احتضنته سهول قريته بيت دجن شرقي نابلس قارع الاحتلال منذ نعومة أظفاره حتى بات ضيفا ثقيلا على سجون الاحتلال لم تكن الكلمة حينها بالنسبة له كافية لمقارعة الاحتلال فعمد إلى امتشاق البندقية إلى أن انتهى به الأمر إلى حكم هستيري قضت به محاكم النازيون الجدد تسع مؤبدات وعشرات السنوات مضافة لها ليبدأ فصلا جديدا من الصراع مع المحتل ويطلق رصاصات الوعي هذه المرة في وجه سجانيه فقد أدرك كميل أن باستيلات الاحتلال يمكن أن تكون مدرسة تنتج الوعي وتتحول من منظومة للعقاب إلى منظومة وعي وفلسفة مواجهة خلف القضبان تحتوي لوائح وأنظمة تنظم حياة المعتقلين وتطلق رصاصات الوعي المنظم وتؤسس مفاهيم جديدة تطور ما انتجته تجارب السابقين من مناضلي الحرية وتنتج جيلا من قادة الوعي والفكر كي تحافظ منظومة الحياة على استمراريتها.
لم يكن كميل من أوائل من سكنه حب فلسطين ولم يكن منفردا في تأسيس ادب السجون أن جاز لنا التعبير فقد سبقه بذلك رفاق له في الأسر صاغوا تجارب عن الاعتقال والصمود والتخفي أمثال الكاتب المناضل بسام كعبي ووسام الرفيدي وغيرهم ممن حولوا المعتقالات إلى ساحة أدبية نضالية عمقت تجارب الصمود والتحدي والمواجهة مع المحتل وخلقت حالة نضالية فاقت على مثيلاتها من تجارب الكتابة في السجون في عموم الساحة العربية.
كعبد الرحمن منيف في روايته شرق المتوسط وصنع الله إبراهيم وغيرهم ممن امتلك ملكة الكتابة وحول الكلمة إلى رصاصة وعي في وجه سجانيه ورغم الحالة العامة التي كانت تجمع بينهم أنهم مناضلي حرية ولكن ما أفرد خصوصية لأدب فلسطين عموما وكميل ابو حنيش خصوصا أن الأخير لم يكن يناضل لتحقيق قضايا مطلبية بل كان يناضل لاسترداد وطنه الذي سلبه الاحتلال وسلب معه حريته وأرضه ووسيلة إنتاجه وبيته .
مما جعل أدب السجون في فلسطين ينفرد في هذه الخصوصية عن باقي المحاولات الأدبية العربية والعالمية والتي أبرزها كميل أبو حنيش في كتابه أدب السجون وظهرت جلية في روايته تعويذة الجليلة ورواية كبسولة التي أجزم أنها لم يتم تناولها في أي عمل أدبي عربي كان أو عالمي والتي صورها لنا كميل أنها وسيلة التواصل الاجتماعي الأكثر إنسانية على الإطلاق فهي عبارة عن بلوتوث اجتماعي يشترط تلامس الشفاه كي تنتقل الكبسولة التي تحوي رواية أو أخبار يتم نقلها عبر الشفة العليا للسجين والزائر وتتحول هذه الكبسولة إلى رواية يتم طباعتها ونشرها وهي شبيهة بالنطفة التي انجبت ميلاد ابنة الشهيد الأديب وليد دقه وهنا يكمن الابداع الروائي الفلسطيني في السجون بانه لم يكن يصف واقع السجون فقط بل حاول تغيير هذا الواقع وجعلة ساحة نضال ساخنة تقارع المحتل وتقض مضاجعه فلم يكتفي المعتقل الفلسطيني بمواجهة المحتل بجسده فقط بل بوعيه ولم يكتفي بتهريب النطف بل أوصل إنتاجه الأدبي خارج باستيلات الاحتلال رغم كل أشكال القمع والحصار والتفتيش الهمجي اليومي لمهاجع الأسرى.
لقد نجح كميل أبو حنيش في جمع السياسي بالأدبي وربط ما تعرض له الشعب الفلسطيني من نكبات ومؤامرات كاسلو وغيرها وصاغها بقالب أدبي شيق يدفعك إلى القراءة بشغف ولست هنا في هذه المقالة في معرض الوصف لأعمال كميل والذي اعتبره مهما ولكن الهدف الأساسي لهذه المقالة التعريف بأديب مناضل فذ قضى سنوات الأسر يكتب عن فلسطين وأهلها ومناضليها إلى جانب دراسته الجامعية التي أخذت جزءا من همه ووقته ليحصل على شهادة الماجستير ولم ينقطع عن الكتابة حتى بعد أن نال حريته في صفقة الأحرار التي أنتجتها بركات السابع من اكتوبر ليستمر بالكتابة في جمهورية مصر ويصدر باقي روايته التي سكنه حبها في الأسر وفي فضاء الحرية.

