Menu

إمكانية خسارة الكيان الصهيوني الدرع الأمريكي

د. محمد عياش

نشر في مجلة الهدف العدد (84) (1558)

يعتبر الكيان الصهيوني من وجهة النظر الامريكية، الشريان الرئيس للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، والقاعدة المتقدمة، والكنز الحقيقي، والكثير من المسميات التي لا تعد ولا تحصى في أدبيات الاستراتيجية الأمريكية، وبالتالي هناك الكثير من الشعارات التي تؤكد وتنتقل بدورها من الأقوال إلى الأفعال، ناهيك عن الحماية الكاملة له من القانون الدولي أو مجرد التفكير بمحاسبته.

هذا بالطبع قبل أن يأتي الرئيس الحالي دونالد ترامب، الذي يبدو أنه يسير عكس التيار الاستراتيجي، وهو القائل في تغريداته على «تروث سوشيال»، أن منظمة الايباك تخسر شعبيتها وتتضاءل قوتها، وبالتالي فإن الإحصاءات والاستطلاعات للرأي العام الأمريكي ومنه الفئة المهمة، فئة الشباب، حيث شهدت استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة تحولاً تاريخياً لصالح القضية الفلسطينية، وأظهرت مؤسسات الاستطلاع الكبرى أن ما بين 53% إلى 74% من الشباب الأمريكي (خاصة الفئة العمرية بين 18 و34 عاماً) يتعاطفون مع الفلسطينيين، وهي أعلى نسبة دعم مسجلة في هذه الفئة على الإطلاق.

ولا أبالغ حين أشير إلى أصابع الاتهام للوبي اليهودي في الأراضي الامريكية ومحاولاته الفاشلة باغتيال الرئيس ترمب، حيث نجحت هذه المحاولات باغتيال تشارلي كيرك في 10 أيلول / سبتمبر 2025، قُتل كيرك، الناشط السياسي والكاتب والإعلامي الأمريكي اليميني، بالرصاص أثناء إلقائه كلمة أمام جمهور في حرم جامعة «يوتا فالي» بمدينة أوريم، يوتا. كان هذا الحدث المحطة الأولى في جولة انتخابية خططت لها منظمة "نقطة تحول الولايات المتحدة الأمريكية"، وهي المنظمة المحافظة التي شارك في تأسيسها.

ترامب وكيرك يؤمنان بـ «بيوريتانية» البلاد، أي التطهير العرقي الخالص، ويُعتبران عدوان لدودان للمهاجرين وضد ما يسمى؛ الولايات المتحدة «بوتقة الانصهار»، وبالتالي فإن شيئاً قد أصاب الجالية اليهودية في مقتل ومخالفة للرؤساء الأولين ومحاولاتهم تصوير «إسرائيل» بالنجمة الواحد والخمسين.

الكيان الصهيوني استشعر الخطر مع بداية طوفان الأقصى وتوحشه وتغوله على الشعب العربي الفلسطيني، واعتداءاته على لبنان و سوريا المستمرة. صحيح أن الفترة الأولى للرئيس ترامب، من 20 كانون الثاني / يناير 2017 إلى 20 كانون الثاني / يناير2021 وما فيها من قرارات مجحفة بحق الشعب الفلسطيني لم يظهر أي خلاف أو اختلاف بين واشنطن والكيان الصهيوني، وذلك لأن ترامب كان يأمل بولاية ثانية ومن ثم التغيير الجذري في الدستور الأمريكي لكي يتسنى له ولأفكاره القبول وسط البيئة المستحدثة في المزاج العام الأمريكي.

