Menu

تقريرإنذارات الاحتلال بالإخلاء.. اغتيال التفاصيل الصغيرة في زحام الموت الكبير

مرح عطالله

خاص_بوابة الهدف الإخبارية

على مرأى النهايات، يقف رجالٌ ونساءٌ وأطفالٌ يترقّبون لحظة العدم. إنّها أحلام الفقراء تتهاوى على وقع إنذارٍ جديدٍ بالإخلاءات، يتساءلون كيف سيحملون البيت في حقيبة؛ ذات يوم فعلها الشاعر محمود درويش حين وضّب وطنه في حقيبة.. إذًا، سيكون عليهم ترتيب الأولويات؛ زاويةً صغيرةً لذاكرة الفرح وأخرى للبكاء على الأطلال. وكم يصعب على النازحين من دارٍ إلى غير مستقرٍّ أن يرْثوا بيوتًا سيحيلها الوحشُ إلى خرابٍ بعد أن كانت يومًا سكنًا وسُكنى.

كابوس يُلاحق مليوني انسانٍ في قطاع غزة إذا ما كان المنزل أو المربع السكني الذي يعيشون فيه أو حتى الخيمة الهشّة التي سكنوها كما البدايات؛ سيتلقّى أمرًا بالإخلاء دون سببٍ معلوم، ليبيت الناس بذعرٍ محبوسِ الأنفاس، كلَّ ليلة، بينما العالم يعتقد أنّ الهدنة تعمّ القطاع.

لماذا يُنذر الاحتلال سكان القطاع؟

أصدرت قوات الاحتلال الإسرائيلي العشرات من أوامر الإخلاء، التي طالت أكثر من 80% من مساحة قطاع غزة. هذه الأوامرُ لا تتوقّف، وتُستخدم بشكلٍ دوري ومتكرّر لدرجة أنّ مناطقَ بعينها تعرّضت لأوامر إخلاءٍ متتاليةٍ ترتبط بشكلٍ وثيقٍ ومباشرٍ بخطّة تقسيم قطاع غزة وتغيير ديمغرافيّته.

والاحتلال، إذ يستخدم الإنذارات درعًا قانونيًّا أمام المجتمع الدول، يمارس هذه السياسة باعتبارها حجر الزاوية في الرواية الدبلوماسيّة والقانونيّة التي يقدّمها أمام محكمة العدل الدولية ومجلس الأمن، زاعمًا أنّه يلتزم بمبدأ "التمييز" واتخاذ "الاحتياطات الممكنة" لتجنّب المدنيين، ومحاولًا نقل المسؤوليّة القانونيّة والأخلاقيّة عن الضحايا إلى فصائل المقاومة أو إلى المدنيين أنفسهم إذا لم يخلوا المنطقة.

كما يستعين العدو الصهيوني بالإنذارات على أنّها مسوّغٌ عسكريّ لنسف مربعاتٍ سكنيّةٍ بأكملها تحت ذريعة تحوّلها إلى "مناطق قتالٍ مسلّحة"، ويمارس حربًا نفسيّةً على الغزيين تجعل حياة الفلسطيني عبارةً عن رحلة بحثٍ مستمرّةٍ عن خيمةٍ أو مأوى تحت ضغط الحرب والتهجير والتجويع وممارسة كلّ صنوف الإبادة الممنهجة.

اغتيال التفاصيل الصغيرة

الدكتور في جامعة الأقصى محمد حمدان يصف لـ"بوابة الهدف الإخبارية" لحظة تلقّيه أمرًا بإخلاء منزله في مخيم البريج وسط قطاع غزة، قبل نحو شهر: "بقيت مصدومًا حائرًا بين حالي وأهلي وجيراني وأشيائي الحبيبات"، كل شيء من حوله عزيز سيفقده بعد عشر دقائق، مساحة المهلة التي "منحته" إياها قوات الاحتلال لإخلاء المنزل والمربع السكني كله.

يقول حمدان: "كان أبي (المُقْعَد)، أول من خطر على بالي. كيف سأتمكن من إخراجه وعائلتنا من المنزل والابتعاد عن المكان، وإخبار سكان المبنى بسرعة... هرولنا على الدرج ونادينا بأعلى صوتنا على الجيران حتى أصبح المشهد مثل أهوال يوم القيامة، الجميع يهرب إلى المجهول مجدّدًا، بعد أن كنّا نتوهّم الأمان في ظل احتلالٍ يجتهد في إبادتنا ليل نهار".

