لقد اعتادت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في مختلف المحطات الوطنية أن تنطلق من قراءة واقعية لموازين القوى، وأن تنحاز إلى ما يخدم المصلحة الوطنية العليا، بعيدا عن المغامرة السياسية أو الشعارات العدمية التي لا تجد طريقها إلى الفعل. ولهذا، لم يكن موقف الجبهة يوما موقفا انتهازيا أو مساوما، كما لم يكن، في المقابل، موقفا عدميا يكتفي بالرفض المجرد دون تقديم بديل.
فقد سعت دائما إلى الجمع بين وضوح الموقف السياسي والمسؤولية الوطنية، مع إدراكها أنها، كغيرها من القوى السياسية، ليست معصومة من الخطأ، لذلك لم تتردد الجبهة الشعبية في مراجعة تجاربها، والاعتراف بما وقع فيها من أخطاء، والعمل على تصويبها واستخلاص الدروس منها، انطلاقا من قناعة راسخة بأن النقد والنقد الذاتي يشكلان أحد أهم عناصر القوة والتجدد في التجربة الثورية، وليس دليلا على الضعف أو التراجع.
وربما يرى بعض الرفاق أن المشاركة في الانتخابات، في ظل السياسات التي تنتهجها قيادة السلطة، تمثل عبثا سياسيا وعجزا فكريا وتخاذلا وتنازلا أو انها تمنح شرعية لنهج نرفضه ... الخ، وهذا نقد مشروع يستحق النقاش، لكن المطلوب هو التمييز بين رفض السياسات الخاطئة، وبين الانسحاب من ساحات النضال وتركها للقوى الأخرى.
فالجبهة هي من أكثر القوى الفلسطينية انتقادا لسياسات رئيس السلطة، لأنها ترى أن هذه السياسات أسهمت في إضعاف المشروع الوطني وإحداث حالة من التفسخ داخل الساحة الفلسطينية.
ومن أبرز هذه السياسات:
استمرار نهج التنسيق الأمني رغم تصاعد جرائم الاحتلال، وتعطيل الحياة الديمقراطية وتأجيل الانتخابات لسنوات طويلة، والانفراد بالقرار الوطني، وتهميش مؤسسات منظمة التحرير، واستمرار الاعتقالات السياسية والتضييق على الحريات العامة، وفرض الإجراءات العقابية على قطاع غزة، إلى جانب العجز عن بناء استراتيجية وطنية موحدة لمواجهة الاستيطان والضم والعدوان، واستمرار مظاهر الفساد وضعف المساءلة والإدارة الرشيدة.
ويضاف إلى ذلك الأداء الرسمي للسلطة الفلسطينية خلال الحرب على قطاع غزة، والتخاذل في الاضطلاع بمسؤوليتها الوطنية تجاه أبناء القطاع، ففي الوقت الذي كانت فيه غزة تتعرض لحرب مدمرة غير مسبوقة، وما رافقها من قتل وتجويع وتهجير وتدمير واسع للبنية التحتية، لم ترتقِ مواقف السلطة وتحركاتها السياسية والدبلوماسية والإغاثية إلى مستوى حجم الكارثة، ولم تبادر إلى بلورة حالة وطنية جامعة توحد الطاقات والإمكانات في مواجهة العدوان، الأمر الذي عمّق شعور قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني بأن القيادة الرسمية لم تقم بالدور الذي كانت تنتظره الجماهير في واحدة من أخطر المحطات في تاريخ القضية الفلسطينية.
ومع ذلك، فإن رفض هذه السياسات ومحاربتها، لا يقود بالضرورة إلى العدمية المطلقة، ومقاطعة كل استحقاق وطني أو الانكفاء عن الميدان السياسي.
فالجبهة تدرك أن الانتخابات، إذا توفرت شروطها الوطنية والديمقراطية، يمكن أن تشكل إحدى ساحات الاشتباك السياسي مع هذا النهج المدمر، وأن تكون فرصة لتعزيز الحضور الشعبي للقوى الوطنية والديمقراطية، والدفاع عن برنامج وطني بديل.
إن المواقف الثورية لا تُقاس بحدة الشعارات التي ينادي بها البعض، بل بقدرتها على خدمة القضية الوطنية وتغيير موازين القوى، أما الاكتفاء بالمواقف القصوى التي ترفض كل شيء دون تقديم بديل عملي، فإنه قد يعزل الجبهة عن جماهيرها، ويترك الساحة السياسية لمن تختلف معهم، وهو ما لا يخدم مشروع التغيير ولا القضية الفلسطينية.

