التقديرات الأمنية الإسرائيلية لاعمال المقاومة الميدانية المستمرة للشهر السادس على التوالي هي أنها ("انتفاضة ثالثة، مظهرها العام أعمال فردية"، "سوف تستمر"، و"لا حلول سحرية لها"). لكن مع هذا ما زالت سياسة إسرائيل على حالها، ولم تتراجع قيد أنملة لا عن تسريع عمليات الاستيطان والتهويد، ولا عن الإمعان في الاستباحة الشاملة لكل ما هو فلسطيني. هذا يعني أن التقديرات الأمنية هنا، يمكن أن يُبنى عليها مقاربات سياسية إسرائيلية شتى، لكن ليس بينها مقاربة تقر بأنه لا حل لهذا الاشتباك الانتفاضي الميداني، (القابل للتجدد حتى لو تم إخماده أو إجهاضه)، من دون تحقيق إنجازات سياسية، أدناها إنهاء الاحتلال، بمظاهره السياسية والعسكرية والأمنية والاستيطانية والاقتصادية، عن كامل الأراضي التي أُحتلت في العام 67. فحتى حزب العمل الصهيوني "المعارض"، لم تدفعه هذه التقديرات الأمنية "المرعبة" إلى التمسك بتأييده النظري لما يسمى "حل الدولتين"، بل إلى التخلي عنه، بذريعة مصاعب تطبيقه، حيث طرح، في الآونة الأخيرة، خطة للانفصال من طرف واحد يتم، بموجبها، التخلص من فلسطينيي القرى المحيطة بـ" القدس الشرقية"، ومن "خطرهم الديمغرافي" على، "مقدس" الأحزاب الصهيونية كافة، "القدس الموحدة" "عاصمة أبدية لدولة إسرائيل". أما برنامج حزب الليكود الحاكم بائتلاف مع أحزاب صهيونية علمانية ودينية أشد منه تطرفاً وفاشية، فكان ولا يزال: ("سلطة واحدة من البحر إلى النهر").
هذا يعني أن إسرائيل، "سلطة" و"معارضة"، لا ترفض تطبيق القرارات الدولية المتعلقة بالصراع، فحسب، بل ترفض أيضاً، حتى التخلي عن الضفة، وقلبها القدس، وهو ما ينسف، من الأساس، فرضية أن احتلال إسرائيل للضفة وقطاع غزة، كان بهدف المساومة لكسب الاعتراف بها على حدود 48، كفرضية انبنت عليها، ولا تزال، رهانات التفاوض لتحصيل هدف دولة فلسطينية مستقلة على "حدود 67"، بوصفه اكثر الأهداف الفلسطينية القابلة للتحقيق، مقارنة بتحقيق عودة اللاجئين إلى ديارهم التي شردوا منها، والاعتراف بالهوية الوطنية لـ"فلسطينيي 48"، كهدفين يخصان المركبيْن الأساسييْن للمشروع الوطني الفلسطيني، ولا يتحققا إلا بتفكيك النظام العنصري الإقصائي الاحلالي للمشروع الصهيوني الذي قامت عليه إسرائيل، ولا يزال يحكم سياساتها التوسعية العدوانية ويتحكم بها. أما عن إجبار إسرائيل على إنهاء احتلالها لـ"مناطق 67"، فغير وارد، طالما أنه مشروع رابح، وثمنه المدفوع ليس كبيراً، ويمكن مكابدته. فحتى عندما أُجبِرت، تحت الضغط، على إخلاء قطاع غزة، أخلته من طرف واحد، وأساساً لتعديل الميزان الديمغرافي، واستبقت السيطرة على حدوده وسمائه وبحره، واندفعت بصورة جنونية، ووتيرة غير مسبوقة، لاستكمال تهويد القدس، وابتلاع ما تبقى من الضفة، (خصوصاً منطقة "ج" التي تشكل 60% من مساحتها). لكن الشعب الفلسطيني الذي لم يعرف الاستسلام، ولم يكف عن القتال، ويتمتع، (كأي شعب يخضع لاحتلال أجنبي)، بوطنية متقدة، ونفس طويل، استعاد زمام المبادرة، وأطلق، بوحدة ميدانية، اشتباكه الانتفاضي المستمر، وأعلن، جهاراً نهاراً، أن ثمة خياراً آخر للخلاص من الاحتلال.
