Menu

حوار الهدف مع مع د. حاتم الجوهري: من مفهوم الجغرافية السياسية إلى الجغرافية الثقافية والتعالق الثقافي واستحقاقاته في الفضاء العربي

خاص_بوابة الهدف الإخبارية

مقدمة

يكتسب الحوار مع د. حاتم الجوهري أهمية فائقة انفتاحا على دلالات وسياقات عمله الأكاديمي والبحثي والنقدي حيث تتبدى تلك الأهمية بالأبعاد المعرفية والنظرية لما اجترحه وأسس له إنطلاقا من مفهوم الجغرافية السياسية الى الجغرافية الثقافية والتعالق الثقافي وسوى ذلك تعمقا لمعنى "الجيوثقافي" واستحقاقاته في الفضاء العربي كما والرهان على قدرة الذات العربية على استعادة فاعليتها الحضارية.

الهدف تحاور أستاذ الدراسات الثقافية د. حاتم الجوهري في جولة أفق تحريرا لهذه المفاهيم ووصفها في سياقاتها الدالة.

حوار محمد أبوشريفة

-1 من الجغرافيا السياسية إلى الجغرافيا الثقافية، هل بالإمكان القول إن د. حاتم الجوهري يعمل على تأسيس نظرية جديدة بين الذات والآخر وبناء سردية عربية كبرى... خاصة أنك وصفت مشروعك بالطموح لإعادة صياغة العلاقة بين الجغرافيا والثقافة والسياسة، للانتقال من منطق الجيوسياسي إلى منطق “الجيوثقافي”؟ وما هي الإشكاليات التي واجهتك باعتبار أنها نظرية وليست مجرد رأي؟

الجغرافيا السياسية أو الجيوبولتيك ارتبطت بلحظة تاريخية لشعور الذات الغربية بمركزيتها وتفوقها (الديني والعلماني والعرقي) منذ نهايات القرن الـ19، فأنتجت مبررا نظريا يسوغ لها التمدد والسيطرة على كل جغرافيا العالم حمل اسم "الجغرافيا السياسية".. الجيوبولتيك نشأ مبحثا في كيفية سيطرة الغرب على "الآخر" أي على كل ذوات العالم الأخرى وأراضيهم ومواردهم، هو مشروع لمركزية جغرافيا واحدة و"ذات واحدة"، وتهميش كل الجغرافيا وكل "الذوات الأخرى" دونها بحجة التفوق الغربي بفلسفاته وأيديولوجياته وتمثلاته المتنوعة.

بينما الجغرافيا الثقافية "الجوهرية" (تفريقا لها عن الجغرافيا الثقافية الوصفية التي نشأت في الغرب تهتم بتأثير المكان على العادات البشرية إجمالا) تسترد الوعي بالذات مجددا وإعادة إنتاج الذات العربية، وتدعو لـ"فك التعالق" مع سردية المركزية الثقافية الغربية المتنوعة، من خلال قدرة الذات العربية و"مستودع هويتها" على إعلاء دور "المكون الثقافي"، وبناء سردية جديدة تستعيد الوجود على الجغرافيا بعدما انسدت السرديات السياسية العربية التاريخية وعجزت عن القيام بالدور المنوط بها.. لذا بالفعل هي تقدم نظرية جديدة للتدافع على الجغرافيا بين الذات وبين الآخر الدولي وفهمه والآخر الإقليمي كذلك.

