تحوّلت الملاعب التي احتضنت، ذات يوم، لاعبيها وجماهيرها، إلى ركام أحلام، هناك حيث تهاوت البيوت على ذاكرتها وحلّت الخيام محلّ الأمان. وها هنا أطلال طموح كان دويّ صداه لسنوات ثلاث تحت رماد القصف، وقصص لاعبي كرة القدم في غزة تُضاف إلى مآسي الناس على اختلاف مشاربهم ومآربهم، قدم تلامس الكرة فتصنع أفراح الفقراء. ولكنّها الحرب يا سادة، تدمّر حتى الهواية فكيف إذا كانت مصدر رزق وخزان شغف لا يُرى لها استعادة في اللحظة الفارقة التي يعيشها أهل القطاع ولا بدائل تفي بالحاجة، وكيف لا تكون في سياق الضرورة وهي مصدر الرزق الوحيد وما يخلفه من حياة كانت ذات عمر.. آمنة.
لكن، لاعبو كرة القدم يجتهدون في خلق بدائل "بدائية" للبقاء. يبحث عنها العاملون في قطاع الرياضة بعدما انهارت منظومة ضمّت الآلاف ما بين لاعبين ومدربين وصحفيين، يسعون اليوم خارج المستطيل الأخضر بحثاً عن قوتِ أطفالهم في يوميات الإبادة المفتوحة.
من المستطيل الأخضر إلى بسطة شعبية
ذات الحذاء الرياضي الذي كان يربطه أحمد عميرة قبل مبارياته مع نادي شباب جباليا، يربطه الآن، في صباح كل يوم، مُتجهًا إلى بسطة ليبيع ملابس للأطفال. تبدّل واقع اللاعب اللامع وتغيرت وظيفته، من كابتن فريق في الدرجة الممتازة بالدوري الغزي إلى شاب يسعى لإطعام أطفاله وتوفير حياة نرجوها "كريمة" لأسرته المقيمة في خيمة البؤس.
يقول عميرة لـ"بوابة الهدف الإخبارية": "حالي من حال لاعبي قطاع غزة بالكامل. كانت حياتنا مقسّمة بين تمارين وفترات إعداد ومباريات، وسط أجواء رياضية تنافسية نسعى فيها لإبراز كل مهاراتنا وإمكانياتنا، وكان الملعب مصدر الرزق الوحيد. ولكن، بعد اندلاع الحرب، في السابع من أكتوبر، انقلبت الأمور رأساً على عقب وتُرك اللاعبون لمصيرهم، وبدأت عمليات الهروب من الموت ثم السعي لتوفير مصدر دخل بديل".
وحين فقد المال قيمته خلال المجاعة التي ضربت غزة، اضطُّر اللاعبون للذهاب إلى مراكز المساعدات ونقاط التوزيع العشوائية التي سلبت حياة المئات ممن خاطروا بأنفسهم ومستقبلهم الكروي مقابل محاولات بائسة لتوفير لقمة مغمّسة بالدم.
"كلما أمر بملعب أشعر بالأسف والحسرة على الشيء الوحيد الذي كان متنفساً لنا ومصدر دخلنا" هكذا عبّر عميرة عن شعوره، مُطالباً بـ"نهضة رياضية ضمن خطة مدروسة تُعيد لنا شغفنا وعملنا كلاعبين وتوفير رواتب شهرية منتظمة ولو بأقل القليل خاصة لأبناء الشهداء الرياضيين، بالإضافة إلى الاهتمام بقطاع الناشئين وتعجيل سفر الرياضيين المصابين لتلقي العلاج".

اللاعب أحمد عميرة مع نادي شباب جباليا
اغتيال الحُلم
كان علي زايدة بعمر الخامسة عشر حين ركل الكرة بثبات وموهبة لافتة. شارك مع فريق كنعان الفلسطيني للأشبال (الفدائي الصغير) في بطولة "دانا كاب" الدولية للشباب في الدنمارك وحقق المركز الثاني لفريقه، كما حاز على جائزة أفضل لاعب ببطولة صيف 2022.

