Menu

قبل أن ننتخب .. يجب أن نحاسب

حيدر العيلة

 

هناك فرق بين الأمم التي تتقدم، وتلك التي تدور في الحلقة نفسها، ليس فقط في حجم ما تملك من موارد أو في مستوى ما وصلت إليه من تطور مادي، إنما في قدرتها على مراجعة نفسها، وتقييم تجاربها، والاعتراف بأخطائها، ومحاسبة من يتحمل مسؤوليتها.

الأمم التي تتعلم من أخطائها تتقدم، أما التي تخشى مراجعة الماضي، أو تحاول تبرئة المسؤولين عن الفشل، فإنها لا تفعل شيئًا سوى إعادة إنتاج الأخطاء نفسها، وإن غيّرت أسماءها وشعاراتها.

ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق الانتخابات التشريعية المقبلة ليس فقط: من سننتخب؟ إنما سؤال أكثر أهمية: ماذا فعل الذين حكموا وقرروا وقادوا؟ ومن يتحمل مسؤولية ما جرى؟

نحن أمام انتخابات تأتي في ظرف استثنائي، بينما لم تضع الحرب أوزارها بعد، وبعد أن دفع شعبنا ثمنًا هائلًا من الدم والدمار والنزوح والفقدان، آلاف الشهداء، وعشرات الآلاف من الجرحى، وبيوت ومؤسسات وأحياء كاملة دُمّرت، ومجتمع أنهكته الحرب وأثقلته نتائجها.

وفي الضفة الغربية المحتلة، يتواصل القضم التدريجي للأرض، وتتسع اعتداءات عصابات المستوطنين على المواطنين وممتلكاتهم، فيما تُضيَّق سبل الحركة على المدن والبلدات، وتُفرض الحواجز والإغلاقات، وتتواصل عمليات الاقتحام والتجريف التي طالت مخيمات اللاجئين، في محاولة لخنق الحياة الفلسطينية ودفع الناس إلى مزيد من المعاناة والهجرة.

ألا تستحق كل هذه التضحيات وقفة وطنية جادة ومسؤولة قبل أن نذهب لصناديق الاقتراع؟

ألا يستحق هذا الشعب أن يعرف ماذا حدث، ولماذا حدث، ومن اتخذ القرارات السياسية أو العسكرية، ومن أصاب، ومن أخطأ، ومن يتحمل المسؤولية السياسية والوطنية عن النتائج التي وصلنا إليها؟

الانتخابات ليست ممحاة للذاكرة. وليست مناسبة لإعادة تقديم الأشخاص أنفسهم وكأن شيئًا لم يحدث. وكذلك ليست جائزة تُمنح تلقائيًّا لمن امتلك النفوذ أو المال أو الإعلام أو القدرة على استمالة العشائرية.

إن أول ما يجب أن يقدمه كل من يتقدم للانتخابات هو كشف حساب أمام الشعب.

ماذا أنجز؟ أين أصاب؟ أين أخطأ؟

ما القرارات التي اتخذها وكانت نتائجها إيجابية؟ وما القرارات التي قادت إلى نتائج كارثية؟ وهل يعترف بأخطائه؟ وهل يملك الشجاعة ليقول للشعب: أخطأنا هنا، وكان ينبغي أن نفعل كذا؟

هذه ليست أسئلة انتقامية، ولا محاولة لتصفية الحسابات السياسية، إنما هي أبسط قواعد المسؤولية في أي مجتمع يحترم نفسه، فالسياسة ليست حصانة من المساءلة، والقيادة ليست امتيازًا دائمًا، والسلطة ليست ملكية شخصية. ومن تولى مسؤولية عامة يجب أن يخضع للتقييم والمحاسبة، فمن أحسن وأصاب يستحق التقدير، ومن أخطأ يجب أن يتحمل مسؤولية خطئه، ومن تسبب في أضرار جسيمة لشعبه لا يجوز أن يعود إلى المشهد السياسي وكأن شيئًا لم يكن، لمجرد أنه يمتلك حزبًا أو أنصارًا أو خطابًا مؤثرًا.

الأخطر من الخطأ نفسه هو تحويل الخطأ إلى بطولة، والفشل إلى إنجاز، والمسؤولية إلى تهمة يوجهها كل طرف إلى الآخر.