ويضيف: "كنّا نعدُّ أنفسنا في هدنة ولم نجهّز البديل لإخلاءٍ مفاجئ، فقد جاء أمر الإخلاء بعد محاولات البقاء وترتيب البيت من أضرار الحرب، لكنّ الأمر لم يدم طويلًا حتى عادت الإنذارات بشكلٍ أسوء من قبل".

بجهدٍ كبيرٍ أخلى حمدان البيت والحارة ووقف على بُعد 500 مترٍ من منزله يترقّبُ بسكونٍ اللحظةَ التي سينتهي فيها كل شيء.. الجدران التي عُلّقت عليها الصور والأنفاس، أوراقهم الثبوتيّة المنسيّة تحت ركام الذاكرة، والكثير من التفاصيل الصغيرة التي طالما صنعتْ حيوات سكان المنزل الذي تهاوى أمام عينيه كقصرٍ من رمال ذرَّهُ الموج كأنّه ما كان.

فرحة لم تكتمل

تزامنًا مع احتفالات انطلاق كأس العالم، كان الأمر مختلفًا في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، حيث تسابق الناس على إخلاء مربعٍ سكني بعد اتصالٍ من قوات الاحتلال يُمهلهم عشر دقائق لإخلاء الحي.

بينما كانت حفلة الحنّاء تشرف على الانتهاء، تلقّى أحد سكان الحي اتصالًا ينذره بإخلاء المنزل، تقول فاطمة بشير لـ"بوابة الهدف الإخبارية": "عدنا إلى المنزل قبيل المغرب، وبحلول الثامنة مساءً بدأ الناس يركضون في الشوارع ويصرخون: إخلاء... إخلاء".

وتضيف: "نسكن في حيٍّ آمنٍ نسبيًّا بسبب وجود مدنيين فيه، ولا وجود لمقاومين أو أسلحة، لذا كنا نعتقد أنّنا في منطقةٍ شبه آمنة، والمنزل الذي هدّده الاحتلالُ بالإخلاء يقع مقابل بيتنا مباشرةً، كانت أوّلَ فكرةٍ خطرت ببالي أن بيتنا سيُدمّر، وأنّني إذا خرجت منه لن أعود إليه أبدًا، لذا رفضت الخروج في البداية ووقفت وأهلي محتارين، هل نخرج ونترك الأرزاق حفاظًا على الأرواح؟".

ومع تعالي صُراخ الجيران تركت فاطمة عملها على جهاز اللاب توب وقررت الخروج من المنزل تاركةً وراءها أغلى ما تملك: عمرها كاملًا دون نقصان. هرولت حافية القدمين وتراءى لها أنّ في الدار أحبّةً فتوقّفت برهةً تحار فيها بين أن تنجو بنفسها أو تعود أدراجها إلى موتٍ مؤجّل.

انهار المبنى المهدّد ومعه نبض قلبها.

"بس الحمد لله البيت ضايل" رغم الدمار الكبير، كان الأهالي يردّدون هذه الجملة كأنّها لازمة في مقطوعة غنائيّة!، حيث يجتمع الغزيون على همٍّ واحدٍ وهو البيت، إن فقدوه فسيفقدون معنى الملجأ والأمان وحالهم في مخيمات النزوح ليس أفضل بكثير؛ لأنّها لم تسلم أيضًا من أوامر الإخلاء مما يعني هلعًا أكبر لمخيماتٍ كاملةٍ وأضرارًا قد تُفقدك الخيمة وما جمعته من أثاثٍ بسيطٍ بأسعارٍ باهظة.

تتساءل فاطمة عن ألف تفصيلٍ وتفصيل: "ماذا لو فقدنا البيت؟ ماذا لو عدنا للتشرّد؟ أين سنذهب؟ هل بقي أصلًا مكانٌ آمنٌ يأوينا؟".. ومن جهةٍ أخرى كانت تفكّر بأحلامها المؤجّلة مع خطيبها الذي ينتظرها في مصر ليتزوجا ويستأنفا أفراحهما الصغيرة.

تشرح فاطمة عن متلازمة الخوف التي ترافقها حتى اليوم، مع كلّ اتصالٍ مفاجئٍ أو أصواتٍ عاليةٍ حولها، فتقفز إلى ذهنها مشاهد الإخلاءات المتكررة ويسري الرعب في شرايين عيون الأطفال والنساء والكبار.

