فهي ليست مجرد مذيعة عابرة في الأثير بل مدرسة في الإلقاء نجحت عبر عقود في احتضان الميكرفون وتحويل الصوت إلى رسالة بل.. إلى قلب ينبض بالفرح والأُنس والدهشة وكل المعاني الإنسانية الجميلة التي افتقدناها في عصر الصورة والتكنولوجيا الحديثة.. في هذا الحوار معها نحاول فتح صفحات من تجربتها المميزة ونتشارك تفاصيلها، جمالها وصعوبتها.. متمنين لها دوام العطاء، وأن يبقى صوتها يصدح كحكاية تستحق أن تُروى..
الشهرة ليست الهدف
• هيام حموي (نجمة العصر الذهبي للإذاعات) التي أعطت أشياء جميلة للإعلام العربي دون الالتفات للجوائز أو الشهرة.. كيف تنظرين إلى نفسك اليوم وأنت تقفين على عتبة الثمانين من العمر؟
في البداية شكراً لكل هذا الاهتمام... صراحةً أقول إني طيلة سنوات العمل الإذاعي التي أظن أنها جاوزت النصف قرن، انتبهت من خلال السؤال أن كل همّي كان منصبّاً على أداء عملي وخدمة مهنتي بكل أمانة واحترام، والهدف المنشود تقديم مادة مفيدة وممتعة للملتقي... لم يكن في البال أي تركيز على شهرة ولا على جوائز... والشكر العميق للسماء أن ردود الفعل ما زالت تأتي على أن هذا الهدف قد تحقق بالنسبة لعدة أجيال من المستمعين، وهذا يغمرني بالرضا.
• هل شعرتِ بأنكِ ضحيتِ بشيء من أنوثتكِ أو خصوصيتكِ مقابل هذا الحضور الإعلامي المهم؟
لا أبداً المسألة ليست تضحية على الإطلاق... هي أسلوب تفكير وأسلوب حياة، كبرت مع فكرة الالتزام بمشروع محدد، لا أحب التشتت، ومن أنصار التفرّغ للمهام، إذا اخترت القيام بشيء معيّن عليّ أن أكرّس له كل الطاقات، لم أكن أحب أسلوب حياة العديد من زميلاتي في العمل وصديقاتي... مثلاً إحداهن تصحو باكراً لتؤمن حياة أبنائها من البيت إلى المدرسة ولتنتبه إلى طلبات زوجها ولتأتي إلى العمل مستعجلة وتتعامل مع برنامجها بأقل تركيز ممكن... وتبقى دائمة الشكوى... طيب (ليش)؟؟؟! الجواب: يكفي التركيز على جانب واحد أو اثنين على أقصى حد... واستمتعوا... بكل الأحوال لو كنت اخترت أن أعيش حياة زوجية أو عائلية لما بقيت في المجال المهني... (فلسفة حياة وبس)!!!
• وكيف قوبلت مسيرتك المهنية لدى المؤسسات الإعلامية وقد تجاوزت نصف قرن من العطاء المتواصل؟ هل كان الترحيب والاحتفاء بكِ بالقدر الذي تستحقيه؟
لم أبحث عن أي تقدير، همّي الأوحد كان ولا يزال الشغف بمهنتي وأداء واجبي على الوجه الأمثل من خلال الفائدة والمتعة للمتلقي، وكل ما عدا ذلك هو مجرد تفاصيل بالنسبة لي.
• ماذا لو رجع بكِ الزمن إلى عام 1968؟! هل كنتِ ستختارين الطريق نفسه؟
لو يرجع الزمن إلى البدايات لاخترت المسار ذاته... وأنا سعيدة به جداً ولو كان عليّ أن أعيده بكل تفاصيله ... فأنا موافقة 100%0
• طيب.. ما الذي تتمنين لو فعلتِه في حياتكِ ولم تفعليه؟
حتى الآن ما زلت أطمح للكتابة الروائية... ولعلّ الظروف تسمح بتحقيق هذا الحلم قبل الرحيل... وإلّا... فربما بحياة تالية!!!
• ولماذا بقيت تجربتك في الكتابة ناقصة رغم براعتك في رواية حكايات الآخرين؟!
السبب كثافة الأشغال وعدم القدرة على التفرغ للموضوع... لكن الرغبة لا تزال حاضرة وبشدة.
• من المعروف عنك أنك قارئة نهمة وشغوفة بالمعرفة.. هل ترين أن الإبداع الجيّد مشروط بدرجة ثقافة المبدع؟
من دون أدنى شك.
• هل واجهتِ رقابة أو قيوداً على ما تقدمينه في أي مرحلة من حياتكِ المهنية؟ وكيف تعاملتِ معها؟
لم أتعرض لأية قيود فمن الأساس كنت أعرف تماماً الهوامش المتاحة.