إن السياسة الأمريكية تشهد تحولاً إستراتيجياً ملحوظاً تجاه «إسرائيل» تحت إدارة الرئيس ترمب، حيث برزت خلافات وتوترات غير مسبوقة بين البيت الأبيض وحكومة نتنياهو. تركز واشنطن حالياً على تقليص انخفاض التدخل العسكري المباشر والتوجه نحو ترتيبات سياسية إقليمية شاملة قد تتجاوز بعض الحسابات الأمنية الإسرائيلية. يمكن ملاحظة هذا التحول في النقاط التالية، التوجه نحو التهدئة الإقليمية؛ تسعى واشنطن لصياغة تفاهمات وترتيبات واسعة النطاق لإنهاء النزاعات المفتوحة، مما يضع ضغوطاً على «إسرائيل» لتسريع مسارات التفاوض والوصول إلى تسويات، خاصة على الجبهة اللبنانية. تبدل العقيدة الأمريكية؛ تتبنى الإدارة الحالية سياسات براغماتية تركز على مصالحها الإستراتيجية و"أمريكا أولاً"، مما أثار قلقاً داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من احتمالية تراجع دورها كحليف حصري لصالح بناء محاور إقليمية جديدة. تباين الأولويات الزمنية؛ تتسم الإدارة الأمريكية الحالية بطابع استعجالي أقل صبراً في حسم الجبهات، وهو ما يختلف أحياناً مع تفضيل المؤسسات الاستخباراتية والعسكرية الإسرائيلية للحسابات الدقيقة والمطولة.

هذا التحول الجذري في العلاقة الأمريكية – الإسرائيلية، وانتقالها من علاقة عضوية في الماضي، إلى علاقة شراكة قابلة للنقد والضغط أحيانا ً لجهة الخروج عن النص الأمريكي، وهذه ظاهرة لابد من البناء عليها، وبالتالي ظهور شق في العلاقة وضرورة توسيعه والعمل على زيادته أمر واجب ومحتم على الدول العربية خاصة والإسلامية عامة، لأن الرهان في الماضي على إحداث الخلاف أو الافتراق ضرباً من ضروب الجنون والسراب بقيعة، ومن هنا لا بد من الاستفادة من هذا الشرخ، والاتجاه نحو القوانين الدولية وتفعيلها مجدداً أو التذكير فيها، مع العلم أن هناك مزاج عام أو بيئة جاهزة لمحاسبة الكيان الصهيوني على ارتكابه المجازر في قطاع غزة والضفة الغربية وتملصه من المحاسبة والمساءلة. ظاهرة غير مسبوقة؛ علاقة ترامب ونتنياهو عدة محطات من التوبيخ والتوتر العلني والمغلق، وكان أبرزها أزمة التصعيد في لبنان (يونيو/ حزيران 2026) وبخ ترامب نتنياهو بحدّة بسبب استمرار التصعيد العسكري والتهديدات بقصف بيروت. واستخدم ترامب عبارات قوية ومكثفة واصفاً إياه بـ "المجنون تماماً"، ومُطالباً إياه بالتوقف الفوري عن مهاجمة لبنان. اتهام بالافتقار إلى الشعبية (يونيو/ حزيران 2026) وفي اتصال عاصف آخر، صبّ ترامب غضبه على نتنياهو بسبب سياساته وصرخ في وجهه قائلاً: "الجميع يكرهونك الآن. الجميع يكرهون إسرائيل بسبب هذا". حادثة "لماذا أنت سلبي؟" (أكتوبر/ تشرين الأول 2025) بعد توجيه انتقادات تتعلق بمسار التفاوض السياسي، وبّخ ترامب نتنياهو بسبب نبرته المتشائمة وسأله بحدة: "لماذا أنت دائماً سلبي؟"، مُطالباً إياه بالانضباط والالتزام بالخطة الأميركية. محاولة السيطرة على غزة (فبراير/ شباط 2025) صرح ترامب علناً خلال مؤتمر صحفي مع نتنياهو بأن الولايات المتحدة "ستتولى" السيطرة على قطاع غزة، وهو ما عكس حينها توجهاً أمريكياً صارماً يفرض قرارات على القيادة الإسرائيلية.

أحدثت تصريحات ترامب وظاهرة توبيخه العلني لما يسمى لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (بشأن استمرار الصراع في لبنان وتفاصيل الاتفاق مع إيران) صدمة وانقساماً حاداً في «إسرائيل». تراوحت الردود بين استياء شديد من انتقادات ترامب والتهديدات الأمريكية، وبين مساعٍ حكومية لضبط النفس واحتواء الأزمة.. الموقف الرسمي للحكومة (احتواء التوتر) سارع نتنياهو لطلب التزام وزرائه الصمت وعدم توجيه انتقادات شخصية لترامب، لتجنب تأجيج الخلاف في ظل التوتر الأمني. تأكيد الاستقلالية؛ صرّح نتنياهو بأن «إسرائيل» وواشنطن "دولتان مستقلتان"، وأن كلاً منهما يدافع عن مصالحه الخاصة، مقرّاً بوجود خلافات وتباينات أحياناً.

