Menu

من مسرح الانتخاب إلى ساحة التشريع: أين يقف مجلس الشعب السوري اليوم؟

عزيز موسى

نشر في مجلة الهدف العدد (85) (1559)

يحمل انعقاد الجلسة الافتتاحية لمجلس الشعب السوري في 12 تموز/يوليو 2026 دلالة سياسية لا يمكن تجاهلها بوصفه الخطوة الأولى نحو تأسيس سلطة تشريعية بعد سقوط النظام السابق، لكن قراءة هذه الخطوة بمعزل عن المبالغات تكشف بنية أكثر تعقيداً مما توحي به نصوص الإعلان الدستوري، فالمجلس رغم أهمية انعقاده، لا يزال في مرحلة تأسيسية مبكرة تحتاج إلى اختبارات فعلية متكررة قبل الحكم على طبيعته النهائية، وهي إشكالية تتكرر في غالبية تجارب الانتقال السياسي بعد النزاعات المسلحة.

هذه الإشكالية لم تُحسم بعد في الحالة السورية فمجلس الشعب وُلد بصيغة يمكن وصفها بـ"التعددية المُدارة": تعددية ظاهرة في التركيبة، لكنها مضبوطة بقدر كافٍ من المركزية يتيح للسلطة التنفيذية الحفاظ على زمام التوازن دون المخاطرة بفقدانه، هذه الصيغة وإن بدت مفهومة في سياق مرحلة انتقالية تفتقر بعد إلى أحزاب سياسية ناضجة وانتخابات مباشرة كاملة، تحمل في جوهرها تناقضاً بنيوياً سيحدد مصير التجربة برمّتها: كلما نجحت في ضبط الاستقطاب بين الكتل، اقتربت من إفراغ المجلس من فاعليته الرقابية، وكلما تُركت الكتل تتصارع بحرية أكبر، اقتربت التجربة من تكرار نموذج المحاصصة الذي أنهك نماذج برلمانية متعددة.

آلية تشكيل هجينة لا تعددية عفوية

التعددية الظاهرة في تركيبة المجلس البالغ عدد أعضائه 210 ليست نتاج انتخابات تنافسية مباشرة، بل نتاج آلية هجينة تجمع بين انتخاب غير مباشر لنحو 136 عضواً وتعيين رئاسي لثلث الأعضاء (70 عضواً) بموجب مرسوم رئاسي صدر مطلع عام 2026 *(العدد والتاريخ الدقيقان للمرسوم بحاجة إلى تأكيد من مصدر رسمي قبل النشر)، هذا التوزيع يمنح الرئاسة دوراً حاسماً في تشكيل ملامح المجلس النهائية، سواء عبر التعيين المباشر أو عبر التأثير غير المباشر في مسار الترشح والتزكية.

لم تمرّ هذه الآلية دون احتكاك، فقد تأجل موعد الجلسة الأولى المقرر في 6 تموز دون إعلان أسباب رسمية، في وقت ارتبط فيه التأجيل بخلاف بين التيارات والكتل حول ترشيحات رئاسة المجلس ومكتبه الرئاسي، كما بقيت ثلاث مقاعد لمحافظة السويداء شاغرة إلى جانب مقعد نائب متوفى في إدلب.

بين الرمزية والاختبار لتوازن السلطات

استُهلّت الجلسة الأولى للمجلس بانتخاب المكتب الرئاسي، الذي يضم رئيس المجلس ونائبه وأمناء السر، فوز الدكتور عبد الحميد العواك، بمنصب الرئيس يحمل دلالة مزدوجة: فمن جهة، تمثل خلفيته القانونية وسجله في معارضة النظام السابق مؤشراً إيجابياً يمكن البناء عليه، خصوصاً أن فوزه جاء ضمن كتلة قريبة من التوجه الرسمي لا عبر مواجهة صريحة معه، ومن جهة أخرى فإن وجود تنافس فعلي بين ثلاثة مرشحين منح المجلس مكسباً رمزياً أمام السلطة التنفيذية يوحي بقدرته على الحفاظ على هامش من الاستقلالية.

