Menu

تقريربين مأساة الحرب والإفقار: خرّيجو الثانوية العامة بغزة متروكون لمصير مجهول

علاء ناصر دردونه

خاص _ بوابة الهدف الإخبارية - قطاع غزة

لم تشفع معدلات الامتياز، التي حصدها طلبة الثانوية العامة لعام 2026 في قطاع غزة بتحقيق الحلم بدراسة التخصصات المرغوبة، بل كانت نتائج آلة الحرب المُدمرة أشد قسوة، وضعت الطلبة أمام خيارات مُعقدة؛ ما بين عقبات دراسية سوف تمتد لسنوات، وتغيير بوصلة التخصص الجامعي، أو حتى الحرمان من الدراسة الجامعية؛ نظرًا للواقع الغزي المُعاش.

العزيمة رهن الظروف القاهرة

أعلنت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية أعلنت، الجمعة 24 يوليو/تموز 2026، نتائج امتحانات الثانوية العامة، موضحةً أنّ نحو 89 ألف طالب وطالبة التحقوا بها، منهم 37,698 من قطاع غزة، في ظروف استثنائية جعلت من الموسم التعليمي تحديًا غير مسبوق، بينما تشير التقارير إلى أنّ نسبة الطلبة الذين حصدوا معدلات الامتياز في القطاع بلغت ما يقارب 45%.

98.1% حصدها الطالب المتفوق يوسف رضوان (18 عامًا)، في الفرع العلمي، ليكون نموذجًا من طلبة الثانوية العامة، الذين حصدوا معدلات الامتياز، لكن واقع غزة، يجعله خائفًا من عدم تحقيق حلمه بدراسة الطب؛ نظرًا للوضع المادي المتردي الذي يعاني منه أهالي القطاع المنكوب.

يتحدّث يوسف لـ"بوابة الهدف" عن معاناته أثناء دراسته للثانوية العامة، والتي فرضها العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، فقد دمّرت الصواريخ بيته في مخيم جباليا، وهجّرت عائلته المكوّنة من 7 أفراد، لتبدأ رحلة البحث عن مكان شبه آمن، حيث نزحت العائلة إلى مدينة النصيرات بالمحافظة الوسطى، وأقاموا -كما حال معظم سكان القطاع- في خيمة لا تقيهم نيران الحرب  ولا متقلبات الجو، ويستمر مسلسل العذابات في ظل انعدام أدنى مقومات العيش من أمان وماء وطعام وكهرباء.

وبصوت يتهدّج، يتذكر يوسف صعوبات الدراسة الممزوجة بالإصرار على النجاح: "منذ بدء العام الدراسي، كنت أدرس وأتابع مع المدرسين الخصوصيين رغم سوء الحال وصعوبة المواصلات وإرهاق الطريق، والبحث بشكل يومي عن أماكن تتوافر فيها شبكات الانترنت والكهرباء لتحميل الدروس التعليمية والمذاكرة، وهذا ما كلّفني وأهلي مزيداً من الأعباء المادية المتفاقمة".

وعن تداعيات الحرب، يقول يوسف: "شكّل انقطاع الغاز عقبة أساسية في وجه طلبة الثانوية العامة؛ فبسبب ذلك كنت أُضطر لترك الدراسة في ساعات الصباح وأذهب لجمع مستلزمات النار من حطب ونايلون لإشعالها وقوداً للطبخ، فضلاً عن النزوح في ليلة المذاكرة لامتحان مساق الفيزياء بسبب إشارة إخلاء لمبانٍ في جوار خيمتنا من قِبل جيش الاحتلال، ناهيك عن خطورة القصف والاستهدافات المباغتة، وهذا الحال تكرر ثلاث مرات، لكن العزيمة أقوى من أن تُصهرها النيران".

محمد.. القصة السابقة لأخيه

في حديثنا مع يوسف، فاجأنا أخوه محمد بتفوقه في الثانوية العامة قبل أخيه بأعوام، وقد حصد معدّل 91.3% في الفرع العلمي، ويدرس حاليًا اختصاص طب الأسنان في جامعة الأزهر بغزة. من هنا تبدأ حكاية تستحق أن تُروى.