لكننا هذه المرة سنبدأ من "الجوهر الثقافي" المشترك الجامع، لنصل تدريجيا إلى خطاب وتمثلات سياسية جديدة وفاعلة على قدر التحديات الماثلة.. أما الإشكالية الأبرز التي واجهت "نظرية الجغرافيا الثقافية الرابطة" بعد طرحها في الكتاب؛ فكانت التلقي واستقبال النظرية في حد ذاته، والذي يمكن تلخيصه في نمطية العقلية الغربية ما بين: عقلية التبعية للآخر وعقلية التبعية للسلطة السياسية السائدة، النخب العربية المختلفة سواء الأكاديمية أو السياسية أو الثقافية، اعتادت وجود سلطة ما تتلقى منها السرديات النظرية الجديدة، وهي إما أن تكون النظرية ذات أصل غربي فتتبعه دون نقاش، أو ترتبط النظرية بسلطة سياسية ما تحيطها بشبكة مصالح وتسكين اجتماعي وفوائد معينة.

بينما طرحت النظرية دون أكون متعالقا مع الغرب ودون أكون مرتبطا بسلطة سياسية ما، لا في المسار الرسمي ولا في المسار غير الرسمي.. لكن هذه الاستقلالية ربما كانت هي الشرط الموضوعي المضمر الذي مكنني من حرية التفكير فيما يحدث، وحرية اختبار البدائل، ووضع الحلول النظرية التي تعبر عن سياق الذات العربية والشرقية عموما.

وتبقى الصعوبة والإشكالية الأبرز في تحرير مصطلح "الجغرافيا الثقافية" نفسه لدى العقل الأكاديمي العربي، الذي اعتاد التعامل معه كمبحث جغرافي وصفي نشأ في الغرب يدرس تأثير المكان على الطباع والعادات والتقاليد إجمالا. بينما قامت فلسفتي على إعادة صياغة المصطلح ليصبح "مفهوماً استراتيجياً جوهريا" يرفع "المكون الثقافي" ليكون فاعلا وحارسا على الجغرافيا، وليس مجرد دراسة لتنوعات التقاليد وأثر المكان عليها عند الجماعات البشرية.

2- ماهي أبرز التحولات العالمية التي أثرت بك ودفعتك للتركيز على المكون الثقافي واعتباره قوة ناعمة صاعدة ؟

على المستوى العالمي رصدت التحولات التي جرت في السرديات العالمية؛ مع تبني أمريكا أطروحة "الصدام الحضاري" وبروزها في مشروع ترامب للسياسات الخارجية خاصة مع مسار "صفقة القرن" وبعدها "الاتفاقيات الإبراهيمية". وعلى الجانب الآخر تحول روسيا من الشيوعية إلى شكل من أشكال الرأسمالية، وبروز مشروع "الأوراسية الجديدة" مع المفكر ألكسندر دوجين وتبني بوتين لهذا المشروع في السياسات الخارجية. وفي السياق نفسه تحول الصين عن تصورات الشيوعية الصينية الماوية وتجاربها، وظهور اقتصاد رأسمالي نوعا ارتبط بظهور مشروع "الحزام والطريق"، والسياسات الخارجية التي تبناها شي جين بينج على ضفاف هذا المشروع.

كل هذه التحولات العالمية انعكست على الوضع الإقليمي وتبلورت بقوة في حرب غزة وتبعاتها بعد عملية طوفان الأقصى، فلقد تمددت إيران في البلدان العربية بحجة عجز الذات العربية عن الدفاع عن ثوابت السردية الإسلامية في فلسطين، وتمددت تركيا في سوريا بسبب عجز السردية القومية في شكلها البعثي عن الاستجابة لدعوات الشارع للتغيير، وتمددت السردية الأثيوبية باسم المركزية الأفريقية في السودان بسبب عجز سردية الإسلام السياسي هناك، وتجرأت إسرائيل على الدعوة لتهجير أهل غزة لسيناء المصرية بسبب ارتباك سردية "دولة ما بعد الاستقلال" في مصر بين إرث الناصرية وشعارات التحرر، وإرث الساداتية وسياسات التطبيع والتحالف مع الغرب!

