Menu

الانتخابات الفلسطينية في زمن الحرب والانقسام ... بين الضرورة والأولويات الوطنية

حيدر العيلة (أبوالأمير) / غزة

بوابة الهدف

 

بعد عقدين من الغياب، يعود الحديث عن الانتخابات التشريعية الفلسطينية إلى واجهة المشهد السياسي، لكن هذه العودة لا تأتي في ظروف ديمقراطية طبيعية، ولا في ظل توافق وطني حقيقي، بل في لحظة تاريخية استثنائية تتداخل فيها آثار الحرب المدمرة، وأزمة الشرعية الداخلية، واستمرار الانقسام، وضغوط المجتمع الدولي، ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني برمته.

لذلك فإن السؤال الأكثر إلحاحا ليس فقط: لماذا تقرر إجراء الانتخابات الآن؟ بل: هل تمثل هذه الخطوة استجابة فعلية لحق الشعب الفلسطيني في اختيار ممثليه وتجديد مؤسساته، أم أنها تأتي في إطار ترتيبات سياسية أوسع لإعادة صياغة شكل السلطة ودورها في المرحلة المقبلة؟

لا خلاف على أن الانتخابات حق ديمقراطي أصيل، وأن غيابها طوال عشرين عاما كان أحد أبرز مظاهر أزمة النظام السياسي الفلسطيني. فالشعب الذي يواجه احتلالا ومشاريع تصفية لقضيته الوطنية لا يمكن أن يبقى أسير مؤسسات فقدت جزءاً كبيرا من شرعيتها وقدرتها على التعبير عن إرادته، كما أن أي مشروع وطني قادر على الصمود يحتاج إلى شرعية متجددة تستند إلى إرادة الشعب لا إلى الأمر الواقع.

لكن الديمقراطية ليست مرسوما يصدر، ولا صندوقا يوضع في مركز انتخابي ثم تنتهي الحكاية، الديمقراطية الحقيقية تبدأ قبل المراسيم الرئاسية، من خلال التوافق الوطني، وضمان حرية المنافسة، وتكافؤ الفرص، وحرية العمل السياسي، وتنتهي بالقبول الكامل بنتائج الصندوق مهما كانت.

وهنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فالانتخابات المقبلة (إن حصلت) تأتي في ظل واقع فلسطيني شديد التعقيد، ف القدس ما زالت تحت الاحتلال الذي يسعى إلى منع الفلسطينيين من ممارسة حقهم الانتخابي فيها، وقطاع غزة يعيش آثار حرب مدمرة خلّفت كارثة إنسانية وسياسية غير مسبوقة، بينما تواجه الضفة الغربية واقعا أمنيا وسياسيا يجعل تدخل الاحتلال في العملية الانتخابية احتمالا قائما عبر الاعتقالات والاقتحامات والقيود على النشاط السياسي.

إن الحرب لم تترك فقط دمارا في الحجر والبنية التحتية، بل أعادت تشكيل الواقع الفلسطيني بأكمله، وفرضت أسئلة كبرى حول مستقبل المشروع الوطني، وطبيعة النظام السياسي، وكيفية تمثيل شعب دفع أثمانا هائلة من الدم والدمار.

ولذلك فإن أي انتخابات لا تأخذ هذا الواقع بعين الاعتبار قد تتحول من أداة للتجديد إلى محاولة للتعامل مع نتائج الأزمة دون معالجة جذورها.

لكن الخطر الأكبر لا يأتي فقط من الاحتلال، بل من استمرار الأزمة الداخلية الفلسطينية وغياب الاتفاق على قواعد اللعبة السياسية، فالانتخابات لا يمكن أن تكون مجرد إجراء قانوني، بل تحتاج إلى توافق وطني واضح بأن صندوق الاقتراع هو المرجعية الوحيدة، وأن إرادة الناخبين لا تصبح قابلة للقبول أو الرفض وفقًا لمصالح القوى المتنافسة.