اضطرابات متراكمة للصدمة

بدورها، توضّح الأخصائيّة النفسيّة آية المقيّد لـ "بوابة الهدف الإخبارية" أنّ "لأوامر الإخلاء المفاجئة أثرًا نفسيًّا أكبر مما نتصور، الذي يبدأ بحالة ذعرٍ شديدٍ فور تلقّي الخبر، حيث يفقد المرء القدرة على التصرّف بحكمةٍ في هكذا ظرفٍ يقف بينه وبين النجاة أو الموت بضع دقائق، وصاروخ غادر. قد ينسى البعض أولاده أو يصعب عليه تمييزهم وتعدادهم بشكلٍ صحيحٍ أثناء الهرب؛ لأنَّ الشخص يدخل في حالة النجاة التي يأمر بها الدماغ للنجاة بالنفس أوّلًا، ثُمَّ يستوعب هذه الوضعيّة بعدما ينتهي الحدث".

وتشرح المقيد أكثرَ عن تبعات الحالة: "بعد انتهاء الحدث يدخل الشخص في حالةٍ من الإحساس بالذنب واللوم بسبب تصرفاته أثناء الهلع، التي تخالف المنطق، كأن ينسى ابنه مثلًا أثناء الهرب، ويلازمه هذا الشعور فترةً طويلة، بالإضافة إلى استرجاع الأحداث السلبيّة عند أول حادثةٍ مهما كانت بسيطة، قد تذكّره بالصدمات التي عاشها سابقًا، فيدخل في حالة ذعرٍ شديدٍ مُجدّدًا وتتبادر إلى ذهنه أفكارٌ كالموت والإصابة والفقد، ويلزم هنا القيام بالإسعاف النفسي الأولي لطمأنته ومناقشة مشاعره لإزالة التوتّر".

وأشارت الأخصائيّة النفسيّة إلى أنّ "الإخلاء المفاجئ حدثٌ غيرُ متوقّعٍ يأتي في لحظة هدوءٍ ليكسر الأمان. وهو بالضبط تعريف اضطراب ما بعد الصدمة، فالإنسان ينتقل من أمانه ومسكنه إلى الشارع والمجهول، مما قد يولّد أثرَ صدمةٍ يرافقه طوال حياته يدفعه للبحث عن الأمان وهو ما ينشده أهل غزة حاليًّا".

وفي حال لم يتمّ علاج اضطراب ما بعد الصدمة، أكّدت المقيد أنَّ الأثر يتطوّر ليصبح اضطرابَ صدمةٍ معقّدة؛ إذ يتكوّن نتيجةَ تراكمٍ للصدمات دون علاج، وهنا يحتاج إلى سنةٍ على الأقل للعلاج، موضّحة: "عند الإخلاء يُذعر الناس من تكرار الأحداث أكثر من الحدث نفسه كأنْ يشمَّ رائحةً تذكّره بأمرٍ مضى وبمشاعر مؤلمة قديمة".

ولفتت إلى أنّ الناس الذين لم يتعرضوا لنزوحٍ من قبل، يخافون من أوامر الإخلاء أكثر من الذين تعرّضوا له، وهو ما يفسّر نتيجة دراسةٍ إحصائيّةٍ عملت عليها الأخصائيّة آية مع زملائها، أُجريت في مدينتي غزة ودير البلح، التي خلصت إلى أنّ سكان دير البلح لديهم أعراض ذعر من النزوح أكثر من أهل غزة الذين تعرّضوا لأوامر نزوحٍ أكثر خلال الحرب؛ بسبب تولّد شعور لديهم أنّ شبح النزوح قد يلاحقهم في أي لحظة.

واختتمت المقيد حديثها بنصيحةٍ لكل من يشعر بأعراض الذعر والقلق المستمر بكسر الحاجز والتوجه للعلاج النفسي المتوفر في جميع أنحاء القطاع، مؤكدةً أنّ الاستثمار في صحة الإنسان أفضل ما يقدّمه المرء لنفسه، مُشيرةً إلى أن مُلهيات الحياة لا تمحي ما عاشه الناس في حرب إبادة ما زالت مستمرّةً بطريقةٍ أو بأخرى.

بالمحصّلة، يُفضي الحال بأهل قطاع غزة خائفين في كلّ لحظةٍ من حياتهم على حياتهم، من قصفٍ وحشي أثناء سيرهم أو استهداف لبيتٍ أو خيمةٍ في المحيط، ومن أمر نزوحٍ وإخلاءٍ مفاجئينِ دون أسبابٍ واضحة، ولسان حالهم يقول: "صامدون فوق هذا الدمار العظيم".