كل هذا أخبرني بوضوح ان المشكلة هي مشكلة في السردية العربية، وانسداد السرديات القائمة وعجز السرديات التاريخية المعارضة في آن واحد، التمدد في الجغرافيا العربية كان باسم سردية ثقافية و"مكون ثقافي" ما، من هنا رأيت أن استعادة السيطرة على الجغرافيا العربية تتطلب بروز سردية ثقافية جامعة جديدة، تقوم على جوهرية "المكون الثقافي" وضرورة صعوده لوقف تمدد السرديات الأخرى ودفعه للوراء.

3- في كتابك الذي حمل عنوان ("نظرية الجغرافيا الثقافية الرابطة: من جيوسياسي القرن الـ20 إلى جيوثقافي القرن الـ21"، تحضر حرب غزة ضمن مضمار الجغرافيا الثقافية، ما الذي تريد توضيحه من خلال حرب الإبادة العرقية الإجرامية هذه؟ خاصة أنك حددت أنماطا ليتحرك من خلالها معظم الأطراف الإقليميين والدوليين؟

حرب غزة كانت محكا مفصليا في الإشارة لانسداد السرديات العربية التاريخية ومشروع دولة ما بعد الاستقلال عن الاحتلال الأجنبي منذ منتصف القرن الـ20، لم يستطع مشروع القومية العربية وسرديته تجاوز هزيمة عام 1967م، وتوالى سقوط مراكزه التاريخية في بغداد ثم دمشق والمخططات القائمة باتجاه مصر الآن. ومشروع الدول الملكية العربية لم يكن لديه الحلول البديلة الجاهزة لتجاوز التناقضات، وبناء توازنات جديدة تتوافق ما بين التحالف مع الغرب والتأكيد على الحق العربي والدفاع المقدسات الدينية.

فجأة كشفت حرب غزة عن هشاشة راهن الذات العربية وسردياتها التي هي إرث القرن الماضي وبقاياه، وجعلت الشعوب العربية أمام اختيار صعب ومأزق تاريخي. المكون الإسلامي يتمدد متمثلا في تركيا وإيران تحت شعار الدفاع عن المقدسات، والمكون العرقي الأفريقي يتمدد عبر السودان، وهنا لابد من وقفة لأن العالم العربي الذي هو قلب السردية الإسلامية في الوقت نفسه، كان له ثلاث بوابات حارسة قد سقطت الآن بالفعل، بوابة العراق وبوابة سوريا وبوابة السودان، وبقي للعرب فقط الحصن الأخير في مصر.

حدثت عملية طوفان الأقصى لأن المقاومة الفلسطينية لم تستطع أن تجد لها أي امتداد أو حاضنة لدى السردية العربية في مواجهة الصدام الحضاري وصفقة القرن، فرمت آخر سهم في جعبتها عله يصيب أو يطلق صرخة مدوية في وجه الجميع..

الحرب مستمرة لأن التوزانات الاستراتيجية للتعامل مع تبعات حرب غزة لم تتضح وتستقر بعد، وفي هذا السياق تأتي حرب أمريكا وإسرائيل على إيران الدائرة حاليا، ويأتي التنافس التركي الإسرائيلي على سوريا، وبروز "محور الاتفاقيات الإبراهيمية"، والتنافس على اليمن وباب المندب والقرن الأفريقي والبحر الأحمر. التوازنات الجيوثقافية لم تستقر بعد، والعرب لا يطرحون حقيقة سردية في الجغرافيا الثقافية تمكنهم من دخول السباق والتنافس فيه، لذا سيكونون عرضة لانكسارات مريرة وقوية طالما لم يلتفتوا إلى أهمية بروز مشروع كبير وتجاوز التصورات ال قطر ية وميراث التناقضات البينية والمصالح قصيرة الأجل. وسوف يستمرون حطبا لسرديات الآخرين الإقليمية والدولية طالما لم يكتسبوا الوعي بأهمية تجاوز دولة ما بعد الاستقلال طوعيا وتبني سردية كبرى جديدة.