كل ما تقدم يزيد مشروعية السؤال: لئن كانت هذه هي حال الصراع، وهي كذلك بامتياز، وبلا ريب أو شك، فلماذا، إذاً، يستمر، حتى الآن، التردد، أو التلكؤ، أو الممانعة، في بناء الركائز الوطنية، السياسية والتنظيمية والثقافية والاقتصادية والمعنوية، اللازمة لقيادة هذا الاشتباك الميداني، وتوجيهه، وتنظيمه، وحمايته، وبرمجة فعالياته، وتطويره، وتحويله إلى محور عمل للكل الوطني، أي إلى خيار سياسي وطني، موحَّد وموحِّد، لإدارة الصراع مع الاحتلال؟! في الإجابة على هذا السؤال المُحيِّر، هناك كُثر يقولون، لأسباب ونوايا ومقاصد مختلفة، إنه من غير المجدي، أصلاً، تنظيم أعمال المقاومة، بدعوى أن طابعها الشعبي الفردي هو ما يُعْجِز الاحتلال عن وقفها، ويحول دون إدخالها في توظيفات الانقسام الداخلي. لكن هذه المقاربة غير صحيحة، ولا تعدو كونها "تقديساً للعفوية"، وتغطية للعجز، ذلك لثلاثة أسباب أساسية، أولهما أن أعمال المقاومة، هنا، ليست كلها فردية، وثانيهما أن الطابع الفردي لأغلبها، غير ناجم عن قرار واعٍ توافقت عليه الفصائل ضمناً أو صراحة. أما ثالثهما، وهو الأهم، فيتمثل في أن ترك الاشتباك الانتفاضي الحالي يسير، وفقاً لعفويته ومظهره العام الفردي، هو أمر يختلف تماما، (مثلاً)، عما حصل لانتفاضة 87، عندما اتفق الكل الوطني على موقف الحفاظ على مظهرها الشعبي العام العارم، للإبقاء على تفوقها السياسي والأخلاقي على الاحتلال، والحيلولة، ما أمكن، دون لجوء جيشه الباغي لاستخدام كامل قوته العسكرية لإخمادها. بل ويختلف تماماً، أيضاً، (ومثلاً)، حتى عما حصل لانتفاضة الـ2000، عندما أيقن الكل الوطني، وتوافق، ضمناً، على أن قسوة قمع الاحتلال لتظاهراتها السلمية فور اندلاعها لا تسمح باستنساخ نموذج انتفاضة 87. ففي الحالتين اتخذ الكل الوطني، (خلافاً لتعامله مع الاشتباك الانتفاضي الجاري)، موقفاً واعياً، (ومن موقع المُقتنع المُستعد القادر)، لتحديد المظهر العام، والشعار السياسي الناظم، وبرنامج الفعاليات، وبناء الركائز الوطنية الموحَّدة اللازمة لإدامة وتوجيه وتطوير الفعل الانتفاضي الميداني، وفقاً للشروط السياسية والميدانية المحددة.
