يواصل الجيش الإسرائيلي بناء حاجز وساتر ترابي ضخم داخل قطاع غزة يمتد لأكثر من 23 كيلومترًا، مما يتيح له السيطرة العملياتية وتفتيت ما بين 50% إلى 70% من المساحة الإجمالية للقطاع وعزلها عن تجمعات السكان. وجاء ذلك وفقًا لتحليل صور الأقمار الاصطناعية الحديثة التي وفرتها شركة Planet Labs ونشرتها وكالة أسوشيتد برس الدولية.
وتُظهر البيانات الفضائية الموثقة أن تشييد هذا الساتر الترابي والخنادق الأمنية المرافقة له مر بمرحلتين رئيسيتين:
1. مرحلة التأسيس (فبراير/شباط): بدأ الجيش الإسرائيلي العمل الأولي وشق الطرق العسكرية وبناء القواعد الثابتة في المناطق الوسطى من القطاع، وتحديداً في المحور الممتد من خان يونس باتجاه مدينة غزة.
2. مرحلة التسارع والربط (يوليو/تموز الحالي): شهدت الأسبوعين الماضيين قفزة غير مسبوقة في معدلات التجريف والتشييد؛ حيث رصدت الأقمار الاصطناعية تمديد الحاجز في جنوب القطاع (منطقة رفح) من 500 متر فقط في 1 يوليو/تموز، ليصل إلى 2.4 كيلومتر بحلول 15 يوليو/تموز.
وإذا استمر البناء بالوتيرة الحالية، سيلتحم الحاجز الجنوبي بالامتداد الأطول في الوسط (البالغ طوله 17 كيلومترًا) ليشكل شريطاً عازلاً متصلاً يمتد من رفح جنوباً حتى بيت لاهيا شمالاً.
وتُبين الصور الجوية أن بناء هذا الحاجز لم يكن مجرد عملية هندسية بسيطة، بل ترافق مع تحولات جذرية في البنية التحتية والمظهر الديموغرافي للقطاع حيث استخدمت القوات الإسرائيلية الجرافات والمتفجرات لمحو بلدات وقرى فلسطينية كاملة تقع على مسار الساتر وخلفه، بما في ذلك أجزاء واسعة من مدينة رفح التي كانت تؤوي مئات الآلاف من السكان، كما تم تجريف آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية والدفيئات، وشق شبكة طرق ومحاور إمداد عسكرية بديلة، فضلاً عن إقامة قواعد محصنة ومواقع مراقبة ثابتة فوق أنقاض المنازل المدمرة (مثل بلدة بني سهيلة شرق خان يونس).
ووثقت التقارير الميدانية قيام الجيش بوضع مكعبات إسمنتية صفراء وبوابات حديدية إلكترونية (مثل منطقة الشاكوش وحي تل السلطان برفح، وجسر وادي غزة) للتحكم المطلق بحركة الأفراد والبضائع.
وفي رد رسمي للجيش الإسرائيلي عقب مواجهته بالصور الفضائية، أقرّ بوجود الحاجز المادي والساتر الترابي. وزعم الجيش في تصريحاته أن الحاجز أُقيم بمحاذاة ما يُعرف بـ "الخط الأصفر" (وهو خط تموضع القوات الذي جرى تحديده في تفاهمات وقف إطلاق النار السابقة المدعومة أمريكيًا كتقسيم مؤقت ريثما يتم الانسحاب الكامل)، والهدف من الجدار هو "تأمين القوات العسكرية، منع عمليات التسلل، حماية البلدات والمستوطنات الإسرائيلية القريبة من غزة، وتدمير البنية التحتية للفصائل الفلسطينية".
وامتنع الجيش تماماً عن تقديم تفاصيل دقيقة حول الطول النهائي للحاجز أو الإفصاح عن المدى الزمني المقرر لبقائه.
ويسود الشارع الفلسطيني والأوساط السياسية قلق عارم من أن "إسرائيل" تستغل جمود مفاوضات الهدنة لتحويل "الخط الأصفر" من فاصل عسكري مؤقت إلى حدود أمر واقع رسمية ودائمة، تلتهم جغرافيا القطاع الصغير وتمنع عودة المهجرين إلى ديارهم.
وتشير التقديرات الميدانية إلى أن مناطق تواجد الفلسطينيين انكمشت وتكدست في شريط ساحلي ضيق للغاية (منطقة المواصي والمناطق الغربية) يعيشون فيه داخل مخيمات بائسة، بينما بات الجيش الإسرائيلي يبسط يده عملياتياً على مساحة تصل لقرابة 70% من إجمالي مساحة غزة.
ويمنع الجيش الفلسطينيين بقوة السلاح من الاقتراب من السواتر الترابية؛ وحيث تصدر أوامر للجنود بإطلاق النار المباشر على أي شخص يقترب أو يحاول العبور، مما أسفر بالفعل عن سقوط مئات الضحايا المدنيين (بينهم أطفال) ممن ليس لديهم علم دقيق بإحداثيات هذا الخط غير المرسم بوضوح على الأرض.

