بادئ ذي بدء، لا بد من التأكيد على عمق العلاقات التاريخية بين سلطنة عُمان والولايات المتحدة الأمريكية، فقد تعززت هذه العلاقات بصورة ملحوظة منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي، في ظل مجموعة من التحولات الدولية والإقليمية، من أبرزها الانسحاب البريطاني من شرق السويس ، وتنامي دور الحركات الوطنية، وتصاعد التحديات الأمنية والسياسية . وفي سياق هذه المتغيرات، و تراجع قدرة بريطانيا على مواجهة تلك التحديات منفردة، دفع ذلك الولايات المتحدة إلى توسيع حضورها السياسي والعسكري في الخليج العربي لمواجهة ما كان يُطلق عليه آنذاك–الخطر الشيوعي – في إشارة إلى الحركات الثورية. على أرضية هذا التوجه الاستراتيجي ، توطدت العلاقة العمانية–الأمريكية كأحد أبرز الشركاء الإقليميين للولايات المتحدة، وتجسدت هذه الشراكة في عدد من الاتفاقيات العسكرية والاقتصادية التي وفرت للولايات المتحدة تسهيلات لوجستية يمكن الاستفادة منها عند الحاجة. وفي الوقت ذاته، حرصت السلطنة على الحفاظ على علاقاتها التاريخية مع إيران، عقب سقوط نظام الشاه عام 1979، وقيام الجمهورية الاسلامية ، بما مكّن الطرفين من تطوير مستوى من التواصل والتعاون دون أن يكون ذلك على حساب علاقات السلطنة مع شركائها الإقليميين وموقعها في خارطة التحالفات الدولية. ويعد ذلك أحد المرتكزات الأساسية للسياسة الخارجية العُمانية ، وقد أسهم هذا النهج في ترسيخ مكانتها وسيطًا موثوقًا في عدد من القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها الملف النووي الإيراني. حيث استضافت مسقط لقاءات سرية وأخرى معلنة بين مسؤولين أمريكيين وإيرانيين، وأسهمت في تهيئة المناخ السياسي الذي مهّد للتوصل إلى الاتفاق النووي عام 2015، وواصلت أداء دورها في جولات التفاوض اللاحقة. ويستند هذا الدور إلى الثقة التي تحظى بها السلطنة لدى الطرفين. بيد أن موقعها الجغرافي الاستراتيجي المطل على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة والتجارة العالمية، أكسبها إدراكًا عميقًا لحساسية التوازنات الأمنية والاقتصادية في منطقة الخليج، وإيمانًا بأن أمن المضيق يتجاوز المصالح الإقليمية ليغدو قضية ذات أبعاد اقتصادية واستراتيجية عالمية. وانطلاقًا من هذا الإدراك، تنظر سلطنة عُمان، شأنها شأن كثير من القوى الإقليمية والدولية، إلى ضرورة الحفاظ على مضيق هرمز ممرًا مائيًا دوليًا مفتوحًا وآمنًا للملاحة. ولذلك ارتبط دورها الدبلوماسي بالسعي إلى خفض التوتر في الإقليم. إلا أن التطورات الأخيرة أظهرت حجم التحديات التي تواجه هذا الدور، ولا سيما في ظل لجوء الإدارة الأمريكية إلى الخيار العسكري ، الأمر الذي أضعف الجهود العُمانية الرامية إلى تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران. وقد أثار ذلك تساؤلات بشأن حدود فعالية الوساطة العُمانية ومستوى الثقة المتبادلة بين السلطنة والولايات المتحدة، كما عزز الشكوك حول مستقبل هذا الدور، خاصة في ضوء الانتقادات الأمريكية للوساطة العُمانية واتهامها بعدم الحياد. ومع ذلك، يمكن النظر إلى مثل هذه التصريحات في إطار سياسة ابتزاز الحلفاء التي انتهجتها إدارة ترامب، أكثر من كونها تمثل تحولًا استراتيجيًا في طبيعة العلاقات بين البلدين. ومن هنا، لا تبدو التصريحات السياسية الظرفية كافية للتأثير في الأسس الاستراتيجية التي قامت عليها العلاقات العُمانية–الأمريكية طوال العقود الماضية، والتي تستند إلى مصالح متبادلة تتجاوز الخلافات الآنية وترتبط بطبيعة التوازنات الإقليمية والدولية. خصوصًا أن الحرب الراهنة لا يمكن فصلها عن سياق صراع دولي أوسع. ومع انتقال الأزمة مجددًا إلى المسار التفاوضي بين إيران والولايات المتحدة، عاد مضيق هرمز إلى واجهة الاهتمام الدولي بوصفه أحد أهم عناصر معادلات الأمن والطاقة العالميتين. فقد أكدت مسار الأحداث أن المضيق سيظل عنصرًا حاسمًا في حسابات الأمن الإقليمي والدولي، كما أبرزت استمرار التباينات بين الرؤية الإيرانية التي ترى أن موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية يمنحانها دورًا مؤثرًا في إدارة أمن المضيق، وبين موقف الدول الغربية الذي يؤكد أن مضيق هرمز ينبغي أن يبقى ممرًا دوليًا خاضعًا لقواعد القانون الدولي. وفي خضم هذه التباينات، واصلت سلطنة عُمان تبني نهجها القائم على الحوار وخفض التصعيد، انطلاقًا من قناعتها بأن أمن الخليج لا يتحقق عبر المواجهات العسكرية، وإنما من خلال التفاهمات الإقليمية والدولية. وفي هذا الإطار، كثفت مشاوراتها مع إيران ودول مجلس التعاون ، كما دارت مشاورات مع الجانب الأمريكي، وجاء تعاونها مع المملكة المتحدة وفرنسا في مجال أمن الملاحة انعكاسًا لحرصها على المواءمة بين مقتضيات تحالفاتها، ومصالحها، وأمنها الوطني من ناحية، وموقعها الجغرافي، ودورها الدبلوماسي، وإمكاناتها العملية في حماية أمن الممرات البحرية من ناحية أخرى. ورغم تعقيدات المشهد الإقليمي، لا تزال سلطنة عُمان تسعى إلى الحفاظ على مكانتها بوصفها قناة موثوقة للحوار وشريكًا رئيسيًا في دعم الاستقرار الإقليمي، كما تتمسك بموقفها الثابت القائم على اعتبار مضيق هرمز ممرًا مائيًا دوليًا لا ينبغي أن يخضع لتوازنات القوة الإقليمية أو الدولية. وفي المقابل، ترى إيران أن هذه المقاربة تحد من طموحها الساعي إلى توسيع نطاق نفوذها في إدارة المضيق، استنادًا إلى تفسيرها لبعض التفاهمات مع الولايات المتحدة، وهو تفسير لا تتبناه أغلب دول العالم، ومنها دول مجلس التعاون، التي تنظر بحذر شديد إلى أي ترتيبات قد تمنح إيران قدرة أكبر على التأثير في حركة الملاحة أو استخدام المضيق كورقة ضغط. وبما أن التطورات الأخيرة لم تُحدث إلى الآن تحولًا جذريًا في موازين القوى يسمح بفرض واقع سياسي أو قانوني جديد، فان استمرار خضوع الملاحة فيه للنظام القانوني الدولي القائم هو الاحتمال الأكثر ترجيحًا خلال المستقبل المنظور.