"كانت كابوسًا؛ تلك اللحظات التي كنت أنتشل خلالها كتبي، وأُجبر وعائلتي على النزوح من مخيم جباليا إلى مناطق لا نعرفها في القطاع بحثًا عن الأمان، لقد أصبح مستقبلنا مجهولًا والأمل يتآكل داخلنا"؛ بهذه العبارة بدأ محمد حديثه لـ"البوابة" عن مأساته المريرة خلال دراسته الجامعية أثناء الحرب الممتدة، مستذكرًا اضطراره خلال فترة المجاعة التي ضربت القطاع، إلى ترك الدراسة وتوديع عائلته والذهاب إلى مناطق الخطر والموت؛ حيث يُدخل جيش الاحتلال شاحنات الطعام والتي تُعرف بـ"زيكيم وميراج"، من أجل الحصول على القليل من المواد الغذائية لعائلته.

يتشارك الأخوان رضوان سوء الحال وقلة الحيلة والمستقبل المجهول؛ وتنعكس مضاعفات الحرب بويلاتها على المسيرة التعليمية للشقيقين المبدعين، خصوصًا مع نجاح يوسف، ما يعني تحديًا جديدًا يُضاف إلى تحديات العيش في زمن الاحتلال وحربه الهمجية على كل أشكال الحياة، لكنّهما سيُكملان السير بخطى ثابتة، على أمل أن تنتهي الحرب وتتحرر فلسطين بكامل ترابها ومائها وهوائها ويتابعان المسيرة التعليمية ويحققان الحلم بنيل المطالب.

الحرب أسقطت حلم الأب والبنون

يقف خميس رضوان (والد الشقيقين محمد ويوسف) حائرًا في وسط الحوار، يبحث في قاموسه عن كلام لا يعجز، كما حاله عن تلبية احتياجات بنيه، فلا تسعفه كل مفردات الألم في وصف مشاعر الأب الذي يختزل قصص كل الآباء في غزة الجريحة الذين يكافحون في سبيل الاستمرار وتأمين مستلزمات العيش ومصاريف الدراسة.

يقول رضوان لـ"بوابة الهدف": "منذ بدء الحرب على غزة، انقلبت  الحياة رأسًا على عقب، حتى بتنا لا نقوى على إعالة الأسرة، بل نفتقد اليوم لأبسط مقومات الحياة خصوصًا بعد دمار البيت كليًا ورحلة النزوح القاسية والسكن في خيمة بائسة".

ويضيف رضوان: "أبنائي متميزون في دراستهم، وبعد نجاح ابني الأول محمد في الثانوية العامة والتحاقه بكلية طب الأسنان، عملت بكل طاقتي لتوفير ما يحتاجه في دراسته الجامعية؛ وأثقلت الديون حالي. لكن، اليوم، ومع تفوّق ولدي يوسف يتآكلني الشعور بالتقصير لعدم مقدرتي على تعليمه، فأنا لا أتقاضى راتبًا منتظمًا من عملي ولا أستطيع توفير عمل آخر، وبالكاد أقوى على إطعام عائلتي، فكيف بتدريس أبنائي اختصاصات مكلفة مثل الطب؟".

ويتساءل رضوان بحزن عميق عن ذنب محمد ويوسف بانهيار حلمهما بدراسة الطب، وعن ذنبه هو لعدم مقدرته على تعليمهما وإسنادهما، مناشدًا كل أحرار العالم بالنظر إلى كل طلبة قطاع غزة وإنصافهم بمساعدتهم على تحسين ظروفهم وتقديم المنح الدراسية لهم.

الجامعات في وجه العاصفة

لفهم أوسع لواقع التعليم في زمن الحرب والتحديات المقابلة، يشرح نائب رئيس الجامعة الإسلامية للشؤون الأكاديمية، الدكتور بسام السقّا عن اختصاصات التعليم العالي كالطب والهندسة، التي كانت وما زالت مطلوبة جدًا لدى خرّيجي الثانوية العامة، وما يحدد الالتحاق بها هو معدلات أو مفاتيح التنسيق التي تضعها الجامعات بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم العالي.

