Menu

ترامب في المأزق… كل الطرق تقود إلى أزمة أكبر

عمر فارس

بوابة الهدف

 

دونالد ترامب يحب أن يقدم نفسه باعتباره الزعيم الذي لا يتراجع، والرجل الذي يستطيع فرض إرادته على خصوم الولايات المتحدة بقوة القرار والضغط السياسي والعسكري. لكن عندما يتعلق الأمر بإيران، فإن الواقع يبدو أكثر تعقيدًا بكثير من الشعارات والخطابات. فواشنطن تجد نفسها اليوم أمام معادلة صعبة لا تحمل انتصارًا واضحًا؛ فالتصعيد يحمل مخاطر هائلة، والتفاوض يتطلب تقديم تنازلات سياسية قد تكون مؤلمة.

منذ سنوات تعتمد الولايات المتحدة على سياسة تقوم على العقوبات الاقتصادية، والعزل السياسي، والتهديد المستمر باستخدام القوة. وكان الهدف المعلن هو إجبار إيران على تغيير سلوكها الإقليمي، والحد من برنامجها النووي والصاروخي، وإضعاف نفوذها في المنطقة. لكن النتائج لم تكن كما توقعت دوائر صنع القرار في واشنطن. فرغم الضغوط القاسية، بقيت إيران دولة مؤثرة، ونجحت في بناء شبكة واسعة من العلاقات والتحالفات، كما استطاعت التكيف مع العقوبات المفروضة عليها.

المشكلة الأساسية التي تواجهها الولايات المتحدة هي أنها تعاملت مع إيران وكأنها دولة يمكن إخضاعها بسهولة عبر الضغط العسكري والاقتصادي. لكن إيران ليست دولة عادية في الحسابات الجيوسياسية. إنها دولة ذات تاريخ طويل، وهوية وطنية قوية، وموقع استراتيجي حساس. والتجارب السابقة أثبتت أن الشعوب والدول التي تشعر بأنها مستهدفة من الخارج غالبًا ما تزيد من تماسكها الداخلي بدل أن تنهار بسرعة.

القوة العسكرية قد تكون قادرة على تدمير منشآت أو إلحاق أضرار بالبنية التحتية، لكنها لا تستطيع وحدها تغيير الواقع السياسي أو فرض نظام جديد بسهولة. وهذه هي النقطة التي أثبتتها تجارب عديدة في العقود الماضية، حيث اكتشفت القوى الكبرى أن الانتصار العسكري لا يعني دائمًا تحقيق الأهداف السياسية.

إذا اختارت واشنطن طريق التصعيد العسكري مع إيران، فإن الخطر لن يبقى محصورًا داخل حدود البلدين. أي مواجهة واسعة قد تشعل منطقة الشرق الأوسط بأكملها، وتهدد أمن الخليج، وتؤثر على طرق التجارة العالمية، وترفع أسعار الطاقة إلى مستويات ستكون لها آثار مباشرة على الاقتصاد العالمي. عندها لن يكون الثمن سياسيًا فقط، بل سيدفع المواطنون في مختلف أنحاء العالم جزءًا من تكلفة هذا الصراع من خلال ارتفاع الأسعار وزيادة عدم الاستقرار.

وفي المقابل، فإن العودة إلى طريق المفاوضات ليست قرارًا سهلًا بالنسبة للإدارة الأمريكية. فبعد سنوات من الخطاب المتشدد والوعود بإجبار إيران على التراجع، فإن الجلوس إلى طاولة الحوار قد يُفسر من قبل الخصوم السياسيين على أنه تراجع أو اعتراف بفشل سياسة الضغط الأقصى.

لكن أخطر ما يمكن أن يحدث هو استمرار سياسة الانتظار والمراوحة بين التهديد والتفاوض دون رؤية واضحة. فالتاريخ مليء بالأمثلة التي اندلعت فيها الحروب بسبب سلسلة من الأخطاء وسوء الحسابات، وليس بالضرورة بسبب قرار مسبق من جميع الأطراف بالدخول في مواجهة شاملة. حادث واحد، أو رد فعل غير محسوب، يمكن أن يؤدي إلى دائرة من التصعيد يصعب إيقافها.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: من سينتصر في هذه المواجهة؟ بل السؤال الأهم هو: هل يستطيع العالم تجنب حرب جديدة ستكون نتائجها كارثية على الجميع؟

ترامب أمام اختبار سياسي وتاريخي صعب. فالحرب مع إيران قد تكون مغامرة عالية المخاطر لا تضمن تحقيق الأهداف، بينما السلام أو الاتفاق قد يحتاج إلى شجاعة سياسية للاعتراف بأن القوة وحدها لا تكفي لحل الأزمات الدولية.

القوة الحقيقية ليست دائمًا في إطلاق التهديدات أو استخدام السلاح، بل في القدرة على اتخاذ القرار الذي يمنع الكارثة قبل وقوعها. فالعالم لا يحتاج إلى حرب جديدة، بل يحتاج إلى قيادة تدرك أن انتصار العقل والدبلوماسية قد يكون أحيانًا أكبر من أي انتصار عسكري.

وفي النهاية، فإن السؤال الذي سيحكم المرحلة القادمة ليس: هل تستطيع الولايات المتحدة ضرب إيران؟ بل: هل تستطيع منع اندلاع حريق قد لا يستطيع أحد إطفاءه بعد ذلك؟