نحن بحاجة إلى ثقافة سياسية جديدة تقول بوضوح: لا أحد فوق المساءلة، ولا أحد يملك صك البراءة لمجرد أنه ينتمي إلى هذا الفصيل أو ذاك، أو لأنه يرفع هذا الشعار أو ذاك.

وإذا كانت الانتخابات هي الطريق إلى تجديد الشرعيات، فإن المراجعة والمساءلة يجب أن تكونا جزءًا من هذا التجديد.

نريد مرشحين يتحدثون إلى الناس عن المستقبل، نعم، لكننا نريد منهم أولًا أن يتحدثوا بصراحة عن الماضي.

نريد أن نعرف ماذا فعلوا عندما كانت لديهم القدرة على القرار.

نريد أن نعرف ماذا فعلوا لمنع الكارثة، وماذا فعلوا عندما وقعت، وماذا تعلموا منها، وماذا قدموا لشعبنا. والأهم: ماذا سيفعلون حتى لا تتكرر؟

إن شعبًا دفع كل هذا الثمن لا يجوز أن يُطلب منه أن ينسى بمجرد أن تبدأ الحملات الانتخابية.

لا يجوز أن تتحول دماء الشهداء إلى خلفية للصور الانتخابية، ولا أن يتحول وجع الجرحى والنازحين إلى شعارات انتخابية، ولا أن يصبح الدمار مادة للمزايدة السياسية. الشعب الذي دفع الثمن من حقه أن يسأل. ومن حقه أن يرفض أن يُخدع مرة أخرى بالشعارات، وأن يختار على أساس السجل والموقف والكفاءة والنزاهة والمسؤولية، لا على أساس الولاء الأعمى أو الانتماء الفصائلي.

وهنا تقع مسؤولية المجتمع نفسه. فالديمقراطية ليست فقط أن نضع ورقة في صندوق الاقتراع، لكن أن نمتلك القدرة على التمييز والاختيار والمحاسبة.

ولا تكون الانتخابات ناضجة إذا كان الناخب ينسى كل شيء بمجرد أن تبدأ الدعاية الانتخابية. ولا ينبغي أن يفوز من أضر بشعبنا لأنه يمتلك المال، ولا من يملك ورقة الدين، ولا من يسيطر على الإعلام، ولا من يستند إلى نفوذ أمني أو عشائري، ولا من يستطيع شراء الأصوات أو التأثير في إرادة الناخبين. فالانتخابات الحرة لا تعني فقط الذهاب لصناديق الاقتراع، إنما تعني أيضًا أن تكون إرادة الناخب حرة من الخوف والحاجة والتضليل والابتزاز.

نحن لا نحتاج إلى انتخابات تعيد إنتاج المشهد نفسه، ولا إلى تغيير شكلي للوجوه بينما تبقى العقلية ذاتها.

نحتاج إلى انتخابات تكون فرصة لمراجعة التجربة الوطنية بأكملها، وإعادة بناء الحياة السياسية على أساس جديد: المسؤولية بدل التبرير، والكفاءة بدل الولاء، والمصلحة الوطنية بدل المصالح الفئوية، والمحاسبة بدل الحصانة.

ولذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يرافق الانتخابات المقبلة ليس فقط: من سيفوز؟ بل: هل يستحق أن يكون في موقع المسؤولية؟ ومن هنا تبدأ الديمقراطية الحقيقية. فالأمم لا تتقدم بتمجيد أخطائها، ولا بإخفائها، ولا بإعادة إنتاج أصحابها، إنما تتقدم حين تمتلك شجاعة الاعتراف، ونزاهة التقييم، وعدالة المحاسبة، وحكمة التعلم من التجربة.

لقد دفع شعبنا ثمنًا لا يحتمل مزيدًا من التجارب.

فلننتخب، نعم. لكن قبل أن ننتخب، لنسأل: من المسؤول عن ما أصابنا من كوارث؟

وقبل أن نعطي أصواتنا، لنقرأ سجل كل من يطلبها. فالصوت الانتخابي ليس مكافأة، إنما أمانة.

ومن لا يستطيع تقديم كشف حساب عن ماضيه، كيف نأتمنه على مستقبلنا؟