Menu

حلف الناتو بين الانكفاء الأوربي ..والتوحش الأمريكي !..

محمد صوان

نشر في مجلة الهدف العدد (54) (1559)

وسط حالة من التباين والتنازع بين شطري الأطلسي انعقدت قمة الناتو الأخيرة على مدار يومين في العاصمة التركية أنقرة إذ أن أوربا تريد الناتو بمهمة إقليمية – أوربية بينما تريدها الولايات المتحدة بمهمة عالمية , وهو ما اتضح عبر الرفض الأوروبي للمشاركة في حصار مضيق هرمز !..

ثمة بعد آخر في التنازع بين شطري الأطلسي وهو الأعباء المالية في موازنة الحلف , وهي مشكلة أثيرت قبل تولي دونالد ترامب رئاسة البيت الأبيض , فالولايات المتحدة ترى أنها تتحمل العبء الأكبر في نفقات حلف الناتو , بينما تستفيد أوربا من المظلة الأمنية التي توفرها واشنطن لحلفائها دون إسهام متكافئ معها , وهو ما يراه المحللون الأمريكيون تطبيقاً أمنياً لنظرية "تبادل السلع العامة " , إذ أن الأمن الجماعي يمثل سلعة عامة متاحة للجميع !..

وعليه .. تبرز هنا إشكالية التداخل بين سياسات الناتو وسياسات التوجهات الدفاعية الأوروبية , كذلك حدود العلاقة بين الطرفين .. بل قد تكون هذه السياسات متباينة من حيث الأولويات , كما ظهر في الموقف الأمريكي من الحرب الروسية –الأوكرانية , والموقف الأوربي من إغلاق مضيق هرمز خاصة والعدوان الصهيوأمريكي على إيران عامة , وهو ما اتضح جلياً في الرفض الأوربي مشاركة حلف الناتو في العمليات الصهيوأمريكية الحربية ضد إيران , والذي رد عليه الرئيس الأمريكي ترامب " بالتهديد بالانسحاب من حلف الناتو " , و هو ما ينسجم ويتناغم مع امتناع وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث عن تأكيد استمرار الالتزام الأمريكي بـ " الأمن الجماعي " الذي يقوم عليه حلف الناتو في استراتيجيته التقليدية , داعياً إلى نظرية جديدة لمواجهة " الإرهاب الإسلامي عبر رؤية دينية صليبية واضحة " , مشدداً على ضرورة التضييق على تركيا واليسار الأوروبي , وإعادة النظر في ميدان عمل حلف الناتو و في توزيع الأعباء التي يضطلع بها !..

إن موقف الإدارة الأمريكية الحالية وعلى رأسها دونالد ترامب الذي يهدد بالانسحاب من حلف الناتو يطرح سؤالاً استراتيجياً و هو : هل مازال حلف الناتو في ظل التحولات الدولية الكبرى وعقب انهيار الاتحاد السوفييتي و صعود الصين الشعبية و تنامي القوى الإقليمية الآسيوية خارج النطاق الأوروبي .. أولوية أمريكية ؟!..

هنا تتجلى النظرة الأوروبية ذات المضمون الإقليمي لمواجهة النظرة الأمريكية الساعية لـ "عولمة الناتو " !..

• خيارات و مآلات مستقبل الناتو :-

  1. ديمومة الحلف مع إمكانية الشراكة المتوازنة :-

و يملي ذلك موافقة الدول الأوربية على زيادة إنفاقها العسكري .. وقد شرعت بعض الدول بتطبيقه على أساس الوصول إلى " 5% " من إجمالي الناتج المحلي للدولة المعنية حتى عام 2035 , بحيث يكون لأوربا دور أكبر بتحديد استراتيجيات الناتو , و هو ما عبّرت عنه أدبيات الحلف ذاتها , مع العلم أن الانسحاب الأمريكي من الحلف يقتضي موافقة الكونغرس أو ثلثي مجلس الشيوخ , وهو أمر ليس متاحاً تحقيقه في الوقت الحالي !..

