Menu

تقريرأنفاس معلّقة.. نقص الأكسجين يهدد حياة الأطفال ومرضى غزة

كريمة شهاب

خاص _ بوابة الهدف الإخبارية - قطاع غزة

 تتفاقم أزمة الأكسجين في قطاع غزة بفعل الحرب والحصار الصهيوني المستمرين، وما خلّفاه من دمار واسع طال المستشفيات ومحطات إنتاج الأكسجين والبنية التحتية الصحية، إلى جانب القيود المفروضة على إدخال الوقود وقطع الغيار والمعدات الطبية، وتضع هذه الظروف حياة الأطفال الخدّج ومرضى الجهاز التنفسي والحالات الحرجة أمام خطر متواصل، في وقت تكافح فيه الطواقم الطبية والأسر لتأمين إمدادات الأكسجين اللازمة لاستمرار العلاج. 

في أقسام الحضانات والعناية المركزة، يتوقف استقرار حالات مرضية كثيرة على تدفق الأكسجين بصورة منتظمة، بينما يعيش مرضى آخرون على أُسطوانات لا يملكون رفاهية الاستغناء عنها. وخارج المستشفيات، تواجه الأسر النازحة ظروفًا أشد قسوة، خصوصًا المرضى الذين يحتاجون إلى الأكسجين داخل الخيام، حيث الحرارة المرتفعة ونقص الكهرباء وصعوبة تأمين الأسطوانات تضيف أعباء جديدة إلى معاناتهم اليومية.
 
طفل ينام على موعد مع أسطوانة الأكسجين 

يحتاج مازن خلف إلى الأكسجين بصورة مستمرة، فيما تخوض والدته معركة يومية لتأمين نحو ثلاثة لترات منه كل دقيقة، خشية أن يؤدي أي انقطاع إلى تدهور حالته الصحية، في وقت يعيش فيه داخل خيمة لا توفر الظروف المناسبة لحالته، ولا تحميه من قسوة الطقس، خصوصًا خلال فصل الصيف.

تروي أم مازن لـ”بوابة الهدف” أن الأسرة عاشت ليلة قاسية عندما نفدت أسطوانة الأكسجين التي يعتمد عليها طفلها، فتحولت ساعات الليل إلى سباق مع الوقت، في محاولة لإبقائه قادرًا على التنفس حتى الصباح. 

وتوضح أن الأسرة اضطرت إلى محاولة تهوية طفلها بوسائل بدائية، بينما كانت تراقب حالته بقلق شديد، خشية أن يؤدي انخفاض مستوى الأكسجين إلى فقدانه الوعي أو تدهور حالته بصورة مفاجئة. 

وتشير إلى أن مستوى الأكسجين في جسم مازن سبق أن هبط إلى نحو 70%، وهو انخفاض شكّل خطرًا مباشرًا على حياته، محذرةً من أن استمرار نقص الأكسجين قد يؤدي إلى مضاعفاتٍ خطيرة وربما دخوله في غيبوبة. 

وتصف أم مازن الحياة داخل الخيمة بأنها معاناة مضاعفة لطفل يعاني أصلًا من مشكلات في التنفس، موضحة أن ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف يزيد من صعوبة وضعه، في ظل غياب وسائل التبريد المناسبة، وأن الحرارة داخل الخيمة تصبح شديدة، خصوصًا خلال ساعات النهار، فيما يزيد الهواء الساخن من إرهاق مازن ويجعل تنفسه أكثر صعوبة، بينما لا تملك الأسرة مكانًا آخر يمكن أن يوفر له بيئة أكثر ملاءمة. 

وتلفت إلى أن تشغيل وسائل التبريد أو أي أجهزة كهربائية يحتاج إلى مصدر كهرباء مستقر، وهو أمر غير متوفر بصورة دائمة، ما يجعل الأسرة عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الظروف التي يحتاجها طفل يعتمد على الأكسجين بصورة مستمرة. 