وبالتالي، فإن ما ينبغي الاعتراف به، هو أن الاعمال الانتفاضية الجارية، وكل الهبات الجماهيرية التي سبقتها، هي ليست، رداً ميدانياً، فقط، على استباحات الاحتلال الشاملة، بل هي، أيضاً، تعبير عن وعي متزايد، في أوساط الشعب الفلسطيني، ونخبه بأنواعها، وجيله الشبابي خصوصاً، يدفع القضية الفلسطينية نحو الانتقال من مرحلة انتهت في الواقع إلى مرحلة جديدة لم تتبلور معالمها كلياً بعد. ذلك أنها ككل مرحلة جديدة، لا تلد دفعة واحدة، ولا تتشكل بشكل آلي، بل تمر في مرحلة انتقالية، هي صيرورة تتسم بالارتباك والتشوش والالتباس، بفعل ما يتخللها من صراع بين منظومة المرحلة القائمة ومنظومة المرحلة القادمة. وهذا ما يضع الكل الوطني أمام مسؤولية المساهمة في بلورة صيغة، وللدقة إستراتيجية، سياسية وفكرية ونضالية جديدة، سواء لإدارة الصراع مع الاحتلال، أو لإدارة الخلافات الداخلية، آخذين في الاعتبار ثبوت أن الصراع هو صراع وجودي طويل الأمد، وأن "اتفاق أوسلو" الذي شق مساراً لتحصيل دولة فلسطينية على "حدود 67"، قد شق، أيضاً، الخارطة السياسية الفلسطينية، عمودياً، في الوطن والشتات. لقد ظهرت المعالم الأولى لمآلات الديناميكية التفكيكية التي أحدثها هذا المسار في اقتصار المشاركة في انتخابات 96 لـ"المجلس التشريعي" على مؤيديه والمتحفظين عليه. لكن قيادة "السلطة" مثلما لم تعتبر انتهاء العمر الزمني لـ"أوسلو" نهاية المطاف لرهان تحويل "السلطة" إلى "دولة"، لم تعتبر مقاطعة الرافضين لانتخابات "التشريعي" الأولى نهاية المطاف الرهان لاجتذابهم. وهو الرهان الذي تعزز بمشاركة "حماس" في انتخابات 2006 لـ" التشريعي"، وتشكيلها للحكومة العاشرة لـ"السلطة".
لكن، اتصالاً بفشل رهان تحويل "السلطة" إلى "دولة"، فقد كان من الطبيعي أن يفشل، أيضاً، رهان تحويل مشاركة الفصائل الرافضة لـ" أوسلو" في انتخابات "التشريعي" "الثانية" إلى تماثلٍ مع اشتراطاته. بذلك، تفاقمت الأزمة، فلا محاولة "حماس"، التملص من التزامات "أوسلو"، ولا "مخرج" وفاء رئاسة "السلطة" بها، استطاع أن يفك حصار الاحتلال المالي عن "السلطة"، أو أن يكسر شروطه السياسية التي تبنتها "الرباعية الدولية" للاعتراف بحكومات "السلطة" وتمويلها. لذلك لم يكن عجباً أن يشتد تنازع "فتح" و"حماس" على "السلطة" وصولاً إلى اقتتالهما عليها، وشقها، في العام 2007، إلى "سلطتين" و"جغرافيتين". بذلك جرى، كما لم يحصل من قبل، تجاوز، وانتهاك، الثوابت الوطنية الفلسطينية، سواء لناحية وحدة الأرض والشعب والأهداف والحقوق والمرجعيات الوطنية، أو لناحية اعتماد الحوار سبيلاً وحيداً لحل التناقضات الداخلية، أو حتى لناحية التشبث بالوحدة الميدانية في حالة الانقسام السياسي. فعلى الرغم من استبشار كثيرين بـ"تحقيق المصالحة"، إلا أن الانقسام استمر وتعمق، ولم تنفع لإنهائه كل اتفاقات وتفاهمات ووثائق وحورارت "استعادة الوحدة"، بدءاً بـ"وثيقة الأسرى"، 2006، و"اتفاق مكة"، 2007، و"وثيقة القاهرة"، 2011، و"تفاهم الدوحة"، 2012، و"اتفاق الشاطئ" 2013، وصولاً إلى "حوارات الدوحة"، 2016.
وهذا ما يوجب الاعتراف بحقائق الواقع كما هي، أي الاعتراف بأن "السلطة" "سلطة بلا سلطة"، وبأن مسعى تحويلها إلى "دولة" مجرد "حرثٍ في البحر"، وبأن "مسار أوسلو" قد فشل وانتهى، وبأن التحلل من التزاماته، يقتضي، أولاً إعادة بناء الخارطة السياسية الفلسطينية، في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، على اساس برنامج وطني وديمقراطي موحَّد، يعيد الاعتبار للمقاومة بأشكالها كافة، وتنخرط لتحقيقه كل تجمعات الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات. هذه هي الرسالة السياسية الداخلية للانتفاضة المستمرة. فالشعب الفلسطيني تضحوي ووحدوي، ووطنيته راسخة ومتقدة، ويلتف، بلا تردد، حول أية خطوات نضالية وحدوية تبعث أملا. "هنا الوردة، فلنرقص هنا".

