حفلت الساحة الفلسطينية على مدى الأسابيع الماضية بلقاءات بين حركة فتح والفصائل الفلسطينية في القاهرة، من ضمنها لقاء وفد من اللجنة المركزية لحركة فتح مع وفد من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بخصوص إجراء الانتخابات، وفق مرسوم رئيس السلطة الفلسطينية الذي أكد إجراء الانتخابات في الضفة والقطاع في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني القادم، والتي جرى تأجيلها إلى سبتمبر/ أيلول 2027.
وحرصاً من الجبهة الشعبية على الوحدة الوطنية في هذه المرحلة، أطلقت مبادرة لقيت ترحيباً من حركة حماس وبقية الفصائل، تدعو إلى ما يلي:
-
إطلاق حوار وطني شامل يضم مختلف القوى والفصائل وصولاً إلى اجتماع للأمناء العامين، للاتفاق على استراتيجية وطنية وبرنامج سياسي مشترك وقواعد للشراكة الوطنية.
-
إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير على أسس ديمقراطية، وتشكيل مجلس وطني جديد لفترة انتقالية، إلى جانب حكومة توافق وطني موحدة تتولى توحيد المؤسسات في الضفة الغربية وقطاع غزة.
-
التحضير لانتخابات رئاسية وتشريعية وانتخابات للمجلس الوطني بصورة متزامنة، ومن دون اشتراطات مسبقة للمشاركة.
والحوار الفلسطيني يستهدف، بالإضافة إلى عناصر مبادرة الجبهة الشعبية، ملف انضمام حركتي حماس والجهاد الإسلامي إلى منظمة التحرير الفلسطينية.
شروط الإذلال لإنهاء الانقسام
تلا هذه المبادرة لقاء بين وفد من حركة فتح ووفد من حركة حماس، طرح فيه وفد فتح الشروط السبعة لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لإنهاء الانقسام، وهي شروط مهينة تعني في التحليل النهائي شروط إذلال لعموم فصائل المقاومة؛ من زاوية التخلي عن برنامج المقاومة والتحرير، والخضوع لبرنامج السلطة الذي يعترف بحق "إسرائيل" في الوجود، ويؤكد نبذ العنف (المقاومة) والتساوق مع الشروط الصهيو-أمريكية، وأن يكون التنسيق الأمني مع الاحتلال في غزة تماماً كما هو الحال في الضفة الغربية المحتلة.
وقد تمثلت هذه الشروط فيما يلي:
-
إنهاء مفرزات الانقلاب وتبعات السيطرة في قطاع غزة.
-
الالتزام بالنظام الواحد، والقانون الواحد، والسلاح الشرعي الواحد.
-
الالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية وبرنامجها، بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
-
الالتزام بالمقاومة الشعبية السلمية كوسيلة للنضال في المرحلة الحالية.
-
الالتزام بالحل السياسي المبني على "حل الدولتين"، والمستند إلى قرارات الشرعية الدولية (إقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967).
-
تشكيل حكومة تكنوقراط (حكومة كفاءات مركزية) بقرار من الرئيس محمود عباس، تتولى مهامها وإدارة الشؤون في الضفة الغربية و القدس الشرقية وقطاع غزة.
-
حصرية المفاوضات السياسية بشأن التوصل إلى اتفاق سلام شامل ليكون من مسؤولية منظمة التحرير الفلسطينية وحدها.
لا تضعوا رؤوسكم في الرمال
بخصوص ما تقدم، لا بد من تسجيل ملاحظات أساسية أبرزها:
-
تتصرف الفصائل في حوارات القاهرة وكأن الساحة الفلسطينية تعيش مرحلة استقرار على الصعيد الداخلي الفلسطيني وحالة تهدئة في الصراع مع قوات الاحتلال، وتتجاهل حقيقة أن مياهاً عادمة كثيرة جرت منذ معركة طوفان الأقصى في العلاقة بين فصائل المقاومة والسلطة الفلسطينية وحزبها (حركة فتح).
-
تتجاهل الفصائل حقيقة أن الطوفان والعدوان على قطاع غزة خلقا حالة كبيرة من الفرز الوطني، لا سيما وأن قيادة السلطة وقفت في الخندق المناهض للمقاومة، وصمتت عملياً عن العدوان على قطاع غزة، وعملت خلال الحرب على إضعاف الجبهة الداخلية للمقاومة في قطاع غزة، ناهيك عن أنها حالت دون انتفاضة فلسطينية في الضفة لتخفيف الضغط عن قطاع غزة.
