نحتفل، كما احتفل العالم النبيل، بيوم مانديلا، واحتفالنا بهذه القامة الإنسانية الشامخة ليس مشاركة رمزية رسمية، بل هو احتفال يخص فلسطين وشعبها ونضالاته، احتفال بطريق مشترك وتاريخ متضافر. وهو الذي قال ذات يوم: "لن يكتمل تحرر جنوب أفريقيا إلا عندما تتحرر فلسطين". هو ابن أفريقيا نعم، وطفل جنوبها نعم، لكنه ابن العالم الحر، العالم المناضل ضد الاستبداد والتمييز والاحتلال والإبادة. وفلسطين تجسيد حي لهذا النضال. وحين صمتت الدول عن مجازر الإبادة الصهيونية ضد أهلنا في غزة، كانت جنوب أفريقيا دولةً وحكومةً وشعباً أول من أعد ملف الإبادة ضد الكيان الفاشي، وأول من قاد حملة عالمية لتعريه الصهيونية والإمبريالية وكيان الاحتلال المجرم وجيشه الأكثر وحشية في العالم.
يوم مانديلا لكل العالم محطة يتوقف عنده المناضلون وأنصار الحرية والكرامة، ليستعيدوا سيرة رمز إنساني هز أركان نظام الآبرتهايد في جنوب أفريقيا وأسقطه إلى غير رجعة، ما جعل ركائز الصهيونية والإمبريالية ترتعد من مستقبل مماثل لا محالة، ومهما طال الزمان.
مانديلا قصة إيثار وصمود وتضحية عظيمة، بشرة سوداء نظيفة راقية، تكسر قلوباً سوداء وبشرة بيضاء تطفح حقداً وعنصرية وجرائم. لم يكن مناضلاً عابراً ولا رمزاً محدوداً، بل إن طاقته الإنسانية ورمزيته الكونية جعلت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2009 تتخذ من يوم ميلاده 18/7/1918 مناسبة أممية، تدعو لتحسين السلوك السياسي والاقتصادي للقوى المؤثرة من أجل عالم أفضل، وتحث الأفراد في كل مكان على العطاء، كلاً حسب قدرته وإمكاناته، وفي كل الميادين، في الرياضة والفن والثقافة والابتكار.
هذا مناضل عرفه العالم، وتآمر عليه الفاشيون والعنصريون والمعادون للإنسانية، ودفع من عمره 27 عاماً في سجون الآبرتهايد. لكن تضحياته لم تذهب سدى، فقد انتصر وحزبه وشعبه والمؤيدون لعدالة قضيتهم، وأصبح السجين الرمز رئيساً للبلاد، ليقدم للعالم ملحمة نضالية سياسية نموذجية تقتدي بها الشعوب المناضلة. تمتع مانديلا بفكر ديمقراطي اشتراكي، وقاد نضالات شعبه حتى فكك نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. وكان يدرك ويعمل وفق مفهوم يرى أن البطولة تتجسد في بناء السلام العادل والبناء الاجتماعي المتلاحم الذي يحفظ كرامة الإنسان والمواطن، بصرف النظر عن أية اختلافات كانت.
آمن مانديلا بوحدة بني البشر في ضوء العدل والمساواة، وعزز ثقافة الإنسانية المشتركة. ولعله أهم من قدّم تجسيداً فعالاً لتطبيق مفهوم العدالة الانتقالية الخالية من الانتقام والدم، والمحافظة على وحدة المجتمع والوطن وكرامة الإنسان، ما جنب جنوب أفريقيا حرباً أهلية دموية طاحنة. كان يعي أن حياته ستتوقف في محطة من محطات الحياة، ولذلك كان يعبر بين الحين والآخر عن مقولات أشبه بالوصايا التي تحمي المجتمع والوطن.
كان شديد الإيمان بحقوق الطبقة العاملة، وبضرورة الدفاع عن هذه الحقوق والنضال المستمر من أجل ردم الهوة الهائلة بين مداخيل العمال والأثرياء. ولطالما عزز لدى العمال والمجتمع روح العمل التطوعي والنضال ضد الاستغلال وخرق حقوق الإنسان، وتفاوت الأجور، وتوفير بيئات عمل عادلة نظيفة تحترم كرامة العمل والكرامة الإنسانية بصفة عامة.
ومن أهم ما يستخلص من تجربة مانديلا في إدارة الحياة والعمل، ضرورة ربط النظرية بالتطبيق، والرؤية بالممارسة. فالنضال في فلسفته يتم في الميدان لتحقيق أهداف عملية ملموسة، وليس نضالاً نظرياً مجرداً. وهنا نستلهم تأكيده على النضال الفعلي ضد الإمبريالية التي تحارب حرية الشعوب وسعيها للديمقراطية وتحقيق الحريات المدنية.
مانديلا... يا ابن جنوب أفريقيا العظيم
وابن القارة التي نهبها غلاة المستعمرين
كنت مناضلاً، وكنت سجيناً، وصرت رئيساً.
واليوم، تحملك الشعوب في القلوب والنفوس والعقول
مشعلاً يضيء طريق الحرية والكرامة الإنسانية.
سلاماً لك من فلسطين، وتحية لك من غزة،
ومن كل عشاق الحرية في كل مكان. سلام عليك.