نائب رئيس الجامعة الإسلامية للشؤون الأكاديمية، الدكتور بسام السقّا (خاص بوابة الهدف)
نائب رئيس الجامعة الإسلامية للشؤون الأكاديمية، الدكتور بسام السقّا (خاص بوابة الهدف)


يشير السقّا إلى أنّ نسبة الطلاب الحاصلين على معدلات ما فوق الـ90%، بلغت نحو 45% من إجمالي الناجحين لهذا العام، وهو ما يتنافى مع منحنى التوزيع الطبيعي، والذي يؤثر بطبيعة الحال على القدرة الاستيعابية للجامعات، حتى وإن كانت إمكانياتها وقدراتها متوافرة، ويضيف: "كان هناك حالة من عدم الضبط في قدرات المتقدمين للامتحانات؛ كونها أُجريت إلكترونيًا وفي مرحلة حساسة، فكان لزامًا إيجاد معيار لقبول الطلبة، ما نتج عن كل ذلك اعتماد توجّه خاص لدى الكليات الصحية، يقضي بعدم قبول الطلاب تلقائيًا، بل يتوجب على الطالب التقدم لامتحان قدرات تُشرف عليه وزارة التربية والتعليم العالي في رام الله، ويجري الترتيب لعقده حاليًا".

 

وفي ختام حديثه، طالب السقّا -عبر "بوابة الهدف الإخبارية" المؤسسات والجمعيات، بضرورة النظر إلى الأوضاع المادية لطلاب غزة، وأن يُولي الجميع أهمية أكبر للتعليم في القطاع؛ كونه أولوية وقضية مصيرية، ولا توجد البدائل أمام الطلبة؛ إذ لا يستطيعون السفر إلى الخارج، ولا تتوافر منح حكومية في ظل الظروف الراهنة أيضًا، مشددًا على مسألة الدعم المالي "أصرّ على فكرة أنّ دعم التعليم والطالب في هذه المرحلة يُعد أعظم أثر لأنّه الاستثمار الحقيقي في الإنسان وبنائه الفكري ودوره المجتمعي".

بين خسارة الكفاءات وديمومة التعليم

وشدّد السقّا على أنّ ضعف المستوى المادي للطلاب وأهاليهم  يقف عائقًا أمام إكمال دراستهم،  ويُخيب آمالهم وينهي طموحاتهم؛ كما من شأنه التأسيس لخسارة جيل قادم من الكفاءات في قطاع غزة، "بالتأكيد، لدينا أصحاب عقول نابغة وكفاءات عالية من بين المتفوقين، وبالتالي فإنّ توقّف عجلة دراستهم يُنذر بخطورة تعُمّ القطاع خلال السنوات القليلة القادمة"، موضحًا أنّ "هذه المعضلة باتت تحديًا قويًا في وجه الجامعات التي يتوجب عليها تغطية كافة نفقاتها التشغيلية من خلال رسوم الطلبة، وهنا عليها الموازنة بين استمرارية الجامعة وعملها، وتوفير متطلبات إعادة العملية التعليمية إلى سابق عهدها قبل الحرب، ناهيك عن المبالغ المطلوبة لإعادة بناء وترميم مقدّراتها التي دمّرها الاحتلال بهمجية غير مسبوقة".

ختاما، يعكس تفوق طلاب  الثانوية العامة في قطاع غزة لعام 2026، إصرارهم وأهاليهم على مواصلة المسيرة التعليمية، رغم الظروف الاستثنائية التي فرضها العدوان الصهيوني ونتائجه التدميرية الواسعة، التي طالت كل مناحي الحياة، خصوصًا القطاع التعليمي وحالة الشتات وانقطاع الماء والكهرباء، بل إنّهم يُثبتون جدارتهم في الوقوف والقتال على ناصية الحلم.