Menu

غسان و إعادة بناء الذات الفلسطينية في زمن الإبادة

د. وائل الزريعي

نشر في مجلة الهدف العدد (85) (1559)

في الذكرى السنوية لاستشهاد المناضل والمثقف العضوي غسان كنفاني، و في زمن الإبادة في غزة، و الاستيطان في الضفة الغربية، و محو الهوية في القدس ، و التهجير في النقب، تتكشف لنا خريطة طريق رسم غسان خطوطها من خلال كتاباته، متتبعاً مسار الذات الفلسطينية منذ النكبة إلى لحظة التحرر المنشود. القارئ المدقق لأدب غسان سيجد أنه لم يقدم حلولاً جاهزة، أو وصفات أيديولوجية جامدة لاستعادة الفردوس المسلوب، لكنه غاص في أعماق الذات الفلسطينية ليعيد تركيب عناصرها من جديد، مستخرجاً من قلب الهزيمة أدوات الانتصار. فغسان لم ينظر إلى المشروع الوطني الفلسطيني كبرنامج سياسي ضيق، ولكن كنهضة وطنية شاملة، هذه النهضة عنوانها الوعي بان تكون فلسطينياً في زمن الإبادة، ونحن نقرأ «رجال في الشمس»، و«ما تبقى لكم»، و«عائد إلى حيفا» نجد أنفسنا أمام ثلاث محطات تأسيسية في بناء الوعي الجمعي، كل محطة منها تشكل مرتكزاً لإعادة بناء الذات الفلسطينية، القادرة على قيادة المشروع التحرري .

في زمن الإبادة ، النجاة ليست فردية:

في «رجال في الشمس» يضعنا غسان أمام حقيقة الخزان، فهذا الخزان ليس مجرد صهريج ماء عبر به ثلاثة لاجئين الصحراء كمحاولة لصناعة واقع جديد، و الهروب من واقع مرير، لكنه فضاء متعدد الأبعاد يحاول الجميع أن يحاصر الفلسطيني فيه، من احتلال و أنظمة عربية و نظام عالمي متواطئ. خزان يتجسد في استفراد الاحتلال بقطاع غزة، الذي تحول إلى مقبرة جماعية، إلى مستوطنات و قوانين عنصرية و سيطرة على الأراضي في الضفة الغربية، و مخيمات بائسة في لبنان و سوريا و الأردن، و في شتات بدون مشروع سياسي جامع يربط أبناء الأرض بقضيتهم. فحصار و تجاهل عربي للقضية المركزية.

هذا الخزان ليس سوى تعبير عن فضاء جيوسياسي مصغر صنعه الاحتلال، و من تآمر على الشعب الفلسطيني. فضاء عنوانه الانغلاق التام، والاختناق و غياب الأفق السياسي للحل. ظلمات بعضها فوق بعض، فضاء رسالته انج بجلدك، فالنجاة فردية، لكن النجاة الفردية لا تحمل في طياتها سوى الموت و النسيان. أبو قيس، أسعد ومروان لم يموتوا لأنهم اختاروا النجاة الفردية، لكن لأنهم قبلوا بمنطق الخزان ، فكان مصيرهم ان يلقوا كجثث في مكب نفايات على الحدود الكويت ية بعيداً عن فلسطين.

كتب غسان «رجال في الشمس»، بعد 15 عام من النكبة، في فترة كانت تتصف بصدمة الفقدان و التشرد، و في غياب كيان سياسي معبر عن الوجود الفلسطيني المستقل، كان الفلسطيني حينها لاجئاً، مجرد رقم في ملفات وكالة الغوث، تتاجر به الأنظمة العربية.

لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟، هو في الحقيقة سؤال غسان للشعب الفلسطيني لماذا لا ترفضوا جغرافيا الموت التي يحاول الجميع أن يضعكم فيها، لماذا لا ترفضوا الإبادة البطيئة؟. كلمات تحذرنا من الصمت، لأن النتيجة هي الموت، فالمشكلة كما شخصها غسان ليست فقط في الاحتلال ، و لكن في غياب الفعل و في الصمت الذي يمارسه الفلسطيني على نفسه.

