يتّجه الشارع الإسرائيلي نحو استحقاقٍ انتخابي مفصلي يأتي في أعقاب واحدة من أعقد الولايات الحكومية وأكثرها توترًا في تاريخ الكيان؛ إذ اندفعت حكومة بنيامين نتنياهو المتطرفة خلالها إلى المراهنة على خيارات سياسية وأمنية عالية المخاطر ساهمت في وضع النظام السياسي بأكمله أمام اختبارات وجودية متتالية.
وقد انعكست هذه السياسات في الانخراط المتواصل ضمن دوامة من الحروب المفتوحة والجبهات المشتعلة، بدءًا من الميدان في قطاع غزة، مرورًا بالاستنزاف العسكري على الجبهة اللبنانية والمواجهة المباشرة مع إيران، وصولاً إلى التصعيد الميداني المستمر في الساحة السورية، مما ألقى بظلال ثقيلة على البنية الداخلية واستقرار المؤسسات السياسية والعسكرية.
وتكتسب هذه الانتخابات المقرر إجراؤها في أكتوبر 2026 أهمية خاصة عند ربطها باستحقاق نوفمبر 2022؛ حيث أفضت تلك الجولة إلى مشهد معقد وتأخر طويل في حسم تشكيل الحكومة، قبل أن ينجح نتنياهو في تجديد سلطته عبر التحالف مع أطراف أقصى اليمين المتمثلة في إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، في مسارٍ قام على الابتزاز السياسي والتنازل الشديد لصالح القوى المتطرفة لضمان العودة إلى الدوار الحكومي.
ولا تقتصر أهمية الانتخابات على الساحة الإسرائيلية، إذ تترقب دول الشرق الأوسط توجهات الحكومة المقبلة بشأن الحرب في غزة، والقضية الفلسطينية، والعلاقات مع الدول العربية، إلى جانب الملفات الأمنية الممتدة من لبنان وسوريا إلى الأردن والخليج، كما أنها تجري في ظل انتقادات لأداء الحكومة، إلى جانب ملفات غلاء المعيشة والجريمة والفساد، هذه الحكومة التي أصبحت تواجه سؤالًا أكبر يتعلق بقدرتها على طلب ثقة الجمهور مجددًا.
رهانات البقاء: كيف يحاول نتنياهو هندسة المشهد للالتفاف على تراجعه
في المقابل، يخوض بنيامين نتنياهو معركته الانتخابية القادمة متسلحًا باستراتيجية سياسية وأمنية تقوم على المناورة واستثمار الأدوات السلطوية لتقليص الفجوة مع معسكر المعارضة؛ حيث يراهن بالدرجة الأولى على إعادة رسم الخريطة السياسية عبر خيارات ميدانية وسياسية تضمن له الاحتفاظ بقاعدته الصلبة داخل اليمين، وتضمن تفكيك تكتلات الخصوم قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع.
في خوضه للسباق الانتخابي القادم، يتسلح بنيامين نتنياهو وائتلافه الحكومي، المقترن باليمين المتطرف، برهان سياسي وأمني يعتمد بالكامل على إدارة المهل وتغذية الحروب المفتوحة؛ إذ تُحول هذه القوى الدم الفلسطيني والمجازر المرتكبة إلى رافعة انتخابية أمنية تُستغل لإعادة ترميم الشارع وإشغاله بتهديدات الوجود واستعراض القوة.

وتتعدّى هذه الدعاية مجرد المواجهة الميدانية لتتحول إلى استثمار سياسي يبرر فرض وقائع جديدة على الأرض، تتجسّد في الاستقطاب المباشر عبر توسيع الاستيطان بالضفة والتمهيد للضمّ الفعلي واقتطاع الأراضي والاحتلال الجاري لقطاع غزة، وتوسيع الشريط العازل في الجنوب اللبناني، والتصعيد المستمر والغارات المتكررة داخل الأراضي السورية، وصولاً إلى استحضار المواجهة المباشرة مع إيران لجعل الكيان في حالة استنفار دائم تخدم البقاء الحكومي.
