Menu

توم مارتن: حذف فيديو هاينل حقق نتيجة عكسية

أديل هاينل تكسر الصمت على التلفزيون الفرنسي: "إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في فلسطين"

بوابة الهدف الإخبارية - باريس

"أريد أن أكسر الصمت وليسمع الجميع صوتي".. "إسرائيل" ترتكب إبادة جماعية في فلسطين، وفرنسا متواطئة. بهذه الكلمات خاطبت الممثلة والناشطة الفرنسية الشهيرة "أديل هاينل" الجمهور الفرنسي، في مداخلة بثت على التلفزيون الفرنسي العام، خلال برنامج "المكتبة الكبرى" على القناة الفرنسية الخامسة، مساء 9 سبتمبر/أيلول الجاري. وتجاوزت هاينل إدانة الحرب على قطاع غزة، وحمّلت فرنسا مسؤولية التواطؤ في الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين، داعيةً الجمهور والسلطات الفرنسية إلى اتخاذ إجراءات ضد "إسرائيل" والعمل من أجل تحرير فلسطين.

وجاءت مداخلة هاينل في ختام حلقة استضافها فيها مقدم البرنامج "أوغستان ترابنار" للحديث عن روايتها الأولى، قبل أن يمنحها مساحة خاصة ضمن فقرة تتيح للضيف التعبير عن موقف أو قراءة نص يختاره. وتحدثت هاينل في البداية عن العنف الجنسي والصمت المحيط به، قبل أن تنتقل إلى الحرب على قطاع غزة، معتبرةً أن هناك حالة من الصمت والإنكار تجاه ما يتعرض له الفلسطينيون، وأن ما يجري لا يمكن فصله عن مسؤولية الدول التي تواصل دعم "إسرائيل".

وتكتسب المداخلة دلالتها من المكان الذي قيلت فيه؛ فهي لم تأتِ في برنامج سياسي أو نشرة إخبارية، وإنما عبر مساحة أدبية وثقافية في التلفزيون العام الفرنسي، وعلى لسان شخصية فنية معروفة. وهو ما جعل التصريحات تتجاوز حدود موقف فنانة من الحرب إلى نقاش أوسع حول مساحة التعبير عن فلسطين داخل الإعلام الفرنسي، خصوصاً عندما يتضمن الخطاب اتهامات مباشرة لـ"إسرائيل" والدول الداعمة لها.

حذف الحلقة يفتح مواجهة جديدة

بعد ساعات من بث الحلقة، أزيلت كاملة من منصة "فرانس.تي.في" صباح اليوم التالي، في إجراء لم يقتصر على المقطع الذي تحدثت فيه هاينل عن غزة. وبحسب صحيفة "لوموند"، اختفت الحلقة من المنصة قرابة الساعة العاشرة والنصف صباحاً، في الوقت الذي كان فيه مقطع مداخلة هاينل ينتشر على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي.

وأثار حذف الحلقة انتقادات سياسية وإعلامية، بعدما أعاد سياسيون ونشطاء فرنسيون نشر المقطع، معتبرين أن سحبه من المنصة الرسمية لم يمنع وصول الرسالة، وإنما ساهم في توسيع انتشارها وتحويلها إلى قضية عامة.

وقالت شبكة "فرانس تلفزيون" إن سحب الحلقة جاء بصورة تحفظية عقب تلقي شكاوى لدى هيئة تنظيم الاتصال السمعي والبصري والرقمي الفرنسية "أركوم"، موضحة أن المسألة، وفق روايتها، لا تتعلق باستضافة هاينل أو منحها مساحة للتعبير، وإنما بطريقة تناول موضوع جيوسياسي شديد الحساسية من دون توفير تعدد في وجهات النظر أو السياق الذي تفرضه قواعد الخدمة العامة للإعلام الفرنسي.

لكن "أركوم" لم تأمر بحذف الحلقة، كما لم تكن قد أصدرت قراراً يعتبر تصريحات هاينل مخالفة، إذ اتخذت "فرانس تلفزيون" قرار السحب من جانبها، وقالت إنه إجراء احترازي إلى حين دراسة الشكاوى.
وردت هاينل على القرار بتسجيل نشرته عبر وسائل التواصل الاجتماعي، انتقدت فيه حذف الحلقة، معتبرةً أن إسقاط مداخلتها من المنصة لم ينهِ النقاش الذي أرادت فتحه حول غزة وما يتعرض له الفلسطينيون. ومع انتشار التسجيل على نطاق أوسع، تحول قرار الحذف نفسه إلى موضوع للنقاش، خصوصاً في أوساط اليسار الفرنسي.

