Menu

المغرب العربي في عين العاصفة

علي جرادات

ثمة، في المواجهة الطويلة، المعقدة، والشائكة مع عصابة «داعش» الإرهابية، مستجدات سياسية، ومعطيات ميدانية، تشي، وتحمل على الاعتقاد، بأن قيادة هذه العصابة باتت مقتنعة، أكثر من أي وقت مضى، بأن خسارتها لمركز وجودها في مدن شمال العراق، (الموصل أساساً)، وفي مدن شرق، وشمال شرق، سوريا، (الرقة أساساً)، قد أصبحت مسألة وقت، وبأن عليها، بالتالي، العمل، بأسرع ما يكون، على بناء مركز جديد لدولة خلافتها المزعومة. 

وإذا ما أضفنا ما يتوافر لهذه العصابة، حتى الآن، من وجود وقوة لا يستهان بهما في ليبيا المفككة، وغابة السلاح، وصاحبة الحدود الصحراوية، الواسعة، والعصية على الضبط التام، يصبح من المنطقي أن تكون دول المغرب العربي، فضلاً عن مصر، في عين العاصفة، ومركز استهداف هذه العصابة الأخطبوط المتنقل.

ولعل في نجاح عشرات «الدواعش» المدججين بكل أنواع الأسلحة، بعضها نوعي، في التسلل من ليبيا إلى مدينة بن قردان التونسية، إشارة أولى وكبيرة إلى الأخطار التي باتت تتهدد تونس وباقي دول المغرب العربي. إذ صحيح أنها ليست المرة الأولى التي يضرب فيها الإرهاب «الداعشي»، وغير «الداعشي»، تونس، ويصيبها في مقتل، لكن الأمر مختلف، تماماً، هذه المرة. يقول الرئيس التونسي، قائد السبسي، محقاً، «لقد استهدف الإرهابيون إقامة ولاية جديدة ل«داعش» في مدينة بن قردان». وإذا كان في نجاح الجيش والأمن التونسيين في إحباط محاولة «داعش» السيطرة على مدينة بن قردان، ما يطمئن إلى أن ثمة، بالمعنى الميداني، يقظة وجهوزية واستعدادات وكفاءة أمنية عالية، لكن رئيس حكومة تونس، الحبيب الصيد، أصاب كبد حقيقة ما يجري، بالمعنى السياسي، بالقول: «لقد كسبنا معركة، لكن الحرب مع الإرهاب مستمرة».

إذا كان ثمة أهمية للإشارة السريعة أعلاه، فهي التأكيد على وجوب أن تبادر دول المغرب العربي كافة، ومعها مصر، بأسرع ما يكون، ومن دون استئذان أحد، إلى توحيد جهودها، طاقاتها، وإمكاناتها، الثقافية والسياسية والدبلوماسية والعسكرية والأمنية، لدفن الخطر «الداعشي» الداهم والمرعب الذي يتهددها، جميعاً، في مهده، وللقضاء (وهنا الأهم)، على مركزه في ليبيا بقوة عربية. ذلك كي لا يتكرر ما أصاب، ولا يزال، بعض دول المشرق العربي. 

وكي لا يتكرر سيناريو تدخل حلف الناتو في ليبيا الذي أفضى إلى تركها مفككة تلعق جراحها، وتواجه مصيرها، وتهدد جوارها، بعد تدميرها، دولة، وجيشاً، ومؤسسات، ونسيجاً وطنياً ومجتمعياً، تماماً كما حصل للعراق، وربما بصورة أسوأ. وكي لا يتكرر سيناريو انتظار «ترياق» حصول إجماع عالمي على مواجهة عصابة «داعش» الإرهابية وأخواتها». وإذا ما شئنا تظهير العواقب، والخيبات، والنتائج الكارثية، التي ينطوي عليها تكرار الرهان على انتظار الإجماع العالمي، فلنقل: 

