امتدّت انعكاسات الأزمات المعيشية في قطاع غزة، لتُهدّد قطاع التعليم العالي، الذي يشهد صراعاً متواصلاً، بفعل الأزمات المالية التي تمر بها المؤسسات الأكاديمية، من جهة، ومحاولة هذه الأخيرة تغطية عجزها بفرض رسوم مالية مرتفعة لِقاء الدراسة في كليّاتها، والخاسر الوحيد في هذا الصراع هو الطالب.
حدثٌ يتكرر كل نهاية فصل دراسي، وبداية آخر، في بعض جامعات قطاع غزة، إذ تبدأ الأخيرة بإطلاق التحذيرات للطلبة، بضرورة دفع الرسوم، وإنهاء سدادها قبل انتهاء الفصل، وإلّا "لن يتم السماح للطالب بخوض الامتحانات".
ذات الحدث، تسبّب اليوم بفوضى عمّت جامعة "فلسطين"، بمدينة الزهراء، شمال المحافظة الوسطى، بعد منع إدارة الجامعة مئات الطلبة، من دخول قاعات الامتحانات النصفية، بسبب عدم إنهائهم سداد رسوم الفصل الدراسي الحالي.
وبحضور "بوابة الهدف"، احتجز أمن الجامعة وعدد من عناصر الشرطة عشرات الطلبة داخل مبنى "الخوارزمي"، وأغلقوا كافة مداخله ومخارجه، في أعقاب مُشادات بين الطرفين، على خلفية احتجاج الطلبة على منعهم من تقديم الامتحانات، لعدم سدادهم الرسوم.
"بوابة الهدف" هاتفت عدداً من الطلبة، خلال احتجازهم داخل المبني، وتمكّنت من توثيق إفادة بعضهم -طلبوا التحفّظ على أسمائهم، خشية اتّخاذ إدارة الجامعة إجراءات ضدّهم-.
وقال أحد طلبة الجامعة لـ"بوابة الهدف"، إنه تفاجأ عندما لم يجد اسمه على اللائحة المعلقة خارج القاعة، والتي تتضمّن أسماء الطلبة المسموح لهم بتقديم الامتحان.
و"هُنا تفرض الجامعة على الطلبة الحصول على إذن مكتوب ومُوقع من إدارة الجامعة، للسماح بتقديم الامتحان، وهو ما لا تتساهل بمنحه الجامعة، بل ويجري تمييز في منحه، أحياناً، للطالبات من غير الطلاب" حسبما أفاد الطالب.
وأضاف إنّ أحد عناصر أمن الجامعة، فتّش هاتفه المحمول، وهواتف طلبة آخرين، بينما كانوا مُحتجزين، مُعتقداً أن ذلك بسبب تصويرهم ما حدث باستخدامها، ومؤكّداً "ملاحقة ومهاجمة عناصر الأمن والشرطة لعدد من الطلبة، وضربهم، على مرأى عدد من أساتذة الجامعة، الذين اعترفوا بتجاوزات عناصر الأمن، لكنّهم رفضوا التدخّل وآثروا حلّ المسألة لاحقاً لمنع توتر الأجواء".
وأضاف طالب آخر من الجامعة "إن أمن جامعة فلسطين، وعناصر من الشرطة، أغلقت مداخل المبنى الرئيسي، وهي 6 أبواب، بالتزامن مع تظاهرة احتجاجية شكّلها عشرات الطلبة خارج المبنى، وأمام مكتب رئيس الجامعة، في محاولة لإيصال رسالتهم إليه".
وأكّد الطالب أن الجامعة منعتهم من تقديم الامتحانات النصفية، ممّا يُهدد مستقبلهم الدراسي، ويُؤثر على تحصيلهم التراكمي"، مُتسائلاً "أين الأطر الطلّابية التي تقول إنها تُناضل لأجل مصلحة الطالب"، وقال "تحرّكات تلك الأطر وقتيّة وموسميّة، ولا تُؤثر في السياسات التي تتّخذها الجامعات الفلسطينية بحقنا كطلبة في كثير من القضايا، بدليل ما واجهناه اليوم".
وأوضحت طالبة أخرى، لمراسلة "بوابة الهدف" أنها لم تُنهِ سداد رسوم الفصل الحالي بالفعل، ولكن الأمر ليس بيدها، مؤكّدةً أن "الظروف الاقتصادية الصعبة في قطاع غزة هي السبب، من جهة، ومن جهة أخرى ارتفاع الرسوم مقارنةً بقدرة الطلبة على سدادها، وهو ما يتسبّب بمشاكل كالتي حدثت بالجامعة اليوم، أو يضطر الطالب بسبب عجزه عن دفع الرسوم إلى تأجيل الفصل الدراسي بأكمله!"، مضيفةً أنه "من غير المنصف أن يتعرض الطلبة لهذا القمع، والإجراءات الأكاديمية غير العادلة بسبب ظروف البلد العصيبة، بل يجب تقدير أوضاعهم، والتخفيف عنهم".
يُشار إلى أن طالباً في إحدى جامعات غزة، حاول الانتحار، حرقاً، منتصف ديسمبر الماضي، بعد منعه من قبل إدارة الجامعة من تقديم امتحان نهائي، بسبب عدم سداده الرسوم الدراسية، وفشل كل جهوده لإقناع الجامعة بتأجيل الدفع، رغم تردّي وضعه الاقتصادي.