• الحريّة شرط أساسي لكلّ إبداع.. لكن كيف يستطيع المبدع العربي تخطّي المطبّات السياسية والاجتماعية في مجتمعاتنا؟
سؤال صعب وجوابه أصعب... والدنيا شديدة الحرارة.. أرجو إعفائي!! (تضحك).
وراء الميكروفون
• من يستمع لصوت هيام حموي يأخذه الشجن بين تقاطعات كثيرة: الأرض/ الحب/ الإنسان.. أين أصبحت هذه المعاني في عصرنا الرّاهن ضمن الصّراع الجاري ما بين الثقافيّ الإنسانيّ، وما بين الاستهلاكي البحت الذي لا يعترف بالحبّ ولا الأرض ولا الإنسان؟
أنا شخصياً مصرّة على هذه القيم الإنسانية وإن أصبحت أبدو وكأنني خارج الزمن.. يوجد بداخلي بصيص تفاؤل، وإن كان يبدو بعيد التحقيق، بأن للزمن دورات، وربما تأتي دورة زمنية جديدة تقلب التقهقر الحالي، فالحياة هدية من الخالق... وسيكون دوماً هنالك من يحاول حمايتها والدفاع عنها في مواجهة جحافل الشرّ...
• ما يلفت الانتباه في مسيرتك الإذاعية وجود الكثير من البرامج الناجحة.. كيف تختارين مواضيعك عادةً؟ هل من رغبة شخصية فقط أم من حاجة الجمهور؟
تأتي الفكرة كفراشة في الجو... يلتقطها الذهن... نطرحها... تلاقي النجاح... هذا ما حدث فعلاً عند تقديم برنامجي القديم الناجح جداً (بنك الصداقة).. اعتمد على هواة المراسلة فيما بينهم، ويبدو لي اليوم وكأنه الجد لحفيده (الفيسبوك)!! لكن (بنك الصداقة) كان يذكّر دوماً بضرورة الالتزام بالقواعد الأخلاقية في التعامل والتواصل... وهذا ما تفتقده اليوم "السوشال ميديا" للأسف.
• نلاحظ أن برامجك توثق لأفكار الكثير من الشخصيات الأدبية والفنية والسياسية.. ما المعايير التي اعتمدت عليها لاختيار الشخصيات وعلى ماذا اعتمدت لجمع المعلومات التوثيقية؟
كنت أحب أفكارهم وسعيت لإلقاء مزيد من الأضواء عليها لعلّها تعطي المتابعين أفكاراً جديدة تساعدهم على السير قدماً نحو الأفضل.
• برأيك.. هل يمكن اعتبار البرنامج الإذاعي وثيقة تاريخية يمكن الاستفادة منها في إنتاج المعرفة؟
طبعاً يمكن بشرط أن يكون البرنامج مشغولاً بدقة وأمانة ورغبة في تقديم فائدة ومتعة للمتلقي، وليس كما هو الحال اليوم في البرامج والبودكاستات!!! البحث عن "الترند" وإثارة الغرائز بطرح الأسئلة الحميمة... يا للعار!!
• كيف تنظرين إلى مستقبل الإذاعة في زمن البودكاست والذكاء الاصطناعي؟ وهل تخافين على المهنة؟
أنا حزينة جداً على مستقبل الإذاعة، كوني عشت عهدها الذهبي، ولكن لكل زمن جيله وأدواته... أتمنى لهم القدرة على الإبداع وعلى تحدّي قوى الأذى، وأن تظل الفنون الراقية منارة في الحياة.
• باعتبارك أشهر مذيعات (مونتي كارلو، الشرق، شام إف إم) ما رسالتك للمذيعين الجدد؟
لا أعرف إذا كان المذيعون الجدد يهتمون برسالة من مذيعة (مخضرمة ع الآخر) حتى لا نقول "عجوز"!! ولكن إذا أصرّيتِ فرسالتي هي: لا تبحثوا عن الشهرة... هي هباء (منثووور)!! ابحثوا عن تقديم الفائدة على طبق ذهبي من المتعة للمتابعين!
الغربة والمرض والصداقة
• علاقتك مع الثقافة الفرنسية بدأت مبكراً في جامعة دمشق واستمرت حتى اليوم.. كيف ساهمت هذه الثقافة في تشكيل مشروعك الإبداعي؟
بالتأكيد أن الانفتاح على أكثر من ثقافة يسمح بقدرات أكبر على الوعي والمعرفة، مثلاً كانت هناك فكرة برنامج لترجمة الأغاني الفرنسية بعنوان (أغاني ومعاني) وقد لاقت في حينها نجاحاً كبيراً، دون أن ننسى المقارنات الممكنة، خلال الحوارات مع الأدباء، لتوسيع آفاق المعرفة من خلال التطّرق لجوانب متشابهة أو متناقضة في المواضيع.
