Menu

الواقع الفلسطيني بين الاستراتيجية والتكتيك

أحمد عويدات

نشر في مجلة الهدف العدد (85) (1559)

 

في مرحلة التحرر الوطني تلتقي القوى وتتحد على هدف واحد، يُمثّل أولوية النضال والمقاومة للتخلص من المحتل وتحرير الوطن؛ وعليه فإن الاختلاف في الأيدولوجيا يجب ألا يكون مدعاةً للانقسام والتشرذم في الصف الوطني، وأن اختلفت الرؤى بين الاستراتيجية والتكتيك.

فإذا كان الهدف الاستراتيجي تحرير فلسطين من البحر إلى النهر، وبكامل ال 27000 كـم²، فإن الممارسة الوطنية اليومية والتكتيك والخطاب السياسي الذي يجب أن تتبناه فصائل العمل الوطني لابد أن يخدم هذا الهدف الاستراتيجي، وألا يبتعد عنه، وإلا فإننا بذلك نفرّط بالثوابت والمبادئ الوطنية التي شكلت أساساً لانطلاقة ثورتنا المعاصرة في عام 1965؛ سيما عندما نخاطب جماهير شعبنا بنفس الخطاب الذي نخاطب به الرأي العام العالمي؛ مراعاةً للظروف الدولية واختلال موازين القوى، ولكسب تأييد الرأي العام العالمي. وعندما يسدل الستار عن اعتماد الكفاح المسلح "كاستراتيجية وليس تكتيك"، كما جاء في مبادئ وأهداف "حركة فتح"، وكما نص عليه أيضا "الميثاق الوطني الفلسطيني"، والذي قامت على أساسه منظمة التحرير الفلسطينية. وعندما تصبح "المرحلية" - التي جاء بها برنامج النقاط العشر في عام 1974 - الهدف النهائي لسياسة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية؛ على اعتبار أن الظروف لا تنتج إلا هذا البرنامج السياسي – هذا إذا افترضنا جدلاً بأن ذلك كان نفقاً مظلماً، ولا بد من السير فيه بما تمليه الظروف الإقليمية والدولية والظروف الذاتية- فماذا فعلنا منذ ذلك الحين للخروج من هذا النفق؟ هل قمنا بمراجعة وتقييم سياساتنا؟ وإلى أين وصلت تنازلاتنا التكتيكية؟ وهل أقمنا علاقات مع الجماهير على حساب الأنظمة أم العكس؟ وهل صُغنا تحالفاتٍ تخدم المسيرة الوطنية والخطاب الوطني؟ وهل قمنا بإصلاحات داخلية بنيويه أم تفشت البيروقراطية والفردية والفساد؟ وهل ربطنا كل ذلك بتخطيط استراتيجي حددنا فيه أهدافنا وأولوياتنا وأساليبنا وأدواتنا؟

إن ما جرى منذ عام 1974، عام "المرحلية"، لا يمثل إلا تراجع وإخفاقات للمشروع الوطني الفلسطيني، وانكفاء لهذا المشروع. لقد فقدنا مواقعنا وقواعدنا في لبنان و سوريا وقبل ذلك في الأردن، وتاهت قواتنا وقياداتنا في المنافي، واتجهت بوصلتنا نحو ما كنا نعتبره "تكتيك" فأصبح استراتيجية عملنا، وتحوّلنا إلى سلطة على شعبنا وليس على أرضنا، وتحوّل أداؤنا من حمايةٍ لشعبنا ومناضلينا إلى حماية لأمن الكيان. وأصبحنا بذلك مثل الأنظمة؛ وهي تحمي الحدود من تسلل المقاومين نحو مواقع الكيان الصهيوني.

وإن كنا لا ننكر تلك المؤامرات والمخططات التي حيكت ضد ثورتنا وفصائل العمل الوطني، وعلى رأسها حركة فتح - هذه المؤامرات التي هدفت إلى أضعاف ثورتنا، وشق الصفوف وإسقاط البندقية ، وإيجاد البدائل للتمثيل الفلسطيني الشرعي والوحيد؛ خدمة لأجندات إسرائيلية وأمريكية وغربية - فإننا في الوقت نفسه نحمل أنفسنا مسؤولية ما آلت إليه أوضاعنا الداخلية والتنظيمية ، وسلوك وتوجهات قياداتنا ، وبرامج سياساتنا ، وممارسات لا صلة لها بالثورة والثوريين أبعدتنا عن الجماهير العربية والفلسطينية ؛ الأمر الذي جعلها سبباً أساسياً في نجاح الكثير من هذه المخططات والمؤامرات ، والتي بدورها أدت إلى إضعاف ثورتنا، ودفعها للدخول في مفاوضاتٍ ومساوماتٍ أفضت أخيراً إلى اتفاقات أوسلو سيئة الصيت والنتائج ، وبتنا لا نستطيع الخروج من ذلك النفق المظلم الذي صنعناه بأيدينا.