الخوف من نفاد الأسطوانة 

وتؤكد أم مازن أن معاناتها لا تقتصر على تأمين الأكسجين، فحاجة طفلها المستمرة إليه تفرض عليها ضرورة توفير أسطوانة احتياطية، خشية أن تنفد الكمية في وقت لا تتمكن فيه من الحصول على بديل. 

وتتابع: “أنا أشعر بخوفٍ عليه طوال الوقت، حتى حين أكون نائمة أفكر بالأسطوانة: كم بقي فيها؟ وهل ستكفينا لليوم التالي؟ وإذا فرغت، من أين سأحضر غيرها؟”.

‏وتضيف أن الأسرة باتت تعيش على وقع كمية الأكسجين المتبقية في الأسطوانة، فكل دقيقة تمر تعني استهلاك كمية جديدة، وكل انخفاض في مستوى الأكسجين يتحول إلى مصدر خوف من تدهور حالة طفلها. 

أريد فقط أن يتنفس ابني دون خوف 

وتختم أم مازن مناشدتها بتوفير الأكسجين والأدوية والرعاية اللازمة لطفلها، مؤكدة أن مطلبها الأساسي هو أن يحصل على احتياجاته الصحية دون انقطاع، وأن يعيش في مكان يحميه من قسوة الطقس ومضاعفات المرض. 

وتقول: “أنا لا أطلب شيئًا كبيرًا، أريد فقط أن يتنفس ابني دون خوف، وأن تكون أسطوانة الأكسجين موجودة عندما يحتاجها، وأن أجد مكانًا يحميه من الحر والمرض والخوف.” 

أطفال خدّج.. رئات صغيرة تواجه نقص الإمدادات

داخل قسم حديثي الولادة في مجمع الشفاء الطبي، تبدو الأزمة أكثر قسوة، أطفال ولدوا قبل اكتمال نمو أعضائهم، ولا تزال رئات بعضهم عاجزة عن أداء وظيفتها بصورة طبيعية، يعتمدون على الأكسجين وأجهزة التنفس لمواصلة حياتهم. 

ويحتاج بعض الأطفال الخدّج إلى مراقبةٍ دقيقة وإمداداتٍ مستمرة من الأكسجين، فيما قد تتطلب الحالات الأكثر صعوبة استخدام أجهزة التنفس الاصطناعي.

يقول طبيب الأطفال والمسؤول عن قسم حديثي الولادة في مجمع ناصر الطبي، أسعد النواجحة، إن معظم الحالات التي يستقبلها القسم تعود إلى أطفال ولدوا قبل أوانهم، ويحتاجون إلى رعاية مركزة وكميات كافية من الأكسجين، وقد يحتاج بعضهم إلى أجهزة تنفس اصطناعي. 

ويضيف أن أي خلل في إنتاج الأكسجين أو إمداده ينعكس بصورة مباشرة على قدرة القسم على التعامل مع الحالات، خصوصًا أن الأطفال الخدّج لا يملكون القدرة على تحمل الانقطاعات أو التقلبات في مستوى الأكسجين. 

ويؤكد النواجحة أن الأكسجين يمثل دواءً أساسيًا للمرضى الذين يعانون مشكلات في التنفس، ولا سيما الأطفال الخدّج، مشيرًا إلى أن استمرار توفره داخل الحضانة يرتبط بصورة مباشرة بسلامة الأطفال وقدرة الطواقم الطبية على مواصلة العلاج. 

ويشرح أن الطفل الخديج يكون بحاجة إلى دعم تنفسي منذ لحظاته الأولى، ما يجعل توفر الأكسجين جزءًا من سلسلة العلاج التي لا يمكن قطعها، لأن أي خلل فيها قد يعرّض حياته للخطر.
 
أم تنتظر أن يتنفس طفلها بصورة طبيعية 

ولا تتوقف معاناة الأطفال الخدّج عند أبواب المستشفى؛ إذ تحمل الأمهات الخوف معهن في كل زيارة إلى قسم حديثي الولادة، خصوصًا عندما يكون الطفل بحاجة إلى الأكسجين أو أجهزة الدعم التنفسي. 