-
والأخطر من ذلك أن قيادة السلطة الفلسطينية، بدلاً من التواصل مع فصائل المقاومة في قطاع غزة، واصلت تواصلها مع حكومة العدو؛ ووصلت الأمور إلى أن أمين سر منظمة التحرير حسين الشيخ —ضابط الاتصال مع حكومة العدو— تواصل مع القيادات الأمنية الإسرائيلية خلال العدوان على قطاع غزة وقدم لها خطة بشأن تمكين السلطة من حكم القطاع لضبط الأمور الأمنية فيه على النحو القائم في الضفة، ما يستدعي تراجع نتنياهو عن موقفه بشأن رفض "فتحستان" و"حماستان" وعدم المساواة بينهما.
-
تجاهلت فصائل المقاومة، المشغولة بقضية الحوار، حقيقة استمرار السلطة الفلسطينية بنهج التنسيق الأمني ودورها في إجهاض المقاومة في شمال الضفة الغربية. وفي الذاكرة —على سبيل المثال لا الحصر— الدور الذي لعبه الأمن الفلسطيني في إجهاض المقاومة في مخيم جنين عندما حاصر المخيم لمدة 45 يوماً وهاجمه بمختلف أنواع الأسلحة، مما سهل مهمة العدو في اجتياحه وتجريفه فيما بعد وتهجير سكانه، حيث تكرر الأمر لاحقاً في مخيمي طولكرم ونور شمس وتهجير المواطنين الفلسطينيين منهما.
-
تتجاهل فصائل المقاومة حقيقة أن قيادة السلطة أجهضت المبادرة الجزائرية واتفاق بكين، وأنها اشترطت على الفصائل في لقاء العلمين —أثناء العدوان الصهيو-أمريكي على قطاع غزة— التخلي عن المقاومة المسلحة والالتزام بما التزمت به قيادة المنظمة والسلطة، ومن ضمنها الاعتراف بحق "إسرائيل" في الوجود ونبذ العنف "المقاومة".
واللافت للنظر أن قيادة السلطة باتت تتشفى بحركة حماس وببقية فصائل المقاومة جراء ما آلت إليه الأمور في القطاع بعد خطة ترامب وتشكيل مجلس السلام المزعوم الذي شكل غطاءً لاستمرار العدوان على القطاع بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، ووصلت الأمور بهذه القيادة إلى أن تطالب حركة حماس بالاعتذار للشعب الفلسطيني عن معركة طوفان الأقصى، التي تمثل الصفحة الأكثر إشراقاً في تاريخ القضية الفلسطينية منذ نكبة 1948.
سؤال التحديات والإجابة عليه
قد يقول البعض إن التحديات الراهنة للقضية الفلسطينية في غزة والضفة تقتضي الوحدة وإنهاء الانقسام وإعادة بناء منظمة التحرير.. إلخ، وعدم الوقوف أمام الملاحظات سالفة الذكر، لكن هذا الطرح يمكن القبول به في ظل بعض الضوابط والاشتراطات، أبرزها:
-
أن تتراجع قيادة السلطة والمنظمة عملياً عن نهج التنسيق الأمني مع الاحتلال الصهيوني.
-
أن تعلن إلغاءها اتفاقيات أوسلو وكافة الاتفاقيات المشتقة منها.
-
أن تتحمل مسؤولية حماية الشعب الفلسطيني من عدوان قوات الاحتلال والمستوطنين في الضفة الغربية، وأن تتصدى للاستيطان الزاحف الذي بات يلتهم 42% من مساحة الضفة الغربية و90% من منطقة الأغوار، وأن تتصدى لاعتداءات قطعان المستوطنين اليومية على القرى والبلدات الفلسطينية وخطة الضم والتهجير؛ لا سيما أن لديها 75 ألف رجل أمن ينحصر دور معظمهم في ضرب المقاومة والاختفاء الفوري حال دخول قوات الاحتلال والمستوطنين المدن والقرى الفلسطينية.