ظهرت ردود فعل اليمين المتطرف والحاخامات (غضب واستنكار). حيث هاجمت شخصيات يمينية وحاخامات (مثل الحاخام شموئيل إلياهو) تصريحات ترامب، معتبرين أن «إسرائيل» صمدت دونه وقادرة على الاستمرار، ومؤكدين على ضرورة رفض القرارات الأمريكية المتعلقة بوقف إطلاق النار والاتفاق مع إيران. أزمة الائتلاف؛ أبدى بعض أعضاء الكنيست (مثل حانوخ ميلفيديسكي) استياءً علنياً عبر وسائل التواصل، واصفين الاتفاق الأمريكي الإيراني بأنه استسلام وصفعة قوية لسياسات الحكومة الإسرائيلية.

بدورها وصفت وسائل الإعلام الإسرائيلية تصريحات ترامب (التي تضمنت تلويحاً بتأثير مباشر على الدعم العسكري) بأنها تحذير أمريكي جاد. وكشفت النقاشات الداخلية عن قلق أمني من استغلال إيران للاتفاق مع واشنطن لتعزيز قدراتها، وسط إدراك عام بتراجع قدرة نتنياهو على المناورة نتيجة هذا الخلاف غير المسبوق.

«إسرائيل» لا تستطيع أن تقاوم الهيمنة الأمريكية، بل ترتبط معها بتحالف عضوي قائم على تبادل المصالح الاستراتيجية. فرغم وجود تباينات سياسية بين الحين والآخر، إلا أن «إسرائيل» تعتمد بشكل كلي على الدعم العسكري والدبلوماسي والاقتصادي الأمريكي، مما يجعل محاولتها الاستغناء عن هذا النفوذ أو مقاومته أمراً شبه مستحيل نظراً للحقائق التالية؛ الترسانة العسكرية والاعتماد المالي. تعتمد المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بشكل أساسي على التسليح والدعم اللوجستي الأمريكي، إذ تُعد «إسرائيل» أكبر متلق تراكمي للمساعدات الخارجية الأمريكية. وفي حين تمتلك «إسرائيل» قدرات عسكرية وتكنولوجية محلية متطورة، إلا أن الدعم الأمريكي المباشر يضمن تفوقها الاستراتيجي الشامل في المنطقة. الدرع الدبلوماسي (الفيتو) توفر واشنطن حماية دبلوماسية مطلقة لإسرائيل في المحافل الدولية، وعلى رأسها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، حيث استخدمت الولايات المتحدة حق النقض عشرات المرات لإحباط أي قرارات دولية تدين سياسات «إسرائيل»، وهو غطاء لا غنى عنه للموقف الإسرائيلي.

تطابق المصالح الاستراتيجية ينظر صناع القرار في واشنطن إلى «إسرائيل» باعتبارها حليفاً رئيسياً وركيزة أساسية لحماية المصالح الغربية في الشرق الأوسط، وتأمين موطئ قدم استراتيجي وشراكة استخباراتية وتكنولوجية متقدمة. وبالمقابل، ترى «إسرائيل» في واشنطن الضامن الأكبر لبقائها وتفوقها.

خلاصة الكلام، الكيان الصهيوني لم يعد يتمتع بالقدر الذي كان فيه الحاكم الفعلي في الداخل الأمريكي للأسباب التي ذكرناها، ومؤشرات خطيرة تدفع قادة الاحتلال للمزيد من احتلال الأراضي العربية سواءً في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا قبل أن يرى العين الحمراء من الرئيس ترامب الذي يخالف توجهاتهم وتطلعاتهم التي هي في الأساس تخالف تطلعانه وطموحاته في تحقيق المكاسب الدولية وضمان الهيمنة والسيطرة على مصادر الطاقة الدولية والممرات والمضائق إذ غدت بوجهة نظره بالعائق أو العقبة الكؤود في سبيل الوصول إلى الأهداف الأمريكية الإمبراطورية.