كانت تتابع أولاً بأول ما يجري على أرض فلسطين من ثورات وأحداث دامية، واستطاع نوح إبراهيم أن ينقل عبر قصائده وأغانيه أحوال وهموم وتطلعات الشعب الفلسطيني.

وفي أوائل عام ۱۹۳۷ قامت السلطات البريطانية بإعادة اعتقال شاعرنا، وتم زجه أولاً في سجن المزرعة، ومن ثم نقل إلى سجن عكا حيث قضى بضعة أشهر، وفي ۲۲ شباط من عام ۱۹۳۸ صدر قرار من مدير المطبوعات البريطاني في فلسطين، قرر فيه عدم السماح بطبع ونشر أشعار نوح إبراهيم، حيث رأت سلطات الانتداب ما في أشعاره من خطورة تهدد مصالحهم.

وبعد خروجه من السجن، التحق بالثوار في شمال فلسطين ليحمل هذه المرة البندقية، كما حمل سابقاً الكلمة والمعنى والصوت مدافعاً عن حرية وطنه وحقه في العيش الكريم.

وقد خلد شاعرنا ثورة ۱۹٣٦، تلك الثورة التي استمرت ثلاث سنوات متواصلة وحيا فيها صمود الشعب الفلسطيني وتضحياته، فقال في تلك القصيدة:

يحيا الوطن يحيا الدين

يحيا شعب فلسطين

ثلاث سنين بليالي

ما نمنا بالعلالي

واحنا بروس الجبال

للحرب مستعدين

وبقي شاعرنا مناضلاً ومقاتلاً من جبل إلى جبل، ومن ساحة قتال إلى أخرى وهو يحمل بندقيته وإلى جانبها الكلمة التي لم يتخل عنها، متغنياً ببطولات أبناء شعبه، ويمجد الثورة والثوار. ويلهب النفوس بالحض على النضال على طريق النصر إلى أن استشهد في إحدى المعارك في موقع ضميدة في شمال فلسطين في أواخر شهر تشرين الثاني من عام ١٩٣٨.