ويرتكز نتنياهو في هذه الدعاية إلى قراءة متيقنة للمزاج العام داخل المجتمع الإسرائيلي، الذي تشير التوجهات غالبها إلى انزياحه المتصاعد نحو التطرف وتبنيه للأطروحات الأمنية والاستعمارية حيال القضية الفلسطينية ودول الجوار. ويكرس الائتلاف الحاكم هذا الواقع عبر مخاطبة الغريزة الأمنية للجمهور، وافتراض أنّ استمرار الحسم العسكري والبطش وتغيير الخرائط الإقليمية بالقوة هي الورقة الأوفر حظًا لإقناع الناخب الإسرائيلي واستعادة زمام المبادرة قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع.
في هذا السياق، يقول الكاتب والباحث في الشأن الإسرائيلي حلمي موسى في حديث لـ"بوابة الهدف الإخبارية"، إنه وعلى الرغم من التراجع الملحوظ في شعبية بنيامين نتنياهو وحزب "الليكود" بحسب استطلاعات الرأي الأخيرة، إلا أنه لا يمكن إغفال نجاحهما الممتد في ترسيخ رؤيتهما الإيديولوجية وتوجيه الشارع الإسرائيلي نحو يمين أشد تطرفاً من أي وقت مضى.
ويوضح موسى أن السخط الجماهيري الحالي لا يعود في جوهره إلى الإخفاقات العسكرية أو السياسية بحد ذاتها، بل يتصل أكثر بآليات إدارة الحكم والتململ من استئثار نتنياهو بالسلطة لسنوات طويلة.
تحالفات بيغاد، وقائمة يشار.. حراك المعارضة يقض مضجع الائتلاف
تتجه الأنظار نحو الخريطة الانتخابية المتشكلة داخل معسكر المعارضة الإسرائيلية، حيث يسعى الخصوم التقليديون والمنافسون الجدد لإعادة رسم التحالفات وصياغة قوائم جديدة قادرة على كسر هيمنة اليمين وقطع الطريق أمام تجديد ولاية بنيامين نتنياهو؛ وتُبرز التحركات الأخيرة محاولات جادة لإعادة تنظيم الصفوف، سواء عبر التحالفات الثنائية أو إطلاق تشكيلات حزبيّة مستقلة تسعى لاستقطاب أصوات الوسط واليمين الليبرالي والمحايدين.
تتوجت تحركات معسكر المعارضة الإسرائيلية بعقد اجتماع حاسم في "تل أبيب" ضم قادة خمسة أحزاب رئيسية، هي: "هناك مستقبل" برئاسة يائير لبيد، و"يشار" بقيادة غادي آيزنكوت، و"معاً" برئاسة نفتالي بينيت، و"إسرائيل بيتنا" بقيادة أفيغدور ليبرمان، إلى جانب "الديمقراطيين" برئاسة يائير غولان. وتوصل الاجتماع إلى التزامات حازمة بوقف الهجمات الإعلامية المتبادلة وتنسيق الجهود الانتخابية تحت مظلة ما يسمى "كتلة التغيير"، في محاولة لرفع نسبة التصويت وتحقيق أغلبية برلمانية تتجاوز عتبة الـ 60 نائبًا لإسقاط حكومة بنيامين نتنياهو.

وشهد التفاهم توقيع وثيقة مبادئ وتنظيم عمل الكتلة عبر ثلاثة فرق مشتركة؛ ركّزت الأولى على رفع نسب المشاركة وضمان نزاهة العملية الانتخابية، بينما تولت الثانية وضع الخطوط العريضة للحكومة البديلة، شاملةً سن قانون للعدالة في تحمل الأعباء وتشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث السابع من أكتوبر 2023 والصياغة المباشرة للدستور وتأطير ولاية رئيس الوزراء وضبط خطة المئة يوم الأولى، فيما خصصت المجموعة الثالثة لمواجهة حملات التشهير والروايات المضادة.