لقد خبر شعبنا سياسات المحتل وأساليبه، وخبر في الوقت ذاته سياسات قياداتنا. ألا نحتاج لوقفة مع الذات مجددا؟ إننا نمتلك الآن الكثير من عوامل القوة التي تؤسس لمرحلة نستطيع فيها تحقيق مكاسب وطنية. فنحن الآن نمتلك الأرض وحاضنة شعبية صبورة صامدة تحمل إرثاً نضالياً أسطورياً، وعمقاً شعبياً عربياً واسلامياً داعماً.

فلنستثمر هذه المكاسب، ولنبدأ مرحلة جديدة؛ نحدد أولويات نضالنا، وأساليب عملنا وأدواتنا، ونتبنى برنامجاً يعيد الاعتبار للثوابت والمبادئ التي تُحقق الانتصار؛ مستفيدين من التأييد الدولي لقضيتنا، وافتضاح علانية المشروع الصهيوني التوسعي العدواني والذي أعلن عنه نتنياهو مراراً وتكراراً "إسرائيل الكبرى".

إن الاستثمار السياسي لصمود شعبنا الأسطوري والدعم الدولي المتزايد مقابل السياسات العدوانية الاستيطانية لقادة الاحتلال التي تفاقمت في الآونة الأخيرة؛ من شأنه أن يعيد توجيه البوصلة الوطنية بالاتجاه الصحيح. وعلينا أن نعي أن عدونا يعتمد على "سلام القوة" وسلام الإخضاع والهيمنة والسيطرة. فعلى ماذا نعتمد نحن؟ وهل نبقى متسولين للسلام من عدو لا يعترف أصلا بوجود شعب اسمه الشعب الفلسطيني؟

إن شعبنا يستحق بعد هذه العقود من النكبات والتشرد والعذابات والانقسام أن يستعيد كرامة ثورته، وأن نستخدم التكتيك في خدمة استراتيجيتنا الوطنية.

إن ما حدث من مقاومة ومواجهات في بلدة (تل)، وامتداد ذلك إلى كافة بلدات وقرى ومخيمات ومدن الضفة الغربية، رداً على الاعتداءات العنصرية التوسعية، التي تقوم بها قطعان المستوطنين تحت غطاء جيش الاحتلال، وقيام هذا الجيش بالإعلان عن عملية واسعة، حشد لها 26 كتيبة لحصار أهلنا في أنحاء الضفة الغربية؛ للحيلولة دون اندلاع انتفاضة شعبية تؤسس لمرحلة جديدة من النضال الوطني الفلسطيني، ألا يدل ذلك على إصرار شعبنا على مقاومة الاحتلال بكافة الأساليب والأدوات؟ ألا يحمل ذلك دلالات عديدة وجديدة على أن قادة الاحتلال يتجاهلون أي مبادرة لتحقيق السلام وادارة الظهر لإرادة المجتمع الدولي وقرارات الشرعية الدولية؟ ألا يستدعي ذلك تغييرا في سياسات السلطة الفلسطينية ومغادرة عباءة التكتيك الخاسر والدبلوماسية العبثية لحماية شعبنا؟ ألا يتطلب هذا الوضع رص الصفوف وإعادة الاعتبار للوحدة الوطنية، واستنهاض القوى الأمنية لحماية شعبنا من جرائم المستوطنين؟ ألا يستدعي ذلك مراجعة لكل أساليب عملنا، والبدء بصياغة برنامج عمل يتناسب مع ظروف المرحلة يتم من خلاله حشد كل طاقات شعبنا؟ المطلوب ، وعلى وجه السرعة ، التوجه إلى المجتمع الدولي برؤية تفضح جرائم الاحتلال وسرديته ؛ مستفيدين من رسالة (٦٠٠) من القادة الأمنيين والعسكريين والدبلوماسيين الإسرائيليين السابقين التي وجّهوها عقب مواجهات بلدة( تل ) إلى الرئيس ترامب مطالبين التدخل ومحذّرين من تنامي "الخطر اليهودي" على حياة الإسرائيليين. ، والعمل على تقديم قادته إلى محكمة الجنايات الدولية، و فرض العقوبات بكل أشكالها على قادة الكيان ومجموعات المستوطنين ، وتطالب بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ووضع العالم أمام مسؤولياته لحماية شعبنا وقضيته العادلة.

إن الوقت من دم، وأن التاريخ لن يرحم المتخاذلين، وإن دم شعبنا لن يبقى رهينة التكتيك على حساب استراتيجيتنا الوطنية.