Menu

في الحاجة إلى غسان كنفاني، حين يصبح الكاتب ضميرًا لا يغادر زمنه

أحمد طنيش

نشر في مجلة الهدف العدد (85) (1559)

تمر أربعة وخمسون عامًا على اغتيال غسان كنفاني ، لكن الزمن لم ينجح في إبعاده عن حاضرنا. فثمة كتاب يشيخون مع توالي السنين، وثمة آخرون يزدادون شبابًا كلما تعقدت أسئلة التاريخ. وكان غسان من هذا الصنف الأخير؛ أولئك الذين لا يتحولون إلى ذكرى، بل إلى حاجة، لأن الفكرة لا تغتال.

إن استحضار غسان كنفاني اليوم ليس وفاءً لشهيد اغتالته يد الاحتلال فحسب، ولا احتفاءً بروائي ترك أعمالًا أصبحت من كلاسيكيات الأدب العربي الحديث، وإنما هو بحث عن نموذج للمثقف الذي لم يفصل بين الفكر والموقف، ولا بين الجمال والحرية، ولا بين الكتابة والمسؤولية. لقد كتب لأنه كان يرى في الكتابة فعلًا من أفعال المقاومة، لا زينة لغوية، ولا ترفًا ثقافيًا.

في زمن تتكاثر فيه الأخبار وتتراجع المعاني، تبدو الحاجة إلى غسان أشد من أي وقت مضى. فقد كان يدرك أن المعركة تبدأ من الرواية قبل أن تصل إلى الميدان، وأن من يخسر حقه في السرد قد يخسر حقه في التاريخ. ولذلك لم تكن رواياته مجرد حكايات عن اللجوء والمنفى، بل كانت دفاعًا عن الإنسان الفلسطيني بوصفه صاحب ذاكرة وحق ومستقبل.

لقد منح غسان للاجئ اسمًا بعد أن حاولت السياسة أن تحوله إلى رقم، ومنح للمخيم صوتًا بعدما أراد العالم أن يجعله هامشًا، ومنح للأم الفلسطينية وللطفل والمناضل وجوهًا إنسانية، لا شعارات سياسية. كان يعرف أن الأدب الحقيقي لا يرفع الشعارات، بل يخلق إنسانًا يصعب نسيانه.

ولعل ما يجعل غسان حاضرًا اليوم هو أنه سبق زمنه في فهم طبيعة الصراع. فقد أدرك أن الاحتلال لا يستهدف الأرض وحدها، بل يستهدف اللغة والذاكرة والرموز والحكاية. لذلك جعل من الرواية والصحافة والمقال أدوات للدفاع عن الحقيقة، ومن الثقافة خط الدفاع الأول عن الهوية.

لم يكن غسان روائيًا فقط، بل كان صحفيًا استثنائيًا. مارس الصحافة باعتبارها فعلًا يوميًا في مقاومة النسيان، وساهم من خلال مجلة "الهدف" في بناء خطاب إعلامي عربي منحاز إلى قضايا التحرر والعدالة، جامعًا بين الدقة المهنية والوضوح الفكري. وقد كانت المجلة مدرسة في الصحافة الملتزمة، حيث لم تُختزل الأخبار في الوقائع، بل قُرئت في سياقاتها، وربطت بين المحلي والعالمي، وبين القضية الفلسطينية وأسئلة التحرر الإنساني.

ليس قليلًا أن تستمر مجلة "الهدف" في أداء رسالتها بعد أكثر من نصف قرن على رحيله. فاستمرارها ليس مجرد بقاء لمطبوعة، بل استمرار لروح آمنت بأن الإعلام يمكن أن يكون ذاكرةً وموقفًا، وأن الكلمة تستطيع أن تواجه محاولات الطمس والتزييف. إنها شهادة على أن المؤسسات الثقافية التي تُبنى على فكرة تتجاوز عمر مؤسسيها.

إن الحاجة إلى غسان اليوم هي حاجة إلى هذا النوع من المثقف؛ المثقف الذي لا يبيع قلمه في سوق الاصطفافات، ولا يختبئ وراء حياد زائف عندما يتعلق الأمر بالعدل والكرامة. فالثقافة، في تصور غسان، ليست حيادًا بين الضحية والجلاد، بل انحياز إلى الإنسان، وإلى الحق في الحرية والعيش الكريم.

غير أن استعادة غسان لا تعني تحويله إلى أيقونة جامدة أو صورة معلقة على الجدران. فالأيقونات قد تُبجَّل ثم تُنسى، أما الأفكار فتظل حية ما دامت قادرة على مساءلة الحاضر. والسؤال الذي يطرحه غسان علينا اليوم ليس: كيف مات؟ بل: ماذا بقي من مشروعه الثقافي؟ وهل ما زلنا نؤمن بأن الأدب يستطيع أن يغير الوعي، وأن الصحافة تستطيع أن تدافع عن الحقيقة، وأن الثقافة قادرة على مقاومة التزييف؟

لقد تغير العالم كثيرًا منذ سبعينيات القرن الماضي. انتقلت المعارك إلى الفضاء الرقمي، وأصبحت الخوارزميات تصنع الرأي العام، وصارت الصورة تنافس الكلمة، وأحيانًا تبتلعها. لكن جوهر السؤال الذي شغل غسان لم يتغير: من يملك حق رواية الحكاية؟ ومن يحمي الذاكرة من التشويه؟ ومن يجعل الإنسان حاضرًا في قلب السياسة؟

ربما لهذا السبب لا نحتاج إلى غسان بوصفه اسمًا في سجل الشهداء، بل بوصفه منهجًا في التفكير والكتابة. نحتاج إلى شجاعته الفكرية، وإلى انضباطه الأخلاقي، وإلى إيمانه بأن الكلمة ليست أقل أثرًا من الفعل، وأن الكاتب لا يقاس بعدد كتبه، بل بقدرته على أن يمنح الناس لغة يدافعون بها عن وجودهم.

بعد أربعة وخمسين عامًا على اغتياله، لا يبدو غسان كنفاني رجلًا من الماضي، بل شاهدًا على حاضر لم تنتهِ أسئلته بعد. وكلما ازداد العالم ضجيجًا، ازدادت الحاجة إلى الأصوات التي تعرف كيف تكتب الحقيقة بلا مساومة، وكيف تحول الأدب إلى ذاكرة، والصحافة إلى مسؤولية، والثقافة إلى فعل مقاومة. تلك هي الحاجة إلى غسان كنفاني؛ حاجة إلى ضميرٍ ما زال يرفض أن يصمت.