وانتقد نواب عن حزب فرنسا الأبية حذف الحلقة، وأعاد بعضهم نشر المقطع، كما انتقد السكرتير الأول للحزب الاشتراكي الفرنسي أوليفييه فور القرار. في المقابل، دافع سياسيون من اليمين عن خطوة الشبكة، ومن بينهم النائب عن حزب التجمع الوطني جوليان أودول، الذي انتقد تصريحات هاينل واعتبر أنها قدمت موقفاً أحادي الجانب بشأن الحرب.

وتأتي هذه الواقعة بعد موقف سابق للكاتبة الفرنسية آني إرنو، التي استخدمت الفقرة نفسها في يونيو/حزيران 2025 للحديث عن غزة، وأعلنت تضامنها مع الفلسطينيين ووصفت ما يجري بأنه إبادة جماعية. ولم تؤد مداخلتها، وفق ما أوردته "لوموند"، إلى الإجراء ذاته الذي اتخذ ضد حلقة هاينل، كما لم تسجل حينها شكاوى لدى "أركوم" مرتبطة بالمداخلة.

توم مارتن: الموقف يعكس اتساع التضامن مع فلسطين

وفي تعقيبه المطول على مواقع التواصل الاجتماعي، تناول الناشط المناهض للإمبريالية توم مارتن مداخلة هاينل وأهميتها في ظل المعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني، معتبراً أن موقفها "يشكل موقفاً قوياً في مواجهة الإبادة الجماعية المستمرة في غزة، وفي مواجهة تواطؤ فرنسا مع الكيان الصهيوني". وأشار إلى أن المداخلة جاءت في ختام بث تلفزيوني مباشر على قناة وطنية، معتبراً ذلك مؤشراً على اتساع نطاق الدعم الشعبي في فرنسا للشعب الفلسطيني، وعلى تزايد عزلة "الكيان الصهيوني"، بما في ذلك بين الشخصيات العامة البارزة.

وأضاف "أن هاينل سبق أن اتخذت، بصورة متكررة، مواقف وصفها بالشجاعة دعماً لفلسطين، وكذلك دعماً لتحرير جورج عبد الله وتأييداً لـ"أسطول الصمود العالمي".

WhatsApp Image 2026-09-14 at 5.49.10 PM (1).jpeg
 

تحّول عميق في موازين القوى لمصلحة فلسطين

وفي سياق حديثه عن التداعيات السياسية والثقافية لموقف هاينل، رأى مارتن أن ما هو مطروح في هذه الواقعة يتمثل في "تطبيع وتوسيع نطاق التضامن مع الشعب الفلسطيني ومع مقاومته داخل قطاعات واسعة من المجتمع الفرنسي"، موضحاً أن عدداً متزايداً من الشخصيات العامة الفرنسية يتخذ مواقف داعمة لفلسطين، رغم الضغوط التي قال إنها تمارسها السلطات الفرنسية واللوبي الصهيوني.
وضرب مثالاً بالمؤثرة الفرنسية البارزة لينا سيتيواشنز، التي قال إنها تعرضت خلال هذا الصيف لحملة تحريض ومضايقات بسبب دعمها دعوات لمقاطعة صديقة سابقة لها كانت قد أعادت نشر تصريحات للجيش الإسرائيلي، مشيراً إلى أن ردها على الحملة تمثل في نشر خطاب داعم لغزة".

وخلص مارتن إلى أن ما يجري "يعكس بوضوح تحوّلاً عميقاً في موازين القوى لمصلحة فلسطين".

حذف المقطع أدى إلى نتيجة معاكسة

وفيما يتعلق بحذف الفيديو والضغوط التي تمارسها جماعات الضغط المؤيدة "لإسرائيل" في فرنسا على الفنانين والشخصيات العامة بسبب مواقفهم من فلسطين، رأى مارتن أن قرار القناة أدى إلى نتيجة مختلفة عن الهدف المفترض منه. وقال إن "قرار القناة حذف المقطع أدى إلى نتيجة معاكسة تماماً؛ إذ شاهد الملايين هذا الخطاب، وأدانوا عملية الرقابة، وعبّروا عن موقف مناهض للاستعمار".

وأضاف أن حملة المضايقات المتواصلة التي يشنها اللوبي المؤيد "لإسرائيل" ضد هاينل، وضد كل شخصية عامة تجرؤ على التعبير عن دعمها لفلسطين، تكشف، بحسب تقديره، عن حالة من الارتباك والقلق إزاء ما وصفه بـ"الفشل الاستراتيجي" الذي يواجهه الكيان الصهيوني.