لقد كشفت تجربة عام ٢٠٢١ أن الانتخابات الفلسطينية ليست منفصلة عن حسابات القوة والنفوذ، فقد ظهرت آنذاك مؤشرات على منافسة سياسية حقيقية، قبل أن يتم تأجيل الانتخابات "بحجة" عدم ضمان مشاركة القدس، ولا شك أن القدس قضية وطنية لا يمكن التفريط بها، لكن التجربة أثبتت أيضا أن القضايا الوطنية الكبرى قد تتحول أحيانا إلى أدوات سياسية عندما تصبح نتائج العملية الانتخابية غير مضمونة.

واليوم تجد السلطة الفلسطينية نفسها أمام معادلة معقدة؛ فهي تحتاج إلى الانتخابات لاستعادة جزء من شرعيتها أمام الشعب والمجتمع الدولي، لكنها تدرك في الوقت ذاته أن انتخابات حرة ومفتوحة قد تحمل نتائج تعيد تشكيل المشهد السياسي بالكامل، وربما تفرض تغييرا عميقا في طبيعة النظام القائم.

ومن هنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: هل الجميع مستعد لقبول نتائج الصندوق إذا جاءت مخالفة لتوقعاته؟ وهل تقبل القوى السياسية الفلسطينية مبدأ التداول الحقيقي للسلطة، أم أن الديمقراطية ستبقى مقبولة فقط عندما تنتج النتائج التي يريدها هذا الطرف أو ذاك؟ "فالمشكلة ليست في الانتخابات بحد ذاتها، بل في الخوف من نتائجها، فالديمقراطية لا تُختبر عندما تمنحك الصناديق ما تريد، وإنما عندما تمنح خصمك ما لا تريد".

إن شعبنا الفلسطيني لا يحتاج إلى انتخابات هدفها تحسين صورة النظام السياسي أمام العالم، ولا إلى عملية شكلية تعيد إنتاج الأزمة نفسها، بل يحتاج إلى انتخابات تؤسس لمرحلة جديدة، تعيد بناء المؤسسات على أساس المشاركة والمراقبة والمساءلة، وتنهي حالة الانقسام التي أضعفت القدرة الوطنية على مواجهة الاحتلال.

لكن يبقى السؤال الأعمق: هل الانتخابات هي الأولوية الوطنية في هذه اللحظة التاريخية؟ وهل تكمن أزمتنا فعلا في غياب صناديق الاقتراع، أم في غياب الشراكة الوطنية، وتهميش المؤسسات، واحتكار القرار السياسي طوال سنوات طويلة؟

فالانتخابات ليست علاجا سحريا لأزمة النظام السياسي، بل نتيجة طبيعية لبيئة سياسية سليمة تقوم على التوافق، واحترام التعددية، وضمان الحريات، وتكافؤ الفرص. أما إذا جاءت في ظل الانقسام والإقصاء وغياب الرؤية الوطنية المشتركة، فقد تتحول من أداة لتجديد الشرعية إلى وسيلة لإعادة إنتاج الأزمة ذاتها.

ولذلك، فإن الدعوة إلى إجراء انتخابات عامة لا تبدأ بإصدار مرسوم رئاسي، وإنما بتهيئة البيئة الوطنية والسياسية التي تجعل منها مدخلا لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، لا وسيلة لإعادة إنتاج الانقسام أو تجديد شرعيات مأزومة.

 

فالانتخابات ليست إجراءً إداريا أو استحقاقا شكليا، بل محطة وطنية كبرى لا تكتسب معناها إلا إذا جاءت ضمن رؤية سياسية جامعة تعيد الاعتبار للوحدة الوطنية وللمشروع الوطني الفلسطيني.

ومن هنا، يفترض أن يسبق أي مرسوم رئاسي حوار وطني شامل وملزم، تتوافق خلاله القوى الفلسطينية على الأسس السياسية والقانونية والتنظيمية للعملية الانتخابية، ويتم إقرار ميثاق شرف وطني يضمن نزاهة التنافس، ويمنع التحريض والإقصاء، ويحمي الساحة الفلسطينية من الانزلاق إلى صراعات داخلية لا يستفيد منها سوى الاحتلال.

ولا يمكن الحديث عن انتخابات حرة ونزيهة في ظل استمرار الاعتقال السياسي، وتقييد الحريات العامة، وملاحقة المواطنين على خلفية آرائهم أو انتماءاتهم السياسية.