4- تحدثت عن (الذات العربية كحيز ثقافي)، أين هي هذه الذات من الانخراط في العلاقات الدولية والتي تحتاج إلى بعدا عالميا شموليا؟ ألا تعتقد أنك ضيقت الإطار البنائي الحركي لمفهوم الهوية العربية؟ وما هي مقومات بناء سردية عربية جديدة تنطلق من المشتركات الثقافية والحضارية؟

هذا سؤال شديد الأهمية ومحوري في فهم جانب مهم من تصور "التعالق الثقافي" بالكتاب وفلسفته؛ أنت تتحدث عن "الشمولية العالمية" والذات العربية، وهو تحديدا ما أدعو لتجاوزه في الكتاب وأسميه عادة "ما بعد المسألة الأوربية".

"الشمولية العالمية" هي جوهر "التعالق الثقافي" الذي خلق امتدادا للغرب داخل الجغرافيا العربية وغيرها، فبحجة تفوق "الذات الغربية" دينيا وعلمانيا وعرقيا قدمت أوربا ثلاثة مشاريع للحضارة الواحدة الشمولية العالمية، مع هيجل المثالي المسيحي (الأب التاريخي للدولة الرأسمالية ونهاية التاريخ وفكرة الذات المطلقة الشمولية) وماركس المادي العلماني (الذي قدم الفكرة نفسها ولكن في شكل الدولة الشيوعية الشمولية) والقومية الاشتراكية العنصرية في ألمانيا النازية (التي قدمت الفكرة نفسها بالاستناد للعرق الجرماني الشمولي).

في حقيقة الأمر الشمولية ووجود فكرة واحدة يجب أن تتحول إلى مطلق عالمي هي السردية الأم والأساس القيمي العميق لمشروع التوسع ونظريات "الجغرافيا السياسية" ونشأتها للسيطرة على كل العالم. بينما الجغرافيا الثقافية الجوهرية تنطلق من فكرة مضادة وهي حق كل "مكون ثقافي" في وجود سرديته التي تتجدد وتعيد إنتاج ذاتها، وفي ان يكون لها السيادة والسيطرة على الجغرافيا الخاصة بها. ليكون العالم عبارة عن سرديات متنوعة ومتعايشة تحترم بعضها البعض، انطلاقا من تفكيك الخرافة المركزية التي هي تفوق الذات الغربية، ووجود فلسفات شمولية عالمية مطلقة، ونظريات في الجغرافيا السياسية تسعى لتنفيذ أجندة الهيمنة والتفوق الثقافي/ الناعم تلك.

أما عن مقومات السردية العربية الجديدة؛ فسأحيلك إلى كتابي: "تدافع السرديات الجيوثقافية في الشرق الأوسط"، حيث ذكرت أنها يجب أن تكون: "سردية التركيب والتجاور والممكن" وأن الشكل النهائي لهذه السردية لا يمكن الجزم به نظريا فقط؛ إنما سيخضع لتباديل وتوافيق الواقع العربي التفاعلي ومقتضياته، لكنها يجب أن تكون سردية تركيبية تجمع عناصر تفرقت في سرديات قديمة من إرث القرن العشرين، وتفرقها كان لأسباب الفرز الهوياتي/ السياسي/ الأيديولوجي الضيق وليس لأسباب موضوعية. سردية تقوم على التجاور والتكامل حتى في ظل التنوع والتمايز الطبيعي، تتحرك وفق الممكن المتاح وتسعى للأفضل والأوسع، تؤكد على المشترك الجامع وحق التنافس والتدافع في السعي لأجله.

وكذلك لابد من ذكر استراتيجية الجغرافيات الثلاث التي طرحتها في كتاب "نظرية الجغرافيا الثقافية الرابطة"، لصعود المكون الثقافي للقيام بدوره، وهي استراتيجية الجغرافيا الثقافية أولا لتحقيق المشترك الجامع واستعادة اللحمة في فضاء الذات العربية، ثم الجغرافيا الاقتصادية والتكامل في إدارة الموارد، وصولا إلى التنسيق في السياسات الخارجية الإقليمية والدولية.