  1. تشديد السيطرة الأمريكية :-

يتجلى هذا عبر استمرار الضغط الأمريكي على أوربا , واشتراط الحماية الأمريكية بزيادة النفقات الأوروبية , مع تقليص حجم الالتزامات الأمريكية التي تصل حالياً إلى نحو " 60%" من الإنفاق الدفاعي للحلف , و هو ما قد يحوّله تدريجياً " من حلف إلى اتفاقية دفاعية " خصوصاً بعد اعتراض بعض الدول الأوروبية على استخدام مجالها الجوي من قبل الطيران العسكري الأمريكي , أو الموافقة على استخدام قواعد الدول الأوروبية العسكرية للأغراض الحربية الأمريكية ضد إيران .. وتتضح الغطرسة الأمريكية في سلوك الرئيس الأمريكي ترامب الذي لم يستشر الطرف الأوربي في عدوانه على إيران , ناهيك عن أن المادة الخامسة من ميثاق الحلف تشترط للمساعدة بأن تكون الولايات المتحدة أو أي طرف من أطراف الحلف قد تعرض لهجوم عسكري , وهو ما لم يحصل في الحالة مع إيران !..

  1. الانفصال الأوروبي التدريجي :-

ربما يندفع بعض الأوروبيين نحو بناء جيش أوروبي و مؤسسات أوروبية موازية لمؤسسات حلف الناتو , جنباً إلى جنب مع مواصلة التهديد بالانسحاب من الحلف , لكن يبقى هذا الخيار ضعيفاً !..

• مشروع الناتو العربي :

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن مشروع الناتو العربي في إطار خيار عولمة الناتو , و هنا يمكن افتراض أن الناتو العربي سيكون " امتداد وظيفي " لا كتحالف مستقل بين الدول العربية والولايات المتحدة , و هو ما يعني نتائج محددة مثل : توسيع الناتو الأم من دون عضوية كاملة فيه , وذلك عبر ترابط الشبكات الأمنية – وفق وجهة النظر الأمريكية – ومن تجليات ذلك ظهور ما سمي بـ " الحوار المتوسطي " أو " مبادرة اسطنبول للتعاون " والهدف من ذلك هو تخفيف الانشغال الأوروبي في الشرق الأوسط وتحميل أعباء البعد الأمني للأطراف المحلية مع مساندة من حلف الناتو , أو محاولة تعميم " تجربة هلسنكي في الشرق الأوسط " , وهي النموذج الذي استغلّته القوى الغربية بعد مؤتمر هلسنكي مع المنظومة الاشتراكية عام 1975 – للتعاون الثقافي و حقوق الإنسان – للتسلل لبنية الكتلة الشرقية وتفكيكها , وهو ما وجدت فيه بعض مراكز الأبحاث الغربية نموذجاً قابلاً للتحقيق في الشرق الأوسط , لكن المختلف هنا أن القوى الليبرالية في الكتلة الشرقية تمكنت من ملء الفراغ .. بينما لا تتوافر قوى مسموح لها ملء الفراغ في الشرق الأوسط , نظراً لأن القوى البديلة لها موقف عدائي من " إسرائيل " تحديداً , و هو ما دفع بعض المؤسسات البحثية الغربية لأفضلية تشجيع تيارات " الإسلام المعتدل " تحت عنوان " شركاء لتعزيز الإسلام الديمقراطي "!..

إن تورط بعض الأطراف العربية في العدوان الصهيوأمريكي على إيران يقع ضمن نظريات العلاقات الدولية الخاصة بالأحلاف العسكرية , سواء نظرية " التحالفات المرنة " الخاصة بتحوّل الأحلاف إلى شبكات متعددة المستويات , أم نظرية " الأمن المعولم " أي التحالفات العابرة للإقليم , أو نظرية " تقاسم الأعباء " بدلاً من تحميل الطرف الغربي كامل الأعباء !..