حامد لن يهرب مجددا

كتب غسان «ما تبقى لكم» قبل النكسة ، في مرحلة تشكل العمل الفدائي، و إدراك الفلسطيني أن الصمت ليس ممكناً، وأن الفلسطيني عليه أن يصنع مصيره بيده. فمن مواجهة الموت و النسيان داخل الخزان، يحملنا غسان عبر روايته ما تبقى لكم، إلى سيكولوجية الفعل، فحامد بطل الرواية لن يهرب مجدداً لكن سيواجه عدوه ، ليبشر بولادة الفدائي، الذي لن ينتظر الجيوش العربية لتعيد له أرضه، فسكينه عنوان وجوده و كرامته، وهي شهادة ميلاده كفدائي. حامد يعبر من الشتات إلى الوطن ليرسل رسالته بأنه لم يتبقى لنا شيء إما أن نواجه قدرنا أو يطوينا النسيان، فعودة حامد هي لحظة واعية بالذات الفلسطينية. حامد هو استشراف غسان لطوفان الأقصى، فكما عبر حامد الى ارضه، عبر ثلة من أبناء فلسطين الذين لم يشهدوا النكبة الحدود المصطنعة التي رسمها الاحتلال، ليدقوا جدران الخزان، و يفرضوا معادلة جديدة تتجاوز المنطق الجيوسياسي و جغرافيا الخزان التي يحاول الجميع فرضها على الفلسطيني، فالسابع من أكتوبر هو فعل جيوسياسي لإعادة تشكيل العلاقة بين الفلسطيني و أرضه و إيذاناً بميلاد فدائي جديد.

بناء الذات الفلسطينية هو مرتكز المشروع الوطني

كتب غسان «عائد إلى حيفا» بعد النكسة، وسيطرة الاحتلال على ما تبقى من فلسطين التاريخية، وعلى أراضي دول عربية محيطة.

في «عائد إلى حيفا» لا نتجرع فقط مع سعيد و صفية مرارة فقدان الأرض و الابن، و لكن نصدم بالحقيقة الأكثر ايلاما بتحول خلدون إلى دوف الضابط الإسرائيلي. هنا غسان ينبهنا إلى أن الاحتلال لا يكتفي بالسيطرة المكانية، بل يمارس استحواذاً ممنهجاً على الذات و الذاكرة و الهوية الفلسطينية ذاتها. فالاحتلال ليس مجرد قوة عسكرية على الأرض ، بل مشروع لطمس الذاكرة وإبادة الفلسطيني إنسانياً، وثقافياً، وحضارياً، ومصنع لإعادة إنتاج الهوية. فالمشروع الوطني الذي يتجاهل هذه الحقيقة محكوم عليه بالفشل.

بقراءة الروايات الثلاث كوحدة متكاملة يضع غسان أهم مرتكزات المشروع الوطني الفلسطيني التحرري:

 

المرتكز الأول: رفض منطق الموت الصامت، الذي قد ينتجه غياب رؤية وطنية جامعة للمواجهة مع العدو الصهيوني، و الاستسلام لمنطق النجاة الفردية.

المرتكز الثاني: الفعل المقاوم، هو القاطرة و طوق النجاة، فالفعل المقاوم بكافه اشكاله، هو الأداة الوحيدة القادرة على تحويل الفلسطيني من رقم في سجلات وكالة الغوث، او حالة تعاطف، إلى فاعل في الجغرافيا و التاريخ.

المرتكز الثالث: استعادة الأرض لا تكون إلا باستعادة الوعي بالذات الفلسطينية، فتحرير فلسطين هو مشروع تحرري إنساني، لذلك لا بد من تحرير الإنسان الفلسطيني من حالة اليأس، والسلبية، والتشرذم. في النهاية ندرك ان غسان لم يكتب عن الذات الفلسطينية، و جدلية الانسان و الأرض كقصة عن الشعب الفلسطيني، لكن كمشروع مستمر للمواجهة و المقاومة، مادام الاحتلال موجوداً على الارض ، فالهوية التي لا تقبل الإبادة ، و التي بشر بها في كتاباته ، هي التي ترفض أن تختزل في صورة الضحية، أو تكون جثة في خزان ، بل تدق جدران الخزان لتجبر العالم على سماع صوتها.

في زمن الإبادة نقرأ لغسان «رجال في الشمس»، و«ما تبقى لكم»، و«عائد إلى حيفا» لكي نسترشد ببوصلة الكلمة، في زمن ضبابية الرؤى و المفاهيم. فالمعركة في زمن الإبادة هي الوعي بالذات والوعي بطبيعة المواجهة مع المشروع الصهيوني، في معركة ميدانها الأرض والأنسان.