غير أن هذه الاستقلالية تبقى في جوهرها استقلالية مؤجلة الدفع، لم تُختبر بعد في الفعل التشريعي الفعلي بل فقط في مسرح الانتخاب الداخلي، الاختبار الحقيقي سيأتي مع أول احتكاك جدي بملفات خلافية كبرى: الدستور الدائم، العدالة الانتقالية، شكل نظام الحكم، قوانين المواطنة، وتنظيم المشاركة السياسية.

صراع الكتل: مساومة دائمة أم تيارات برامجية؟

للمرة الأولى منذ عقود يظهر تنافس ضمني بين كتل نيابية غير رسمية، أقرب ما يمكن توصيفه بأنه اختلاف في التوجهات لا انقسام حزبي مكتمل: كتلة قريبة من الإدارة السورية، وكتلة تضم الإخوان المسلمين والمقربين منهم بما يُقدَّر بنحو 40 صوتاً، وكتلة "ديمقراطية" تجمع ليبراليين ويساريين وقوميين بما يُقدَّر بنحو 20 صوتاً (الأرقام تقديرية وغير موثقة رسمياً)، إضافة إلى كتلة مكونات أخرى لم تتبلور ملامحها بعد بوضوح.

هذا الاصطفاف حالة طبيعية في ظل التحولات التي تشهدها سوريا، لكنه يحمل إنذاراً مبكراً: إذا تكرّست هذه الكتل كمساومين دائمين بدل أن تتحول إلى تيارات برامجية حقيقية، فسيستنسخ المجلس نمط "الديمقراطية التوافقية الهشة" الذي أصاب برلمانات المشرق بالشلل الوظيفي، حيث تتحول المساومة بين الكتل إلى غاية بحد ذاتها بدل أن تكون وسيلة لتشريع فعال.

عقدت الجلسة الثانية في 26 تموز لبحث النظام الداخلي، وهي خطوة جوهرية باعتبارها الإطار الإجرائي الذي سيحكم عمل المجلس طوال الدورة التشريعية الأولى، شكّل رئيس المجلس لجنة من 17 عضواً لصياغة مشروع النظام، وفي الجلسة الاستثنائية الأولى أقرّ المجلس 16 مادة من المشروع، فيما أخفقت المادة 30 المتعلقة باللجان الدائمة في اجتياز التصويت، في أول احتكاك علني بين قاعة المجلس ولجنته المُشكَّلة.

الأهم من ذلك هو ما كشفه هذا الاحتكاك: جاء الرفض احتجاجاً على إسقاط لجنة الشؤون الخارجية والمغتربين من مسودة النظام، التي كانت تضم في صيغتها الأولى نحو 24 لجنة دائمة، دون أن يقترن هذا الإسقاط بتفسير مقنع لأعضاء رأوا في الملف الخارجي والاغترابي أحد أكثر الملفات حساسية، تغيير تسمية اللجنة من "لجنة السياسة الخارجية" إلى "لجنة الدبلوماسية والقنصلية" لا يبدو تعديلاً شكلياً، بل يطرح تساؤلات حول تقزيم لعمل اللجنة يتجاوز مجرد التسمية، فعلى الرغم من أن اللجنة الجديدة تمارس وفق ما تك إعلانه صلاحيات وأعمال اللجنة السابقة، فإن هذا التحول يمثل من جهة خرقاً لروح الإعلان الدستوري في فصل السلطات، ويعكس من جهة أخرى ميلاً نحو تركيز صلاحيات السياسة الخارجية بيد السلطة التنفيذية على حساب الرقابة البرلمانية عليها، هذه الواقعة تحديداً تشكّل الدليل الملموس الأول على أن "الرمزية" التي رافقت انتخاب المكتب الرئاسي قد تصطدم سريعاً بحدود عملية يفرضها منطق السلطة التنفيذية.

