Menu

ليست الأسلمة بل سياسة الخوف – نداء للدفاع عن قيم الجمهورية البولندية

عمر فارس

بوابة الهدف

إن الخطر الحقيقي الذي يهدد بولندا ليس «الأسلمة»، بل سياسة الخوف، وإثارة الأحكام المسبقة، ووصم جماعات بأكملها في المجتمع.

أتابع منذ أشهر عديدة، بقلق بالغ، تصاعد موجة العداء في الفضاء العام تجاه العرب والمسلمين. إن الشعارات حول ما يسمى «أسلمة بولندا» لا تجد لها أي أساس في الواقع. فبدلاً من نقاش هادئ وموضوعي، نسمع بشكل متزايد التبسيط والتضليل ومحاولات تصوير مجتمعات بأكملها على أنها مصدر تهديد.

إن الأحداث الأخيرة في كراكوف وكاتوفيتسه مثال واضح على ذلك. فالاحتجاجات لم تكن ضد أي «مركز للأسلمة»، بل ضد مكان صغير ومرخّص كان المسلمون فيه يعلّمون الأطفال اللغة العربية، وينقلون إليهم عناصر من ثقافتهم، ويؤدون الصلاة – مستفيدين من الحقوق التي يكفلها القانون لكل المواطنين والمقيمين في بولندا.

إن دستور الجمهورية البولندية يحمي حرية الضمير والدين، وهذه من القيم الأساسية للدولة الديمقراطية القائمة على سيادة القانون. ولا يجوز لأحد محاولة تقويض هذه القيم من خلال حملات تقوم على بث الخوف.

وبقلق عميق ألاحظ أن بعض الأوساط السياسية، بدلاً من التركيز على المشاكل الحقيقية التي تواجه المواطنين، تحاول بناء التأييد السياسي من خلال إثارة الخوف من الأقليات. قبل عدة أشهر دعوت إلى عدم تحويل العرب والمسلمين إلى أداة في الصراع السياسي، وللأسف بدأت مخاوفي تتحقق.

لا يمكن نقل مشاكل فرنسا وبريطانيا أو غيرهما من دول أوروبا الغربية إلى بولندا بشكل آلي، فهذه الدول عاشت عقوداً من السياسة الاستعمارية، ثم واجهت لاحقاً تحديات الهجرة من مستعمراتها السابقة. أما بولندا فلها تاريخ مختلف وتجارب مختلفة.

إن تاريخ العرب والمسلمين في بولندا هو أيضاً تاريخ مساهمة ومشاركة في بناء هذا البلد. فقد جاء كثيرون منا إلى هنا في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي كطلاب ومبتعثين. درسنا في الجامعات البولندية، وأسّسنا عائلات، وعملنا، وربطنا حياتنا بجمهورية بولندا.

واليوم نحن أطباء ومهندسون وعلماء ورجال أعمال وأساتذة جامعات. نعمل، وندفع الضرائب، ونخلق فرص عمل، ونشارك في تنمية بولندا. أما أبناؤنا وأحفادنا فهم مواطنون في الجمهورية البولندية، يتحدثون اللغة البولندية، ويحترمون القانون البولندي، ويشعرون بالانتماء إلى البلد الذي أصبح وطنهم.

هذه هي صورة الاندماج الناجح، وليست صورة التهديد.

لقد ساهم المجتمع العربي والمسلم أيضاً في العلوم والاقتصاد والثقافة في بولندا. وأغنى الحياة في المدن البولندية بعناصر من تراث الشرق الأوسط، بما في ذلك المطبخ والتقاليد التي أصبحت جزءاً طبيعياً من بولندا المعاصرة.

إن التنوع لا يعني بالضرورة الانقسام، بل يمكن أن يكون مصدر قوة وتعارف متبادل وتطور.

إن الخطاب الموجّه ضد مجتمعات بأكملها – حتى لو قُدّم تحت شعار الدفاع عن القيم – يؤدي إلى الانقسامات ويضعف الثقة بين أبناء المجتمع. تحتاج بولندا إلى نقاش مسؤول يقوم على الحقائق، وليس على الأحكام المسبقة والخوف.

لذلك أناشد رئيس جمهورية بولندا، ورئيس الوزراء، ورئيسي مجلسي النواب والشيوخ، وقادة جميع الأحزاب السياسية، الدفاع الحازم عن القيم المنصوص عليها في الدستور: حرية الضمير والدين، والمساواة أمام القانون، وكرامة كل إنسان.

وأدعو جميع القوى السياسية والاجتماعية المسؤولة إلى اتخاذ موقف حازم ضد خطاب الكراهية، ومحاولات وصم الأقليات، وكل الإجراءات التي تؤدي إلى انقسامات غير ضرورية.

لقد كانت بولندا قوية عندما استطاعت أن تجمع الناس، لا عندما قسمت بينهم.

فلندافع معاً عن دولة تقوم على الحرية والمسؤولية والاحترام المتبادل والمساواة أمام القانون.