فاستعادة الثقة بالعملية الديمقراطية تبدأ بإطلاق الحريات، وضمان تكافؤ الفرص بين جميع القوائم والمرشحين، وإبعاد الأجهزة الأمنية عن التأثير في إرادة الناخبين أو مسار العملية الانتخابية.

وفي الوقت ذاته، ينبغي ألا تُختزل الانتخابات في منافسة على السلطة أو تقاسم للمواقع، بل يجب أن تتحول إلى جزء من معركة الصمود الوطني في مواجهة الاحتلال، وأن تصبح كل مراحلها مناسبة لحشد الجماهير ضد الاستيطان والضم والتهويد، وتعزيز المقاومة الشعبية، وترسيخ وحدة الشعب الفلسطيني حول أهدافه الوطنية.

كما يجب اعتماد خطاب وطني مسؤول يضع الحقوق الوطنية فوق المصالح الفصائلية، ويرفض التحريض وخطاب الكراهية، ويكرّس ثقافة الشراكة والتعددية والديمقراطية.

وإلى جانب ذلك، لا بد من إطلاق حراك سياسي وشعبي وإعلامي واسع للضغط من أجل إجراء انتخابات شاملة ومتزامنة للمجلسين التشريعي والوطني، وضمان إجرائها في القدس وقطاع غزة والضفة الغربية دون شروط أو إملاءات خارجية، مع ويبقى السؤال الذي لن تجيب عنه التصريحات، بل ستجيب عنه الوقائع: هل سيكون صندوق الاقتراع سيد القرار... أم أن القرار سيكون قد اتُّخذ قبل أن تُفتح الصناديق؟حشد الدعم العربي والدولي لإلزام الاحتلال بعدم عرقلة العملية الانتخابية، وخاصة في القدس، وتأمين رقابة تضمن نزاهتها وشفافيتها.

وفي المحصلة، يجب ألا يُنظر إلى الانتخابات باعتبارها غاية بحد ذاتها، بل باعتبارها بداية لمسار وطني شامل يعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية ووطنية، ويعيد تفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي والجامع لشعبنا، ويفتح الطريق أمام شراكة سياسية حقيقية قادرة على توحيد الطاقات في مواجهة الاحتلال ومشاريع الضم والتصفية والتمثيل البديل.

إن حجم المأساة التي عاشها شعبنا، والدماء التي سالت، والبيوت التي دمرت، يجب ألا تكون مجرد فصل مؤلم في التاريخ، بل لحظة مراجعة وطنية شاملة تعيد ترتيب الأولويات، وتضع الإنسان الفلسطيني ومستقبل قضيته فوق حسابات السلطة والنفوذ.

فإذا لم تتحول هذه الكارثة إلى بداية إصلاح وطني حقيقي، فإن ما دفعه شعبنا من أثمان باهظة لن يكون نهاية المأساة، بل قد يكون مقدمة لأزمات أكثر خطورة.

إن الانتخابات ليست مراسيم رئاسية، ولا آلية لتجديد الوجوه أو توزيع المقاعد، بل امتحان حقيقي لإرادة الشعب في إعادة بناء نظامه السياسي على أسس الشراكة والديمقراطية والوحدة الوطنية ..

إن الاختبار الحقيقي لا يبدأ يوم الاقتراع، بل يبدأ قبل ذلك بقدرة القوى الفلسطينية على الاتفاق بأن إرادة الشعب هي المرجعية العليا، وأن نتائج الصندوق ليست محل تفاوض أو انتقاء، بل التزام وطني وأخلاقي وسياسي.

 

عندها فقط تصبح الانتخابات خطوة نحو استعادة الشرعية، وتجديد المشروع الوطني، وإعادة الاعتبار للكينونة الفلسطينية.

"أما إذا أُجريت الانتخابات في ظل الانقسام، وغياب الشراكة، واستمرار الإقصاء، فإنها لن تكون سوى محطة جديدة في مسار الأزمة، مهما بدت نتائجها براقة".

ويبقى السؤال الذي سيجيب عنه الواقع لا التصريحات:

هل سيكون صندوق الاقتراع سيد القرار ... أم أن القرار سيكون قد اتُّخذ قبل أن تُفتح الصناديق؟