وتروي أم جود ناصر حديث الولادة، الذي جاء إلى الدنيا قبل اكتمال نموه، لـ”بوابة الهدف”، أن طفلها يعاني منذ ولادته من نقص في الأكسجين، وأن السنوات التي انتظرتها قبل أن يصبح لديها طفل تحولت إلى رحلة طويلة من الخوف والقلق على حياته. 

وتقول إن فرحة الأمومة لم تكتمل كما توقعت؛ إذ وجدت نفسها بدلًا من حمل طفلها والاحتفال بولادته، تراقب الأجهزة المحيطة به وتنتظر أي تحسّن في مستوى الأكسجين والتنفّس.

وتضيف أن كل انخفاض في الأكسجين كان يثير الخوف لديها، وأنها كانت تشعر بالعجز أمام طفل صغير لا يستطيع التعبير عن ألمه أو حاجته، بينما أصبح استمرار العلاج مرتبطًا بتوفر الأجهزة والأكسجين والطواقم الطبية. 

وتقول أم جود إن أكثر ما تتمناه هو أن يكبر طفلها بصورة طبيعية، وأن تتوقف حاجته إلى الأكسجين، لكنها تخشى أن تؤثر ظروف الحرب ونقص الرعاية والإمدادات على مستقبله الصحي.
 
22 محطة خارج الخدمة.. والمنشآت المتبقية تعمل فوق طاقتها

وتتجاوز أزمة الأكسجين الحالات الفردية، لتطال البنية التي تنتج الأكسجين داخل المستشفيات، فقد خرجت 22 محطة لإنتاج الأكسجين من أصل 34 عن الخدمة، فيما تعمل المحطات الـ12 المتبقية تحت ضغط يفوق قدرتها التشغيلية. 

وتحتاج المحطات المتبقية إلى قطع غيار وصيانة مستمرة للحفاظ على قدرتها على العمل، لكن نقص هذه القطع يجعل استمرار تشغيلها مهدّدًا، خصوصًا في ظل تضرر البنية التحتية الصحية وصعوبة إدخال المعدات اللازمة للصيانة. 

ويعني تعطل محطة إضافية أن العبء سيتوزع على عدد أقل من المحطات، ما يرفع الضغط عليها ويزيد احتمالات تعطلها، لتصبح سلسلة إنتاج الأكسجين بأكملها معرّضة للخطر. 

وتنعكس هذه الأزمة مباشرةً على أقسام العناية المركزة وحضانات الأطفال وغرف العمليات والطوارئ، وهي الأقسام التي لا يمكنها العمل بصورة طبيعية دون إمدادات مستقرة من الأكسجين. 

ويحذر مدير عام وزارة الصحة في غزة، د. منير البرش، في حديثه لـ”بوابة الهدف”، من أن نقص محطات الأكسجين يمثل خطرًا مباشرًا على حياة المرضى.

ويقول إن ما تبقى من محطات الأكسجين لا يكفي لتغطية الاحتياجات المتزايدة، وإن تعطل أي محطة إضافية قد يؤدي إلى انقطاع الإمدادات عن مرضى يعتمدون عليها للبقاء على قيد الحياة. 

ويضيف: “إذا تعطل هذا الأكسجين سيموت هؤلاء الناس”، محذرًا من الوصول إلى مرحلة يضطر فيها الأطباء إلى المفاضلة بين المرضى بسبب محدودية الإمدادات. 

ويؤكد البرش أن الأزمة لا تنفصل عن الواقع الصحي الذي فرضته الحرب، مشيرًا إلى استمرار الهجمات والخروقات، وتضرر المرافق الصحية، واستنزاف قدراتها، إلى جانب القيود المفروضة على إدخال المعدات وقطع الغيار والمواد اللازمة للصيانة .
 
المولدات.. الحلقة التي يتوقف عليها استمرار المستشفيات

وترتبط أزمة الأكسجين أيضًا بأزمة الكهرباء والطاقة؛ إذ تعتمد المستشفيات في غزة بصورة واسعة على المولدات لتشغيل المعدات الطبية والمنشآت الحيوية، في ظل تضرر شبكة الكهرباء. 