أثار هذا الاصطفاف غضباً واسعًا لدى نتنياهو وحلفائه في اليمين، حيث هاجم رئيس الوزراء التكتل بشدة، مستخدمًا الورقة التحريضية عبر ادعاء سعي المعارضة لتشكيل حكومة تستند إلى دعم الأحزاب العربية، ونشر استهدافات إعلامية تستحضر قيادات عربية مثل منصور عباس وأحمد الطيبي للضغط على الناخب اليميني، وهو ما زاد من حدة الاستقطاب لا سيما عقب قرار لجنة الانتخابات المركزية تصديق شطب القوائم العربية لمنعها من خوض السباق البرلماني.
تأتي هذه التحالفات لتجاوز حالة التباين الداخلي التي ظهرت سابقًا بين أقطاب الكتلة، خصوصًا الخلافات المعلنة بين آيزنكوت وبينيت وليبرمان حول آليات تسمية المرشح لرئاسة الحكومة، حيث اتفق الجميع على إرجاء حسم اسم الشخص الأول والتركيز الكامل على حشد الأصوات الانتخابية؛ وهي خطوة أبدى نفتالي بينيت ثقة عالية بفاعليتها، مؤكداً قدرة التكتل الائتلافي الجديد على حصد 63 مقعدًا على الأقل وحسم تشكيل الحكومة القادمة.
آيزنكوت وبينيت يربكان معادلة نتنياهو
يتصدر المشهد منافسان رئيسيان يخوضان السباق عبر أطر حركية وحزبية جديدة، وهما رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت من خلال تحالف "بيغاد - معاً" (المتشكل بالشراكة مع يائير لبيد رئيس حزب "يش عتيد")، ورئيس أركان الجيش السابق غادي آيزنكوت عبر حزبه الجديد "يشار - إلى الأمام/مستقيم"؛ حيث يتطلع كلا المعسكرين إلى تقديم بديل أمني وسياسي قادر على امتصاص حالة الشارع والتأثير في موازين القوى الانتخابية القادمة.
وتظهر استطلاعات الرأي تقدم حزب يشار في عدد من القياسات، مقابل منافسة قوية من حزب الليكود بزعامة نتنياهو، فيما لا تزال صورة الكتل البرلمانية غير محسومة، ما يجعل شكل الائتلاف الحكومي المقبل مرتبطًا بنتائج الأحزاب الأخرى، حسبما أفادت جيروزاليم بوست الإسرائيلية الأحد 27 سبتمبر 2026.
وبحسب آخر استطلاع أجرته صحيفة "معاريف" العبرية الجمعة الفائتة، فقد جدد الإسرائيليون استبعاد نتنياهو من رئاسة الحكومة المقبلة، كما أن حزب الليكود لن يستطيع حصد العدد الأكبر من المقاعد في "الكنيست".
وفق الاستطلاع، فإن الأحزاب الصهيونية في المعارضة ستحصل مجتمعة على 55 مقعدًا، وأحزاب الائتلاف مع حزب "عمخا يسرائيل" على 49 مقعدًا، والأحزاب العربية على 12 مقعدًا، وستحصل قائمة توصف بأنها "عناصر الاحتياط والاقتصادية" على 4 مقاعد.
وتوقع الاستطلاع أن يحصل حزب "يشار" برئاسة غادي آيزنكوت: 22 مقعدًا، في حين يحصل حزب الليكود برئاسة بنيامين نتنياهو: 18 مقعدا، بينما قائمة "بِياحد" برئاسة نفتالي بينيت: 13 مقعدًا، كما قال 47% أن آيزنكوت أنسب لتولي منصب رئيس الحكومة مقابل نتنياهو الذي حصل على 39%.، كذلك اعتبر 46% أن بينيت أنسب لتولي منصب رئيس الحكومة من نتنياهو الذي حصل على 42%
في هذا الإطار، يقول الباحث في الشأن الإسرائيلي حلمي موسى خلال حديثه مع "الهدف"، ِإنّ الاستطلاعات باتت تركز على صراع "المعسكرات" المتوازية بدلاً من قوة الأحزاب أو القيادات الفردية، وتُظهر حالة من التعادل الاستقطابي بين المعسكرين، لا سيما مع الرفض المعلن من الطرفين للارتكاز على الأصوات العربية.