• لماذا الناتو العربي الآن ؟!:

من المهم عندما تنخرط دولة ما في تحالف معين , أن تحدد جهة اتخاذ القرار في تلك الدولة .. ما هي مصادر التهديد الأمني ذات الأولوية لها والبحث عن الأطر والمؤسسات الدولية المعنية بتلك المصادر , والبحث عن كيفية توظيف هذه الأطر الدولية لدرء مخاطر التهديد , لكن للأسف فإن بعض الأطراف العربية تشارك مع مصادر التهديد الكبرى لها فـ " إسرائيل " مثلاً كمصدر تهديد استراتيجي للبلاد العربية برمّتها تتشارك مع دول عربية وازنة في علاقات مع حلف الناتو الأكثر حفاظاً على " الأمن الإسرائيلي " ..ناهيك عن القواعد العسكرية الأمريكية في بلدان الخليج العربي تحت غطاء التعاون !..

من الجلي أن التحالفات العربية هي في الغالب تحالفات هدفها المركزي أمن السلطة , حيث تتباين الدول العربية في ترتيب الأولويات , فبعضها يضع أمن المجتمع بعد أمن السلطة , بينما البعض الآخر يجعل أمن الدولة والمجتمع تالياً بعد أمن السلطة .. و هنا يمكن القول أن التحالفات العربية تضحي بأمن المجتمع والدولة لصالح أمن السلطة , وهو الحال المفضل بالنسبة للدول الغربية و " إسرائيل " وغيرهما !..

القراءة المتفحصة للنزاع داخل حلف الناتو بين أوربا والولايات المتحدة تشير إلى غياب المظلة الأمنية الدولية لأمن النظام الرسمي العربي - بشكل مباشر أو غير مباشر- و إلى تنامي سباق التسلح في المنطقة بكيفية أكثر حدّة مما هي عليه اليوم , إذ أن غياب الغطاء الأمني المباشر لحلف الناتو سيعزز نزعة الحماية الذاتية , وهو ما يؤجج سباق التسلّح .. و ربما يثير تفكك الحلف أم تحلله التدريجي هواجس أمنية أعمق لدى " إسرائيل " خاصة إذا توافق ذلك مع تزايد الانصراف الأمريكي عن الشرق الأوسط باتجاه فضاءات جيوسياسية جاذبة له أكثر , مثل الشرق الآسيوي أو العودة الأمريكية – بعد ولاية ترامب – للانخراط أكثر في الصراع الروسي – الأوكراني !..

خلاصة القول :

يمكن اعتبار التوجه الرئيسي الذي قدمه دونالد ترامب في خطابه أمام مجلس الناتو في أنقرة أوائل تموز 2026 مؤشراً على المنظور الأمريكي للوظيفة الجديدة لحلف الناتو فقد جاء في الخطاب قوله :" لا تزال مهمة الناتو الدفاع عن أوروبا و أمريكا الشمالية , لكن واشنطن تعتقد أننا لن نتمكن من أداء ذلك بالمكوث في أوربا أو أمريكا الشمالية , لابد أن نوجّه اهتمامنا وقواتنا شرقاً و جنوباً .. فمستقبل الناتو في الشرق والجنوب , إنه في الشرق الأوسط الكبير " ولعل ذلك يفسر نقل " إسرائيل " تبعيتها للقيادة المركزية الأمريكية , بدلاً من تبعيتها للقيادة الأوروبية - وهو ما يعزز توجّه الرئيس ترامب - لكن ذلك يكشف نزاعاً جلياً بين ضفّتي الأطلسي إذ أن أوربا تريد حلف الناتو لمهمة إقليمية بينما تريدها الولايات المتحدة بمهمة عالمية , وهو ما اتضح مؤخراً في عزوف أوربا عن المشاركة في حصار مضيق هرمز !.. وبالتالي تجديد الدعوة لحل " الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي " على قاعدة " حل الدولتين لشعبين "!..