5- هل ترى أن ثمة مستقبل للدراسات الثقافية في العالم العربي في ضوء التحديات والمعضلات الراهنة للثقافة العربية؟ سيما أن بعض النقاد يصف الدراسات الثقافية بأنها هيكل نظري تم وضعه من طرف مفكرين يرون أن انتاج النظرية ممارسة سياسية.. كيف نسعى إلى التغيير الاجتماعي إنتاجا لممارسة ثقافية منتجة؟

طرحت مشروعا موازيا باسم "الدراسات الثقافية العربية المقارنة" ينطلق من منهج "الدرس الثقافي الحر"، فلسفته كانت مغايرة تماما لـ"الدراسات الثقافية الغربية" التي عملت للانتصار للهوامش وقيمها أيا كانت في مواجهة قيم السلطة الغربية السائدة، وهي ضبط الظاهرة الإنسانية وفق القيم والمثل الإنسانية الأعلى. ونشر المشروع في كتاب باسم: "مدرسة الدراسات الثقافية العربية المقارنة".

بل يمكنك القول إن تطوير "الجغرافيا الثقافية الجوهرية" جاء تطويرا لمنهج الدرس الثقافي، وصعودا بالمكون الثقافي إلى المستوى الاستراتيجي، وسعيا لوضع نظام حضاري عالمي جديد ولكنه يقوم على حق كل سردية ثقافية في أن توجد وتهيمن في فضائها الجغرافي التاريخي، وفق النسق القيمي الخاص بها.. وهذا هو النمط الحضاري العالمي الذي تدعو لها فلسفة الجغرافيا الثقافية الجوهرية، نمط التنوع والتعدد كقيمة ومبدأ في حد ذاته.

وهو ما ينقلني إلى جزء مهم من سؤالك بأن إنتاج النظرية هو ممارسة سياسية ترتبط بالقيم السائدة أو التي يتبناها القائم بعملية الإنتاج، ومن هنا تأتي فكرة النضال أو البطولة أو المثالية أو منظومة القيم الإنسانية الأعلى، بأن يكسر القائم بعملية إنتاج النظرية شبكة القيم السائدة والمصالح المرتبطة بها، سعيا لتحرير الجماعة الإنسانية الخاصة به من تعالقها الثقافي الراهن في الهزيمة والتبعية والتفكك الحضاري.

أما فكرة التغيير الاجتماعي إنتاجا لممارسة ثقافية منتجة؛ فدعنا نتفق أن البناء الاجتماعي وتغييره يرتبط أيضا بالسردية الكبرى والنسق القيمي الذي تحمله، وحين نطالب بسردية كبرى جديدة فنحن بالضرورة نطالب بعملية التغيير الاجتماعي وفق سمات "المجتمع الفعال" التي تقوم على العدل والمساواة والفرص المتكافئة ومنح الفرصة لأصحاب المواهب في كل مجال.. في الواقع طرح مشروع لقوة ناعمة وسردية جديدة يتطلب تغييرا اجتماعيا واقعيا في إدارة الموارد والبناء الاجتماعي، لإنجاح هذه السردية وتفعيلها.

6- يتحدث المفكر والناقد إدوارد سعيد عن المثقف المضاد كيف تقارب هذا التوصيف في إطار الحرب الباردة الثقافية وتأثيراتها المحتملة على الأدب والنقد، وفي سياق الصدام الحضاري الراهن؟

إدوارد سعيد طرح مفهوم "المثقف المضاد" أو المعارض من خارج المؤسسة لأنه كان يعيش في أمريكا وقلب امبراطورية الهيمنة والمركزية الغربية الجديدة وتعاليها، ومشروعه في الإجمال كان صرخة ومشروعا معرفيا لزعزعة القيم التي تروج لها تلك المؤسسة.