ويشير موسى خلال حديثه مع إلى أنّ خصوم نتنياهو أو المعسكر المناهض له سيستغلون التراجع الدبلوماسي الذي تحظى به "إسرائيل" في الفترة الأخيرة، وحالة العزلة الدولية التي أصبحت تشوب صورة الكيان في الحملة الانتخابية، معتبراً أنّ أثر ذلك محدود؛ اذ أنّ أغلب قادة المعسكر المناهض لنتنياهو لا يختلفون معه فيما يفعل سياسيًا وعسكريًا.
ويرجع موسى هذه النظرة إلى أن الشائع في "إسرائيل" حتى في ذروة قوتها ومكانتها العالمية القول بأنّ العالم كله يقف ضدها، على الرغم من أنّ الوضع الحالي أسوأ فعليًا، لكن يُنظر إلى أفعال الحكومة والجرائم التي ترتكبها هنا وهناك على أنّها أفعال مشروعة ضد من يريدون إبادة اليهود.
الواقع السياسي والأمني المنتظر من خصوم نتنياهو
ويضيف الكاتب حلمي موسى في هذا السياق أنّ المعارضة الاسرائيلية بأغلبيتها الساحقة هي من طينة نتنياهو نفسها، فقد كان ليبرمان ونفتالي بينت على الدوام يناوران على يمين نتنياهو داخل حزبه وخارجه، أما آيزنكوت فهو مجرد صورة منقحة عن نتنياهو يحاول تغليف الأيديولوجيا اليمينية برداء أمني، لكن الوحيد بين قادة المعارضة زعيم الديمقراطيين يائير غولان من يحمل رؤية مختلفة بعض الشيء، على الرغم من تبنيه بعض رؤى اليمين لجهة التشدد الأمني.
وأشار إلى وجود خلافات عميقة داخل ائتلاف المعارضة حول زعامة المعسكر، وبينت وليبرمان ولبيد يرفضون حتى الآن الإقرار بأن يكون رئيس الحزب الأكبر زعيما للمعارضة. وجميع هؤلاء بانتظار نتائج الانتخابات التي يرى البعض أنها قد تفجر صراعاً شديداً داخل المجتمع الاسرائيلي.
ويخلص الباحث حلمي موسى في ختام حديثه مع "الهدف"، إلى أنّه ليس متوقعًا أن تتغير السياسة الإسرائيلية فورًا أو قريبًا حال تغيير نتنياهو، وسيجد الكثيرون في العالم مبررات للقول بوجوب منح المعسكر المناهض لنتنياهو فرصة لبلورة سياسته، ولكن على الصعيد الفلسطيني والعربي لا يبدو أنّ معارضي نتنياهو يحملون جديداً.
في المحصلة، تجري هذه السباقات الانتخابية والتجاذبات المحمومة بين أقطاب السياسة الإسرائيلية تحت سقف عقائدي واحد لا يطرأ عليه أي تغيير جوهري؛ فالرهان الفلسطيني والعربي على هوية الفائز لا يعدو كونه واهمًا أمام حقيقة أن المنظومة الاستعمارية برمتها—يمينها ووسطها والمعارضة—تقوم على العقيدة ذاتها القائمة على سلب الأرض، واستباحة الدم الفلسطيني، ومناهضة حقوق الشعب في تقرير مصيره، وممارسة العداء تجاه الإقليم للحفاظ على البقاء والسيطرة.
غير أنّ هذه الصراعات المحتدمة والانقسامات الداخلية المفتوحة تجسد حقيقة عميقة؛ إذ تظهر جليًا هشاشة البنية السياسية والمجتمعية للكيان الصهيوني، وتكشف حجم التفكك البنيوي الذي يعيشه على أمد تاريخه، وعليه؛ فإنّ عجز أي من المعسكرين عن حسم خياراته دون استنزاف المقومات الأمنية والعسكرية والسياسية، يؤكّد أنّ الصراع الداخلي حول هندسة الحكم والنجاة من الأزمات المتلاحقة ليس إلا تعبيرًا عن أزمة وجودية متجذرة تتسع رقعتها مع كل محطة انتخابية.