أهمية هذا المسار تكمن في كونه سيحدد عملياً حدود الرقابة البرلمانية على السلطة التنفيذية: مدى الصلاحيات الاستجوابية الفعلية التي ستُمنح للجان، ومستوى التفعيل الذي ستحظى به لجان حساسة كلجنة الشؤون الخارجية، سيبقيان معلّقين على استكمال مواد النظام الداخلي، لا على مجرد الإعلان عن تشكيل المجلس.

حصيلة أولية: مكاسب حقيقية وثغرات بنيوية

من الإيجابيات التي يمكن رصدها، انعقاد أول جلسة لسلطة تشريعية في سوريا منذ سقوط نظام الأسد نهاية 2024، وإجراء اقتراع تنافسي حقيقي على منصب الرئاسة بدل التزكية الشكلية، واختيار شخصية قانونية ذات خلفية حقوقية ومعارضة لرئاسة المجلس، والشروع الفعلي في صياغة نظام داخلي إجرائي بدل تأجيله إلى أجل غير مسمى.

في المقابل، تبرز ثغرات بنيوية لا يمكن تجاوزها: تعيين ثلث الأعضاء مباشرة من الرئاسة، ما يحدّ من الاستقلالية البنيوية للمجلس أياً كانت كفاءة المعيّنين، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية المراحل الانتقالية في الدول الخارجة من النزاعات، إضافة إلى استمرار إشكالية تمثيل محافظة السويداء وما تثيره من انتقادات موثقة حول التعامل مع التنوع السوري بوصفه تراتبية مكوناتية بدل تعددية سياسية حقيقية.

المعيار الحاسم لم يُختبر بعد

يقف المجلس أمام اختبار ممتد لعامين ونصف، هي المدة المحددة له وفق الإعلان الدستوري، لكن الاختبار الحقيقي لن يُقاس بمعركة مادة إجرائية واحدة في نظامه الداخلي، بل بقدرته على إنجاز حزمة تشريعية معقدة تنتظره خلال الأشهر المقبلة، في مقدمتها أربعة ملفات متشابكة: العدالة الانتقالية، التي صدر بشأنها مسبقاً المرسوم رقم 20 لعام 2025 بتشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية وهيئة مختصة بالمفقودين، فيما يبقى عمل الهيئتين ناقصاً من دون تشريع برلماني يحصّنهما من التسييس ويوازن بين إنصاف الضحايا وتفادي تحوّل الملف إلى تصفية حسابات، وقوانين المحاسبة الموازية له، التي تستلزم أطراً لملاحقة المتورطين في الانتهاكات حتى خارج سوريا عبر آليات تعاون قضائي دولي تحصّن الملفات من ذرائع رفض التسليم، والدستور الدائم، أثقل الملفات زمنياً وسياسياً، حيث لن يكون معيار النجاح سرعة الإنجاز بل قدرة النص على تكريس فصل حقيقي بين السلطات بدل إعادة إنتاج مركزية القرار بصياغة جديدة، والملف الاقتصادي، الذي يفرض تشريعات عاجلة تضبط انتقال سوريا من اقتصاد ذي هوية اشتراكية إلى نظام سوق مفتوح، إلى جانب تحديث قانون الإدارة المحلية بما يوسّع اللامركزية في مناطق تتفاوت فيها موازين النفوذ والخدمات.

هذا الاستحقاق مجتمعاً يضع المجلس أمام مسارين لا ثالث لهما: الوقوع في فخ الاستقطاب بين الكتل، أو تبنّي آليات وطنية حقيقية تعالج هذه الملفات من موقع مجلس يُفترض أن يمثّل هوية سورية جديدة جامعة.

المعيار الحاسم في تقييم هذه التجربة لن يتحدد في الجلسات الأولى، بل في اللحظة التي يضع فيها المجلس مسودة الدستور الدائم على طاولة النقاش الفعلي، ويتعامل مع الملفات الخلافية الكبرى، لا سيما ما يرتبط منها بحدود التعامل مع السلطة التنفيذية. عندها فقط سيتضح ما إذا كان هذا المجلس يمثل تحولاً مؤسسياً حقيقياً نحو الفصل بين السلطات، أم أنه لا يتجاوز توازناً شكلياً يحمل الاسم دون المضمون.