لكنني أعيش في الوطن العربي وأنطلق منه وطرحت سابقا (في كتاب: السياسة الثقافية الثالثة) مفهوم "المثقف الجامع" أو "مثقف الكتلة الجامعة" الذي يجب عليه أن يعبر عن المشترك الثقافي لأمة حضارية ما، ويدافع عن ثوابت "مستودع الهوية" الخاص بها، ويسعى لتقديم سردية مركزية جديدة وتعريف للذات والآخر، ويقدم "حزمة سياسات" جديدة تطبق وتُنزل للعمل بها في مؤسسات البلدان العربية.

من ثم رغم أنني مثقف مستقل لا أعبر عن سلطة ما، وأدعو لسردية جديدة تتجاوز السرديات العربية التاريخية التي انسدت سواء في السلطة أو المعارضة..، إلا أنني لا أقف عند حدود "المثقف المضاد" عند إدوارد سعيد، بل أطرح "سردية بديلة" و"مكونا ثقافيا" جديدا لخروج الجماعة البشرية التي أنتمي لها من المأزق التاريخي الراهن.

الاختلاف بيني وبين إدوار سعيد هو اختلاف وجودي وفي "الجمهور المستهدف" من المنتج الثقافي، هو كان يعيش في جوف المركز الجغرافي الأمريكي ويصرخ من داخل الوحش، بينما نحن نعيش في الهامش الجغرافي العربي ونسعى ليقظته وتبنيه سردية كبرى جديدة.

سعيد عاش في قلب الحرب الباردة وظهر مشروعه في عهد القطبين قبل سقوط الاتحاد السوفيتي، وأثر مشروعه على التيارات الفكرية والأدبية والعالمية خاصة في مدرسة ما بعد الاستعمار التي ازدهرت معه ومع جياتري سبيفاك ووهومي بابا في أمريكا. بينما نحن نواجه عصر الصدام الحضاري وتفكيك الجغرافيا العربية والتمدد فيها من جانب سرديات إقليمية على تبعية لسردية الصدام الحضاري تلك.

7- د. حاتم ، من الواضح أن هناك بون شاسع بين ما تراهن عليه من واقع القوة الناعمة وبين الواقع المادي للقوة العسكرية والاقتصادية خاصة في منطقتنا العربية، كيف تقرأ ذلك؟

دعنا نضع الأمور في نصابها الصحيح القوة الناعمة وحدها ليست هي الهدف، الهدف هو خروج سردية ثقافية كبرى جديدة تعيد موضعة الموارد الاقتصادية وإدارتها، وتمنح القوة الصلبة رواية للوجود على الأرض والصمود في وجه التمدد والتدافع السردياتي في الفضاء العربي ومنطقة الشرق الأوسط. المشكلة ليست في الموارد الصلبة الاقتصادية أو العسكرية بل في السردية أو الرؤية التي يتم بها إدارتهما في مواجهة الآخر.

وما أطرحه بديلا للانسداد الراهن هو سردية وقوة ناعمة جديدة تعمل على ثلاثة مستويات؛ الأول هو مستوى "السياسات العليا" وما يعرف في الوطن العربي باسم "المؤسسات السيادية" وهي المسئولة عن منظومة القيم العليا التي تمثل المظلة الحاكمة للبلاد. والثاني هو مستوى "السياسات العامة" التي تعمل من خلالها الوزارات والحقائب الوزارية، ثم أخيرا انعكاس المستويين على المستوى الثالث المتمثل في المستوى التنفيذي والانعكاس المباشر على الإنسان العربي.

لن يتغير الحال بين عشية وضحاها، نحن في مرحلة تشبه سقوط الاندلس، وتفكك مشروع السردية الإسلامية هناك، ويجب أن نعترف أنه بالمثل تعرض مشروع دولة ما بعد الاستقلال في البلدان العربية للتفكك والهزيمة لأسباب متعددة، والهدف القريب لنظرية الجغرافيا الثقافية الرابطة وفلسفتها الجوهرية هو وقف التدهور وتمدد الآخر في الأرض العربية، والعمل لاستعادة التوزان الإقليمي، والحضور الدولي مرة أخرى.