لم تتفق دول العالم لا في الماضي، ولا في الحاضر، ولن تتفق في المستقبل، على معايير هيئة الأمم والقانون الدولي للتمييز بين حركات المقاومة، والعصابات «الإرهابية»، ولتحديد الدول التي تمارس الإرهاب، و/ أو تدعم حركاته، وتستثمر فيها. فلو كانت إمكانية الاتفاق على هذه المعايير، والالتزام الجماعي بتطبيقها، واقعية، لكان العالم بأسره، دولاً وشعوباً، أجمعَ، منذ عقود، على أن «إسرائيل»، ليست دولة، بل كيان، شاذ، عنصري، مارق، يمارس الإرهاب المُنظم، المُقونن، والمُخطط. ولكان، (العالم)، أجمعَ، أيضاً، على أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية، بمساعدة من أجهزة استخبارات «غربية» وإقليمية حليفة لها، هي التي ابتدعت، في مطلع ثمانينات القرن الماضي، انطلاقاً من أفغانستان، محاربة ندها السوفييتي، آنذاك، بلعبة الاستثمار السياسي في الحركات الإرهابية، في شكلها الإسلاموي التكفيري. ولكان العالم، أجمعَ، أيضاً، على أن مصاب واشنطن الكبير في 11 سبتمبر/ أيلول 2001، لم يدفعها للكف عن لعبتها الخطرة، بل، استثمرته، ووظفته، لدرجة أن تبتدع نظرية «الفوضى الخلاقة»، بما أضافته تطبيقاتها، في العراق، من تنمية وتغذية وتكاثر وتقوية وانتشار للحركات الإسلاموية التكفيرية الإرهابية، لنكون أمام أول الغيث، والنموذج الذي يجري تطبيقه، بأشكال وسيناريوهات مختلفة، لتدمير دول عربية أخرى في المشرق العربي.

هذا فضلاً عن أن الحبل لا يزال على الجرار. وفي الأخطار المحدقة بدول المغرب العربي دليل وبرهان كافيان، على أن ثمة مخططاً لمنع العرب من النهوض، والخروج من زمنهم الأردأ، منذ انتزاع الاستقلال الوطني في خمسينات وستينات القرن الماضي. وهو الزمن الذي ضاعت فيه الطاسة، واختلط فيه الحابل بالنابل، وتاهت فيه الأولويات، والتبست فيه المعايير، حتى صار المتن هامشاً، والهامش متناً، والأصل فرعاً، والفرع أصلاً، وصار«الحلال البيِّن حراماً»، و«الحرام البيِّن حلالاً»، وأصبحت القضايا العربية المركزية كافة، وليس قضية فلسطين، فقط، هامشية، والقضايا الهامشية مركزية، وصولاً إلى أن يصبح «الإرهابي»، بلا لبس، «ثائراً»، وإلى التشكيك في بداهة أن لا حرية ولا ديمقراطية من دون استقلال وسيادة وطنيين، وبالعكس، وفي بداهة أن لا حرية، ولا ديمقراطية، ولا استقلال، ولا سيادة، ولا حد أدنى من العدالة الاجتماعية، مع التدخلات السياسية والعسكرية والأمنية الأجنبية، خصوصا «الغربية» بقيادة واشنطن، التي استغلت حراكاً شعبياً عربياً، بدأ سلمياً ينشد، محقاً، الحرية والديمقراطية والإصلاح والتغيير، لكنه سرعان ما تَعَسكر، بفعل لاعبين متعددي الجنسية، باتوا معروفي الأسماء والمصلحة، وقاموا، ولا يزالون، بتمويل، وتسليح، واستخدام مجموعات إرهابية تكفيرية، جلبوها من كل دول العالم، وأوجدوا لها «ممراً ومستقراً» في جوار سوريا والعراق، وها هم يسعون لجعل ليبيا «مستقراً وممراً» آخر إلى مصر، وإلى باقي دول المغرب العربي، وليس تونس، فحسب.