وقالت منظمة “أطباء بلا حدود”، في 12 آب/أغسطس، إن سلطات الاحتلال تواصل تقييد إدخال زيوت المحركات وقطع الغيار اللازمة لتشغيل مولدات المستشفيات وسيارات الإسعاف ومضخات المياه وغيرها من المرافق الحيوية. 

وتحذر المنظمة من أن اعتماد المستشفيات والخدمات الأساسية على المولدات يجعل أي خلل فيها خطرًا مباشرًا على عمل الحضانات وأنظمة الأكسجين وغرف العمليات. 

وفي 5 آب/أغسطس، تعطل أحد المولدات في مستشفى ميداني تابع للمنظمة في دير البلح، ما اضطر الطواقم الطبية إلى استخدام مولد احتياطي أصغر وتقنين استهلاك الكهرباء، وأدى ذلك إلى قصر عمل غرفة العمليات على الحالات الأكثر خطورة، وتعطل خدمات الأشعة، إضافة إلى تعذر تعقيم بعض المعدات الأساسية إلى حين إصلاح المولد.
 
17 مستشفى خارج الخدمة

وتأتي أزمة الأكسجين في وقت تعاني فيه المنظومة الصحية في القطاع من دمار واسع ونقص حاد في الموارد البشرية والمادية. 

وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”، كان 20 مستشفى يعمل بصورة جزئية حتى 12 آب/أغسطس، فيما بقي 17 مستشفى خارج الخدمة، ويعني ذلك أن المستشفيات التي لا تزال تعمل تتحمل أعدادًا أكبر من المرضى والجرحى، في وقت تتراجع فيه قدرتها على توفير الأدوية والمعدات والوقود وقطع الغيار.
 
بين الحرب والقيود.. مستشفيات تحاول البقاء

وتأتي هذه الأزمة في سياق صحي وإنساني شديد التعقيد، بعد حرب صهيونية استمرت نحو عامين وألحقت أضرارًا واسعة بالمستشفيات والبنية التحتية الصحية في قطاع غزة. 

ورغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025، استمرت الهجمات وإطلاق النار، بينما بقيت آثار الدمار ونقص المعدات والأدوية وقطع الغيار تلقي بثقلها على عمل المستشفيات. 

وفي ظل هذه الظروف، لا تواجه الطواقم الطبية مهمة علاج المرضى فحسب، بل تخوض يوميًّا معركة لتأمين الظروف الأساسية التي تسمح باستمرار العلاج، من الكهرباء والوقود إلى الأكسجين والأدوية والمستهلكات الطبية. 
 
أنفاس معلقة.. وضرورة إنقاذ ما تبقى

تختصر قصة مازن و جود ، وأطفال الحضانة، وآلاف المرضى الذين يعتمدون على الأكسجين، جانبًا من واقع صحي بات فيه الهواء نفسه موردًا مهددًا بالنفاد. 

فحين تتوقف محطة لإنتاج الأكسجين، أو يتعطل مولد بسبب نقص الوقود وقطع الغيار، لا يتوقف جهاز فقط، بل قد يتوقف علاج طفل خديج أو مريض في العناية المركزة أو شخص يعيش على الأكسجين بصورة دائمة. 

وبين أسطوانةٍ تخشى أمٌّ أن تنفد، وحضانةٍ تنتظر إمدادًا مستقرًا، ومستشفى يحاول تشغيل مولداته بأقل قدر ممكن من الوقود، تتواصلُ معركة البقاء في غزة.

إنقاذ هؤلاء المرضى لا يتطلب فقط علاجهم داخل المستشفيات، بل يتطلب ضمان وصول الأكسجين والأدوية والمستهلكات الطبية وقطع الغيار والوقود بصورة منتظمة، لأن تأخيرها يعني أن حياة مرضى كثيرين ستبقى معلقة على آخر أنفاس أسطوانة أكسجين.

الأوكسجين.JPG