قدمت في الكتاب مقاربة لظهور "كتلة جيوثقافية ثالثة" تنهض بها الذات العربية في المستقبل، تزن الكتلة الغربية ونظرية الصدام الحضاري من أمريكا، وتزن الصعود الروسي والصيني.. والاختلاف بينها وبين مشروع "دول عدم الانحياز" أنها ستطرح نمطا حضاريا جديدا وليس فكرة الحياد أو عدم الانحياز، وهو "نمط الموجة الحضارية الأولى" التي ظهرت في مصر والعراق والصين والهند، وقامت على فكرة الحضارات المكتفية بمواردها ماديا والمتصالحة مع نفسها ومع الآخر مثاليا أو ثقافيا.

لكن كل هذا لن يحدث في يوم وليلة؛ علينا فقط أن نبدأ بالصمود والاعتراف بالمأزق التاريخي الراهن وانسداد السرديات التاريخية الحاضرة في المتون الرسمية أو في الهوامش خارجها.

8- يفهم من تصوراتك أنك وضعت الثقافة في قلب السياسة الخارجية، كيف يمكن إعادة صياغة مفهوم الأمن القومي بعيداً عن الأدوات الجيوسياسية؟

هذا سؤال شديد الدقة، أنت تتحدث عن الأمن القومي بين الجيوسياسي والجيوثقافي في نظريتي الجديدة عن الجغرافيا الثقافية الرابطة؛ تطرح النظرية تصورا جديدا للأمن القومي بوصفه سردية مشتركة تجمع بين قوة ناعمة وقوة صلبة، وأنه عندما تتفكك التمثلات السياسية وسردياتها كما هو حاصل مع الذات العربية، فإنه على الجوهر الثقافي القيام للنهوض بدوره وإعادة إنتاج الذات العربية مجددا في تصور يجمع بين الناعم والخشن، ويدفع تمدد الآخر في الجغرافيا العربية للوراء.

وهنا لا يمكن القول إننا نصوغ مفهوم الأمن القومي بعيدا عن الأدوات الجيوسياسية، إنما نقدم رؤية جديدة في التدافع على الجغرافيا تربطها بضرورة ظهور سردية ثقافية جديدة تستند للمكون الثقافي الجامع عندما يعجز أو ينسد المكون السياسي. وان التدافع على الجغرافيا لم يعد يستند إلى حدود سياسية وقوة عسكرية وفقط، إنما أصبح الصراع على إنتاج المعني المشترك مقدمة وأساسا للوجود على الأرض والسيادة عليها.

في صياغة أكثر وضوحا؛ لا يمكن على المدى الطويل في القرن الـ21 أن تستقر الأرض أو الجغرافيا تحت أقدام قوة صلبة عسكرية عربية، دون أن تسبقها وترافقها قوة ناعمة وسردية ثقافية حامية ومؤسِّسَة، تؤمن هذه الأرض وتبرز الحكاية التاريخية للوجود عليها.

9- كيف يمكن مواجهه الجيو الثقافية الصهيونية الكامنة في الحاضنة الأوروبية؟

الصهيونية تقدم نفسها بوصفها امتدادا لسردية الغرب المتعالية؛ من ثم هي تحقق للغرب التبعية الثقافية والمصلحة الواقعية في الجغرافيا العربية.. إنها تتمدد في أرضنا باسم الحضارة الغربية من ثم هي مشروع في "الجغرافيا الثقافية" بامتياز.

