Menu

موسم لِجداد: حكاية في مواجهة الاقتلاع

رانية زكريا لصوي

بوابة الهدف

ليست زراعة عابرة، بل إعادة صياغة الوجود، صرخة بقاء نكتبها بالدماء فوق تراب لا يقبل القسمة إلا على أصحابه. العلاقة مع هذه الأرض مقدسة، تشبه دقات القلب في طمأنينتها، فللأرض الفلسطينية تقويمها الخاص، رزنامة سماوية لا تخلف الميعاد أبدًا.

الحكاية

بدأ موسم الزراعة وتقويم الفلاحين في منتصف شهر أيلول، بعد موسم التين والعنب، تروي الأرض "شتوة المساطيح" أولى القبلات وأوائل الغيث، ليبدأ "موسم لِجداد " الممتد بين شهر تشرين الأول والثاني، الأجرد الأول والثاني، يكتنز الزيت بالثمار ويبدأ أبو المواسم، موسم الزيتون.

شهر تشرين، أول شهور السنة السريانية، نظام شمسي تاريخي لا يزال في وجدان ابن الأرض، في القصص والحكايا، تعتمد عليه الرزنامة الشعبية في بلاد الشام، التقويم الفلاحي الهوية المكتوبة بلغة المطر، ذاكرة الأرض والإنسان، وقصة الحب الأبدية التي تجعل من كل حبة زيتون وثيقة ملكية أبدية، وسداً منيعاً في وجه عواصف الاستيطان والتهجير.

موسم الزيتون... موسم الرزق، وكل المؤجل والمُرحل، زواج أو بناء بيت وحتى سداد دين، حبة الزيتون الي وقعت من السنة الماضية خيرها فيها وبقولوا "بنت السنة وبنت العام اللي ما بتصير زيت، بتصير جفت" لحرص الفلاح الفلسطيني على خير الأرض وكل حبة زيتون فيها، يغني الفلسطيني وبقول:

زيتوني أطيب عروس، ما بتثمن بالفلوس

تحميني الفقر والبوس، ومن شر اليوم العبوس

الـــــقهر

موسم شعبي عائلي يُعبر عن التعاون وتقاسم الخير، العلاقة بين الإنسان والأرض أكثر ما يحاول العدو الصهيوني استهدافه، فطبيعته استعمار استيطاني إحلالي، يعمل على إحلال المستوطن الاسرائيلي مكان ابن الأرض الفلسطيني، وخلق علاقة بينه وبين الأرض المحتلة. لكن موسم لِجداد، لم يعد موسمًا للرزق والفرح وحدهما؛ فقد صار موعدًا تتجدد فيه الاعتداءات، وتتحول فيه رحلة القطاف إلى مواجهة من أجل الوصول إلى الأرض والبقاء فيها. وفي وجه ذلك، يرفع الفلسطيني صوته بالأهازيج، مستمدًا من الأرض كلمات الصمود، ويغني:

يا زيتون الطابق يا أصل بلادي ... جذرك بالصخر وماله نفادِ
لو يجيبوا الجرافة والمستوطنين... رايحين نجدّك ونغيظ الأعادي

يا زيتون إحنا رجالك.. والمستوطن ما بنهابك!

لو قلعوا السنسلة والشجر.. بنظل مزروعين على بوابك!

يا مستوطن برّة برّة ... هذي الأرض حُرّة حُرّة
لو بتجيب الجيش بحاله ... الزيتونة بتظل خضرا

تبدلت الكلمات على وقع الاعتداءات، كان الفلاح يقول: يا ترى السنة "ماسيه" ولا "شلتونه" "قحط". كانت تتغير المواسم وللزيتون خصوصيته، المعاومة، سنة خير وسنة قلة.

أما اليوم فيبدا الفلاح بسؤال: هل الطريق مفتوح؟ المستوطنين هناك؟ الجيش معهم؟ طيب في حد من المتضامنين معنا؟ في صحافة؟

وحال غده يقول: هل سأعود غدا؟ هل سأجد المحصول؟ هل سأجد الشجرة نفسها؟

الاقتلاع

في غزة صار الزيت أحمر، وسال الدم قبل أوان القطاف، الأرض ذابت مثل كل شيء ذاب وتبخر حتى البشر، في غزة كانت مساحة أراضي الزيتون خمسين ألف دونم، اليوم بقي منها خمسة آلاف دونم فقط.

في غزة كان فيه مليوني شجرة زيتون، اكلها الاحتلال وبقي منها مائة وخمسين ألف شجرة. في غزة الأراضي الزراعية صارت خلف الخط الأصفر، لا يصلها الفلاح، وللعلم حتى عدد المزارعين والعاملين في غزة انخفض عددهم بشكل حاد بفعل الإبادة، لم يبقَ سوى اعداد قليلة جدا.

موسم الزيتون لا يعتبر موسم واحد، بل يخسر سنوات من العمل، مصدر الرزق، وجزء من ذاكرة المكان؛ فشجرة الزيتون التي تحتاج على سنوات طويلة حتى تعطي ثمارها، لا يمكن تعويضها بمجرد غرس شتلة جديدة.

الـــــحقيقة

لخّص الروائي مريد البرغوثي مكانة الزيتون في الوجدان الفلسطيني، حين كتب :" الزيتون في فلسطين ليس مجرد ملكية زراعية، إنه كرامة الناس، هو نشرة أخبارهم الشفهية، حديث مضافاتهم في ليالي السمر، بنكهم المركزي ساعة حساب الربح والخسارة، نجم موائدهم ورفيق لقمتهم، هو بطاقة الهوية التي لا تحتاج إلى أختام ولا صورا ولا تنتهي صلاحيتها بموت صاحبها، تظل تدل عليه، تحفظ اسمه وتباركه مع كل حفيد جديد وكل موسم جديد. زيت الزيتون بالنسبة للفلسطيني هو هدية المسافر، اطمئنان العروس، مكافأة الخريف، ثروة العائلة عبر القرون، زهو الفلاحات في مساء السنة، و غرور الجرار"

وهناك في قرية الولجة تقف شجرة الزيتون المعمّرة، المعروفة بشجرة البدوي أو الحصن، ويقال لها ام الزيتون، عمرها يصل الى 5000 عام وربما اكثر، راسخه ومتجذّرة في الأرض، شاهده على الحكايا والقصص المعمدة بالدماء. تعرف زارعها وساقيها، تعرف مواسمها وتقويمها، تحفظ حكايات من مرّوا بها وتركوا في ظلالها شيئا من أعمارهم.

قصة الأرض والصمود الثابته والمتجددة في كل عام مع كل موسم جداد، شاهداّ على بقاء هذا الفلسطيني، وما الحوار الذي انتشر مؤخرًا بين فلاح فلسطيني ومستوطِن إلا صورة من صور هذا الصراع على الأرض ومعناها، وعلى حق الفلسطيني في البقاء فيها.

نحن لا نقطف الثمار فقط وحدها، بل نجدد الحكاية، ونستعيد الذاكرة، نتمسك بالأرض والحق. قد تقتلع شجرة، ويحرم فلاح من الوصول الى أرضه، لكن الحكاية تظل ممتدة مادام هناك من يرويها، ومن يزرع، ومن يعود. ولن ينتهي هذا الصراع إلا بتحرير الأرض والإنسان.