وربط مارتن ذلك بما وصفه بالإبادة الجماعية المستمرة وتصاعد الاعتداءات الإمبريالية الصهيونية في المنطقة، وخصوصاً في لبنان و سوريا وإيران، قائلاً "إن هذه التطورات يجب ألا تجعل المتابعين يغفلون حقيقة أن المشروع الصهيوني يعيش، من وجهة نظره، أزمة بنيوية واضحة، وأن المشروع الاستيطاني الاستعماري الغربي تعرض لتصدعات عميقة".

ليست حادثة معزولة

وفي معرض تعليقه على ما إذا كان حذف الفيديو والإجراءات المتخذة ضد هاينل يمثلان حادثة معزولة أم جزءاً من مناخ أوسع من الضغوط والقيود المفروضة على حرية التعبير والتضامن مع فلسطين في فرنسا، أكد مارتن أن "من الواضح أن هذه ليست حادثة معزولة".

وقال "إن فرنسا، شأنها شأن العديد من الدول الأوروبية الأخرى، تمارس ما وصفه بقمع شديد ضد حركة التضامن مع فلسطين، وتجرّمها بصورة قاسية"، معتبراً أن ذلك يعكس طبيعة التحالف الاستراتيجي بين الإمبريالية الغربية والكيان الصهيوني، الذي وصفه بأنه "وكيل لها في المنطقة".

وأشار إلى أن مئات الأشخاص في فرنسا يخضعون، بحسب قوله، للملاحقة القضائية بتهمة "تمجيد الإرهاب" بسبب خطابات أو مواقف مؤيدة لفلسطين، مضيفاً أن السلطات الفرنسية تحاول فرض قانون يهدف إلى تجريم مناهضة الصهيونية، بالتزامن مع حظر العديد من التظاهرات بصورة متكررة.

وتوقف مارتن كذلك عند وضع الجالية الفلسطينية، قائلاً "إنها تتعرض لاستهداف مكثف بهدف إعاقة قدرتها على التنظيم الذاتي والنضال من أجل تحرير أرضها وشعبها. واستشهد بما قال إنه مثال للاجئ فلسطيني يدعى علي، محتجز في الحبس الاحتياطي منذ عامين استناداً إلى اتهامات إسرائيلية، رغم تمتعه بوضعية لاجئ بسبب الاضطهاد الصهيوني". وقال "إن هذه الحالات، في تقديره، "تكشف الكثير عن الوجه الحقيقي لما يسمى بالديمقراطيات الإمبريالية الغربية".

رسالة إلى هاينل والفنانين والمثقفين

ووجه مارتن تحية إلى هاينل وإلى الفنانين والمثقفين الفرنسيين الذين يواصلون دعم فلسطين رغم الضغوط ومحاولات الترهيب والإسكات. وقال: "أود أن أحيّي تصميم وشجاعة أديل هاينل، وكل من ينخرط في دعم فلسطين"، معتبراً أن القدرة على اتخاذ هذه المواقف تستمد، في جوهرها، من مقاومة الشعب الفلسطيني نفسها، التي قال إنها تقدم درساً في الشجاعة والتصميم والصمود.

وأضاف" أن الشعب الفلسطيني، رغم أكثر من 78 عاماً من الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، يواصل نضاله من أجل العودة وتحرير فلسطين من النهر إلى البحر".

وتضع قراءة مارتن واقعة هاينل ضمن سياق أوسع يتجاوز حدود الحلقة التلفزيونية، ليشمل النقاش حول مساحة التعبير عن فلسطين في فرنسا، ودور الإعلام العام، والضغوط التي تواجه الفنانين والشخصيات العامة عندما ينتقل موقفهم من مجرد التضامن الإنساني إلى توجيه اتهامات سياسية مباشرة إلى "إسرائيل" والدول التي تدعمها.

وبينما تتمسك "فرانس تلفزيون" بروايتها القائلة إن سحب الحلقة كان إجراءً احترازياً مرتبطاً بقواعد التعددية في الإعلام العام، يرى منتقدو القرار أن النتيجة العملية كانت الحد من وصول مداخلة متضامنة مع فلسطين. غير أن ما حدث على أرض الواقع أظهر أن حذف الحلقة لم ينهِ حضورها؛ فقد انتقل المقطع إلى منصات التواصل الاجتماعي، واتسع النقاش حوله، وتحّولت كلمات هاينل من مداخلة في برنامج أدبي إلى قضية سياسية وثقافية تتصل بحرية التعبير عن فلسطين في فرنسا.

وفي هذا المعنى، يرى مارتن أن حذف المقطع لم يؤد إلى إسكات الرسالة، وإنما ساهم في انتشارها على نطاق أوسع، في وقت تتزايد فيه، بحسب قراءته، الأصوات الفرنسية والأوروبية المتضامنة مع الشعب الفلسطيني، رغم الضغوط التي تواجهها.