اللاعب علي زايدة مع فريق كنعان
واليوم، يقف علي على أعتاب حلمه بعدما حالت الحرب دونه، أصبح عمره تسعة عشر عاماً أي بعمر لاعبين يصنعون مجدهم الآن في كافة بقاع الأرض، لكنّ الاحتلال الإسرائيلي لم يترك مهنة إلا ودمّرها ويسعى لاستكمال عملية الإبادة التي طالت كل جوانب الحياة وحتى الرياضة ليست بمنأى عنها. يقول علي لـ"بوابة الهدف الإخبارية": "عندما بدأت الحرب كنت ألعب مع نادي غزة الرياضي في الدرجة الأولى من الدوري، وبدأت أسلك درب النجاح والتميز كلاعب موهوب بشهادة جميع المدربين لكنّ الحرب سرقت الحلم قبل أن يتحقّق".
ويُردف: "نستأنف اللعب عبر كرة القدم الشاطئية التي يقيمها الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، لكن ذلك لا يعني عودة الرياضية كمصدر رزق كما كان سابقا، لذا نناشد الاتحاد الدولي لكرة القدم أن ينظر إلينا بعين الرحمة والاستحقاق وتقديم المساعدة حتى تعود الأنشطة الرياضية في غزة كهواية وكمهنة إلى ما كانت عليه".
صورة تنحرف عن مسارها
اعتادت مريهان الخالدي، منذ عام 2019، على تصوير اللاعبين وتوثيق المباريات بلقطات ما زالت محفوظة حين بدأت تُحقّق حلم طفولتها كصحافية رياضية، ثم توقفت مريهان عن أداء عملها كما خرجت مسارات الحياة عن طبيعتها، واتجهت الآن للعمل كمصورة مناسبات في ذات الكاميرا التي وثّقت بها مباريات قطاع غزة سابقا.
تقول مريهان لـ"بوابة الهدف الإخبارية": "لدي حنين كبير لأيام العمل في الملاعب وعندما أرى الصور القديمة على كاميرتي أو أمر بجانب ملعب وقفت على عشبه يوماً ما، أتمنى أن نعود بالزمن إلى الوراء، فأنا أعمل حالياً كمصورة للمناسبات فقط لتوفير حياة معقولة لي ولابنتي، لكنّني سأختار دائماً العودة إلى شغفي الأول".
مريهان الخالدي خلال تغطية أحد المباريات عام 2020
أبطال الكرة شهداء وملاعبهم مراكز إيواء!
يكشف مصطفى صيام مسؤول دائرة الإعلام باتحاد الكرة في قطاع غزة وأمين عام الاتحاد الفلسطيني للإعلام الرياضي لـ"بوابة الهدف الإخبارية" عن واقع مؤلم حلّ على الحركة الرياضية الفلسطينية منذ بدء العدوان الصهيوني على قطاع غزة، في ظل الاستهداف الواسع الذي طال البنية التحتية الرياضية والرياضيين الفلسطينيين.
فعلى صعيد الخسائر البشرية، أكد صيام استشهاد 1012 رياضيا، معظمهم من منتسبي الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، من لاعبين ومدربين وحكام وأعضاء مجالس إدارات الأندية. كما فقدت الرياضة الفلسطينية عدداً كبيراً من نجومها، من بينهم لاعب المنتخب الفلسطيني سليمان العبيد، ومدرب المنتخب الأولمبي الفلسطيني هاني المصدر، ولاعب منتخب فلسطين لكرة القدم الشاطئية محمد بركات، وقائد منتخب فلسطين لكرة الطائرة أحمد المفتي، إلى جانب عشرات اللاعبين والمدربين والحكام الذين ارتقوا خلال العدوان.