• حدثينا عن السفر والغربة في فرنسا كتجربة لعبت دوراً كبيراً في تكوينك إبداعياً وإنسانياً.. برأيك كيف تواجه المرأة الشرقية صعوبات الاغتراب في بيئة مختلفة عنها كلياً؟
أنا أعيش الحياة بكل بساطة... ليس عندي إحساس بفروقات بين امرأة شرقية أو غربية، ولا حتى بين امرأة ورجل، أعيش الحياة بكوني إنسان كائن بشري موجود لتقديم إضافة ما لجمالية هذا الكون وأعمل بكل جهدي لتنفيذ هذا القدر... هكذا وبكل بساطة!
• كثيرون لا يعرفون أنك واجهتْ مرضاً صعباً خلال مسيرتك المهنية.. هل تعتقدين أن المرض غيّر نظرتكِ إلى الحياة والإعلام، أم أنه أكّد ما كنتِ تؤمنين به سابقاً؟
في الواقع أني واجهت عدة أزمات صحية كبرى خلال عمري، منذ الطفولة وحتى الكهولة ومروراً بفترات المراهقة والشباب، وكانت هذه الحالة الإجبارية من ملازمة الفراش فرصة ذهبية للتفرغ للقراءة والاطلاع، مما يعزز قناعتي بالآية الكريمة: "عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم"!
• صفي لنا يوماً عادياً في حياتك الحالية.. كيف يبدأ يومك وكيف ينتهي.. ما التفاصيل التي لا نعرفها عنك؟
التفاصيل غير المعروفة بسيطة ومؤسفة... مررت بظروف صحية مؤلمة وتجاوزتها بكثير من الإصرار والتحدّي... بالتأكيد هي أمور تركت آثارها على الوضع العام إضافة إلى التقدم في السن.. طبعاً لا أخفي إني قاربت دخول العقد الثامن من العمر... المهم والأهم أن يبقى لدي ما يكفي من النشاط الفكري والدماغي لمتابعة شؤون الحياة والاستمتاع بالعطاءات الإلهية التي تمر عبر أثمن هدية ربانية، ألا وهي الحواس الخمس.. الموسيقا الراقية.. وما أروع هذه النعمة الإلهية، اللون الأخضر في الطبيعة وزرقة السماء ووردي الشفق... نصيحتي... لا تتركوا الموبايلات والألواح والشاشات تبعدكم عن متعة الملموس المحسوس!! وهل أروع من عبير الفل والزنبق والياسمين؟!!!
أمضي يومي بالقراءة والكتابة وسماع الموسيقا وبعض الأنشطة البسيطة للحفاظ على الحد الأدنى من التحرّك للصحة... بالمناسبة اكتشفت في خلاصة التجربة أن أهم شيء هو المحافظة على الصحة.. فهي أثمن ما في وجود الإنسان.
• أود أن أسألك عن معنى الصداقة من وحي تجربتك الخاصة: من كان سندكِ في الأوقات الصعبة، خاصة في الغربة أو أثناء المرض؟
ربما أجمل تعبير عن الموضوع هو المقولة الشهيرة: "الطيور على أشكالها تقع".. فالحياة فعلاً أهدتني العديد من الأصدقاء النوادر، ونتقاسم معاً القيم الأساسية في الوجود: أقصد الحق والخير والجمال... ومع هكذا أصدقاء وأحباء كل الأمور الصعبة تهون.. شكراً لهم وشكراً للحياة.
رسالة إلى الأجيال القادمة
• يسعى المبدع دائماً كي تبقى تجربته مؤثرة بعد مرور السنين.. أي عالم تريدين تخليده في مشروعك الإبداعي؟
أتمنى أن يتذكر أبناء الأجيال القادمة مقولتي بأن: "الحياة هبة إلهية"، وأن يقدّروا أهمية وجودهم فيها، وهناك صورة دائماً في مخيلتي: قوى الشرّ تطلق الغيوم السوداء في سماء الوجود، لكن في كل عمل طيب ومفيد وجميل نطلقه في الحياة قادر على محو كتلة من هذا السواد... هذا هو إيماني الساطع.
• الإعلامية المخضرمة هيام حموي التي لطالما راهنت على (الكلمة) إلى أي درجة تشعر بأنها ربحت الرهان بعد كل هذه الرحلة؟!
إذا اعتبرنا أني ربحت الرهان فقد يكون الدليل في أنه لا يزال في هذا الزمن فئة من الأشخاص الذين يتابعون البرامج القليلة التي أقدمها، وقد تعطيهم.. وتعطيني أيضاً الثقة بأننا قادرون على محو كمية لا بأس بها من السواد.
• كيف تريدين أن نختم هذا الحوار؟
بكلمة شكر عميقة لاهتمامكم بكل هذه التفاصيل، وكلّي أمل بأن أكون قد لبّيت ولو بجزء بسيط توقعاتكم من هذا الحوار الجميل وإلى اللقاء..