بوابة الهدف" هاتفت مسؤول العلاقات العامة لجامعة "فلسطين"، أنس اليازوري، للوقوف على حقيقة ما حدث داخل حرم الجماعة، إلّا أنه رفض التعقيب.
النادي الطلابي لكلية الإعلام وتكنولوجيا المعلومات، في جامعة "فلسطين"، رفض وأدان ما وصفها بـ"الإجراءات المهينة التعسفية" ضد الطلبة، والخاصة بتهديد الطلبة بمنعهم من تقديم الامتحانات، لدفع الرسوم.
وفي بيانِ للنادي الطلابي، أصدره قبل يوميْن، بعد إعلان جامعة "فلسطين" نيّتها منع الطلبة غير المسددين لرسوم الفصل الدراسي الحالي، قال "نرفض المساس بحقوق الطلبة، بشكل قاطع، وهم الشريحة الأضعف في المجتمع".
وأكّد أنه "سيتّخذ خطوات تصعيدية قاسية، تضمن حق الطلبة، في حال تنفيذ إجراءاتها".
وطالب النادي المجلس الأعلى للأندية الطلابية بجامعة "فلسطين"، باتخاذ موقف حاسم، ضدّ قراراتها، كونه الممثل الشرعي لكافة الطلبة.
واستنكرت جبهة العمل الطلابي التقدمية اعتداء أمن جامعة فلسطين على الطلبة، وأكّدت رفضها لما أسمته "سياسات بزنس التعليم وتحويل المؤسسات الأكاديمية إلى شركات ربحية على حساب جيوب الطلبة ومستقبلهم".
وأكّدت لـ"بوابة الهدف"، "دعمها الكامل لحقوق الطلبة، وأنها ستقف حاجزاً منيعاً أمام سياسات شركات الربح الجامعية.
وأضافت جبهة العمل أنه "من حق جميع الطلبة الحصول على تعليمٍ أكاديمي دون حرمان أي منهم من الانتظام على مقاعد الدراسة، بسبب ظروف العوز المادي".
ويضطّر طلبة كُثر في قطاع غزة، إلى تأجيل فصول دراسية، في تعليمهم الجامعي، بسبب تردّي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، في ظل ارتفاع كبير لنسب الفقر، والبطالة.
"بوابة الهدف" توجّهت إلى الوكيل المساعد لشؤون التعليم العالي لوزارة التربية والتعليم العالي بغزة، د.أيمن اليازوري، الذي أكّد أن "من حق الطالب أن يتلقى حقّه في التعليم بغض النظر عن وضعه الاقتصادي، فالتعليم الجامعي حقّ مُشرع لكل الناس، بل ويجب أن تُقدّر الجامعات ظروف الطلبة، في ظل الحصار وانعدام فرصة السفر ومحدودية فرص العمل وارتفاع نسب البطالة"
وأضاف "على الجامعات والمؤسسات الأكاديمية أن تقدّر هذه الأوضاع، وأن تتعاطى إيجاباً معها، سواء من خلال تقسيط الرسوم للطلبة، أو ورفع مستوى الإعفاءات".
وعن الإجراءات التي اتّخذتها جامعة "فلسطين" مؤخراً ضد الطلبة، الذي لم يُسددوا الرسوم الدراسية، قال اليازوري إن الجامعة، هي مؤسسة أكاديمية خاصة، ومرخصة كشركة ربحية.
وتأسست جامعة "فلسطين" عام 2003 في قطاع غزة، وتم اعتمادها عام 2007. حسب موقعها الإلكتروني.
وأوضح د. اليازوري أن رسوم الساعات المعتمدة في الجامعة، هي ضمن الرسوم المتاحة والمعتمدة في بقية جامعات غزة.
وأشار إلى أنه تواصل مع رئاسة الجامعة، التي أنكرت منعها الطلبة من دخول قاعات الامتحانات، بل سمحت لهم بذلك من خلال آلية مختلفة.
وقال "أخبرتنا رئاسة الجامعة أنها قسطّت الرسوم الدراسية للطلبة على 3 مراحل، وأعطتهم فرصة لسدادها قبل انعقاد الامتحانات، مؤكّدةً عدم تعرض الأمن للطلبة، وفض الإشكال الذي حدث صباح اليوم، دون أي إساءة من أي طرف".
ولفت اليازوري إلى أن جامعات أخرى في قطاع غزة، تشهد أزمة مالية، وتعجز عن تغطية نفقاتها ورواتب العاملين فيها، "رغم تقاضيها رسوماً عالية من الطلبة".
ونوّه إلى أن الطالب باستطاعته التوجه إلى القطاع الحكومي، الذي يوفر فرصة التعليم الجامعي، برسوم مخفضة جداً، وأقرب إلى المجانية.
قضية الرسوم الجامعية، بمختلف تشعّباتها، هي أزمة قديمة جديدة، يُواجهها الطالب في جامعات قطاع غزة، كل فصل دراسي. ليس هذا وحسب، بل تُلاحقه كـ"لعنة"، حتى بعد إنهائه سنوات دراسته.
ولم يحصل نحو 10 آلاف طالب وطالبة، على شهاداتهم الجامعية، المحجوزة لدى الجامعات الغزيّة، لعدم إنهاء أولئك الطلبة سداد رسوم دراستهم. حسب تقرير لشبكة المنظمات الأهلية.