وذكِّر إن نفعت الذكرى
تعلم الفصائل جميعها أن قيادة السلطة لن تنفذ ما يُقدَم من ضوابط واشتراطات، بحكم أن نهجها سالف الذكر بات بمثابة أيديولوجيا تلتزم بها قيادة السلطة بحكم بنيتها الطبقية والدور المناط بها إسرائيلياً وأمريكياً وفق المنظور الصهيو-أمريكي في اتفاقيات أوسلو. ومن المفيد إنعاش ذاكرة الفصائل بهذا الصدد بالتذكير بما يلي:
-
أن قيادة السلطة لم تلتزم بقرارات المجلس المركزي الفلسطيني عام 2015 وقرارات المجلس الوطني عام 2018 بشأن إلغاء التنسيق الأمني مع الاحتلال والتراجع عن اتفاقيات أوسلو واتفاق باريس الاقتصادي وبقية الاتفاقات الموقعة مع الاحتلال، وتعاملت مع هذه القرارات كتوصيات تم إلقاؤها في سلة المهملات.
-
أن قيادة السلطة لم تلتزم بنتائج اجتماع الأمناء العامين في بيروت ورام الله بتاريخ 3 سبتمبر/ أيلول 2020، الذي جرى التوافق فيه على إلغاء أوسلو والتنسيق الأمني وإنهاء الانقسام وتشكيل قيادة موحدة للمقاومة الشعبية، لكن نتائج هذا الاجتماع تبخرت لحظة فوز بايدن في الانتخابات الرئاسية وعادت حليمة لعادتها القديمة.
-
تراجع قيادة السلطة عن اتفاق القاهرة وميثاق الشرف المنبثق عن اجتماع الأمناء العامين في 8 فبراير/ شباط و17 مارس/ آذار 2021، الذي يقضي بإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية في مايو/ أيار 2021 بذرائع تتعلق بعراقيل الاحتلال الإسرائيلي لمنع التصويت في القدس، وبدون الرجوع لأمناء الفصائل؛ إذ جاء هذا التراجع بعد تأكد قيادة السلطة وفتح من عدم توفر إمكانية فوزها المطلوب في الانتخابات، في مواجهة قائمة الحرية التي شكلها القياديان الفتحاويان مروان البرغوثي وناصر القدوة، وفي مواجهة قائمة حماس وقوائم بقية الفصائل.
فقه الأولويات
في ضوء ما تقدَّم من حقائق دامغة، أرى كغيري أنه يتوجب على فصائل المقاومة أن تركز على أولويات العمل الوطني في هذه المرحلة، لا أن تهرب إلى الأمام بالحديث عن حوار شامل لن يفضي إلى أي شيء سوى الفشل في ضوء اشتراطات قيادة السلطة الفلسطينية. إذ إن أولويات العمل الوطني في هذه المرحلة تتمثل في العديد من المهمات، أبرزها:
-
العمل على تشكيل جبهة وطنية عريضة تضم الفصائل الملتزمة بنهج المقاومة وشخصيات وطنية وممثلين عن المؤسسات الوطنية والاجتماعية والنقابية في الداخل والشتات.
-
أن تضع هذه الجبهة برنامجا عملياً لتجاوز المأزق الناجم عن خطة ترامب ومجلس السلام المزعوم، الذي بات يغطي تنصل الاحتلال من الالتزامات المترتبة عليه وعلى رأسها وقف العدوان على قطاع غزة، وفتح المعابر لإيصال الإمدادات الغذائية والدوائية والخيم والكرفانات ومعدات إزالة الأنقاض.
-
العمل على تشكيل قيادة موحدة للحراك الجماهيري في الضفة الغربية بعد وصول الأمور إلى نقطة التأزم العليا المفجرة للانتفاضة، ممثلةً بعناصر خطة الضم والتهجير وأدواتهما من استيطان واعتداءات يومية للمستوطنين وتضييق اقتصادي، ناهيك عن عمليات القتل والاعتقال اليومية في الضفة الغربية.
-
التشبيك المستمر مع القوى الحية في الدول الغربية، من أجل مواصلة مسيرات التضامن مع الشعب الفلسطيني في مواجهة حرب الإبادة في قطاع غزة وخطة الضم والتهجير في الضفة.
وأخيراً، المطلوب مواصلة التواصل والتفاعل مع أطراف محور المقاومة التي دعمت المقاومة وقدمت آلاف الشهداء دفاعاً عن غزة، بدلاً من إضاعة الوقت في حوارات غير مجدية مع طرف يرفض نهج المقاومة ومصرٌّ على ذات البرنامج الذي وضع قضيتنا على مذبح التصفية؛ طرف كان ينتظر إنهاء المقاومة في قطاع غزة ليتمكن من حكمه في سياق توفير الضمانات لأمن الاحتلال.