هناك موازين للقوة الناعمة والسرديات وموازين للقوة الصلبة على الأرض؛ والذات العربية مشكلتها الكبرى هي عدم الاعتراف بأهمية وأولوية السردية الناعمة وتجاوز السرديات التي انسدت. هناك خلل في "تدافع السرديات الجيوثقافية" بين العرب والمسلمين وبين الصهيونية والغرب، ولا يمكنك الانتقال الاستراتيجي إلى حسابات القوة الصلبة دون امتلاك قوة ناعمة.

المعركة الحقيقية مع الجيوثقافية الصهيونية تكمن في الاعتراف بالانسداد التاريخي، والاتفاق على العمل من خلال سردية جديدة.

بعدها يمكن الانتقال للعمل على إعادة ضبط الموارد الاقتصادية، وإعادة تموضع القوة الصلبة العسكرية. انت تتحدث عن تدافع حضاري عالمي تحديدا عن "المسألة الأوربية" ووهم الحضارة الشمولية المطلقة، لن يمكنك مواجهة الصهيونية حقيقة إلا إذا تم تفكيك وهم الحضارة المطلقة ونظريات الصدام الحضاري، لذا فالبداية الحقيقية تبدأ من ظهور سردية جيوثقافية عربية إسلامية فاعلة تصلح لتكون "كتلة جيوثقافية ثالثة"، تستهدف في منظورها المستقبلي تجاوز المسألة الأوربية وظهور عالم ما بعدها.

10- أخيرا؛ ما بين الخشية من الانغلاق الثقافي وفاعلية الانفتاح على العالم، أين يقف مشروعك وما هي آفاقه؟

ما هو العالم؟ هل الانفتاح يعني الخضوع لنمط قيمي شمولي واحد والقبول بهيمتنه وسيادته بوصفه ذاتا مركزية متفوقة بمرجعيات دينية أو علمانية أو عرقية! وما هو الانغلاق على الذات؟ هل يعني احترام الجماعات البشرية المتنوعة لـ"مستودع هويتها" التاريخي والقدرة على إنتاج سرديات ومشاريع وجودية تتجاوز وهم النمط الحضاري المطلق الواحد الشمولي!

مشروعي ينتصر لفكرة التنوع الحضاري، وحق كل ثقافة في السيادة على جغرافيتها التاريخية. وربما أحيلك هنا لكتابي "الدبلوماسية الثقافية البديلة"، الذي طرحت فيه ضرورة تجاوز فكرة النمط الواحد في الدبلوماسية الثقافية، والسعي لتأسيس مزيج ثقافي عالمي جديد يتجاوز المركزية الثقافية وآلياتها التي طرحها الغرب وفنونه وآدابه وتقاليده.

أنا أدعو في هذا الكتاب للانفتاح العالمي والتمازج والتعارف وليس الإنغلاق أبدا، لتكوِّن جميع شعوب العالم الحرة مزيجا ثقافيا جديدا من تقارب "المكونات الثقافية" المختلفة وانفتاحها بعضا على بعض. والجغرافيا الثقافية الجوهرية هي مشروع عالمي لاحترام سيادة كل ثقافة فوق جغرافيتها، وتعارف هذه الثقافات وتقاربها وفق "النمط الحضاري للموجة الأولى" أي القبول بالموارد المتاحة والتصالح مع قيم الآخر وثقافاته، وليس وفق النمط الحضاري الغربي الراهن القائم على الصدام والتوسع باتجاه موارد الآخر، وتفكيك سرديته القيمية والقول بدونيتها وعدم صلاحيتها.

ختاما؛ إن مشروع الجغرافيا الثقافية الرابطة وفلسفته الجوهرية الاستراتيجية ليس مجرد استجابة للأزمة الراهنة، إنما هو رهان على قدرة الذات العربية كي تستعيد فاعليتها الحضارية؛ فالمستقبل لم يُكتب فيه السطر الأخير بعد، والجغرافيا العربية ستبقى دوما موطنا لأمة قادرة على إعادة إنتاج ذاتها، والانتقال من موقع الهامش والانكسار إلى موقع الشراكة الحضارية في العالم.