أما على صعيد البنية التحتية، فقد دُمّرت 285 منشأة رياضية، شملت المقرات الرياضية السيادية، مثل المجلس الأعلى للشباب والرياضة، واللجنة الأولمبية الفلسطينية، والاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، إضافة إلى عدد كبير من الأندية والصالات الرياضية والأكاديميات والاتحادات الرياضية.
كما أنّ عشرات اللاعبين والمدربين والحكام الذين ارتقوا خلال العدوان، وليس آخرهم استشهاد لاعب نادي المغير والمنتخب الوطني للناشئين فادي النعسان (17 عاماً)، متأثراً بإصابته برصاص قوات الاحتلال في قرية المغير شمال شرق رام الله فجر اليوم.
يشير صيام إلى المشهد الرياضي الذي يزداد مأساوية مع رؤية الملاعب المدمرة، فيما تحوّلت الملاعب التي بقيت قائمة إلى مراكز لإيواء آلاف العائلات النازحة التي فقدت منازلها خلال العدوان.
ويقول: "هناك أكثر من 4000 لاعب مسجلين في البطولات الرسمية التابعة للاتحاد الفلسطيني لكرة القدم قبل الحرب، موزعين على دوري الدرجة الممتازة، والدرجة الأولى والثانية والثالثة، إلى جانب بطولات الفئات العمرية، وكرة القدم الشاطئية، وكرة القدم الخماسية.
وكان حوالي 1650 من هؤلاء اللاعبين يعتمدون على كرة القدم كمصدر دخل رئيسي لهم ولعائلاتهم، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة والحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ أكثر من عشرين عاما. ورغم محدودية الإمكانات، شهد القطاع نشاطاً رياضياً واسعا، إذ كان الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم ينظّم أكثر من 60 مباراة ضمن مختلف البطولات".
ملعب فلسطين أصبح مأوى للنازحين
مسار متعثّر للنهوض
يلفت صيام إلى خطة التعافي التي بدأت عبر تنفيذ الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم بطولة للاعبي الدرجتين الممتازة والأولى، وإقامة بطولة لمواليد عام 2009، والذي من شأنه إعادة تأهيل الناشئين، بالإضافة إلى إطلاق بطولة كرة القدم الشاطئية بمشاركة 12 ناديا، يوم أمس السبت في 18 تموز 2026، على ملعب النادي البحري.
كما أعلن الاتحاد المركزي عن بطولة فلسطينية موحدة، تضم نحو 56 نادياً من قطاع غزة، وقرابة 170 نادياً من الضفة الغربية، إضافة إلى نحو 32 نادياً من الشتات الفلسطيني في لبنان، وتحمل هذه البطولة اسم "بطولة كأس الألف شهيد"، تخليداً لذكرى شهداء الحركة الرياضية الفلسطينية الذين ارتقوا خلال العدوان الإسرائيلي. ويشير الإسم إلى أكثر من ألف شهيد من الأسرة الرياضية الفلسطينية، بينهم نحو 560 شهيداً من لاعبي كرة القدم والمدربين والحكام والإداريين، في رسالة تؤكد حجم الخسائر التي تكبّدتها الرياضة الفلسطينية خلال الحرب.

وأكد الاتحاد أنّ محاولات التعافي لم تُسفر حتى الآن عن إعادة كرة القدم كمصدر دخل للاعبين والمدربين والحكام، ليبقى المئات منهم رهائن لواقع معيشي خانق، حيث يتقاسمون الخيام مع النازحين، ويبحثون عن قوت يومهم خلف بسطات البيع البدائية، دون علاج للأزمة الاقتصادية التي عصفت بالمنظومة الكروية.
اندلعت الحرب وتوقفت معها أحلام مئات اللاعبين، الذين وجدوا أنفسهم يخوضون معركة من نوع آخر، وهي معركة البقاء بانتظار اليوم الذي تعود فيه صافرة البداية لتعلن عودة الحياة إلى الملاعب، وعودة مصدر رزقهم الوحيد.

