مسرعاً.. ركض أبو محمد المبيض نحو القطار الذي ملأ عباب السماء بالدخان، استعداداً للانطلاق إلى العاصمة المصرية القاهرة، لإكمال تعليمه، وخلفه أخاه الصغير يلحقه لإعطائه أوراقاً مهمّة نسيَها. وبعد أن استقّل أبو محمّد القطار، دلّى بنصف جسده من النافذة، وخطف الأوراق من أخيه. لوّحا بأيديهما موّدعان، قبل أن تبدأ الرحلة.
مشهدٌ عن "الزمن الجميل" الذي استرجعه الحاج المبيض (80 عاماً)، من سكان حي الشجاعية شرق مدينة غزة، خلال حديثه لـ"بوابة الهدف" عن الأيام التي كان فيها قطارٌ يخترق القطاع، ويصله بأم الدنيا (مصر).
استعاد الحاج المبيض، ذكريات يزيد عمرها عن نصف قرن، عن "القطار القديم"، الذي كان يمر من أمام منزله.
وربطت سكة الحديد قطاع غزة مع مصر، وكانت جزءًا من خطوط سكك حديد فلسطين، التي كانت تملكها وتُديرها حكومة الانتداب البريطاني، منذ عام 1920 حتى عام 1948م.
يقول الحاج المبيض "لا زلت أذكر صوت القطار وهو يتحرك، والغرفة التي كانت تُباع فيها التذاكر وأوراق استلام البضائع".
وتوقف القطار عن العمل، عقب حرب الأيام الستة، في حزيران عام 1967، والتي سُمّيت بعد ذلك بالـ"النكسة"، ورغم البعد الزمني بين هذا التاريخ، واليوم، إلّا أن أجزاءً من سكته لا تزال مغروسة، شرق حي الزيتون، جنوب شرق مدينة غزة.
وعدا عن الوصل الجغرافي التي كانت تُمثّله السكّة، فإن الوصل كان جليّاً في العلاقة الوطيدة بين قطاع غزة و مصر إذ كانت الرحلات بين الجانبين، عبر القطار ،لا تتوقف، سواء من جهة سفر الأهالي أو نقل البضائع وانعكاسات هذا الجانب على الوضع الاقتصادي في القطاع.
هذا ما أكّده الطبيب حامد أحمد (75 عاماً)، الذي درس الطبّ في القاهرة، وكان يُسافر إلى مصر بالقطار.
وقال أحمد، من سكان مخيم جباليا، شمال قطاع غزة "كان السفر بالقطار ممتعاً"، ويُكمل "في طريق السفر كُنا نخضع للتفتيش، إلّا أن الإجراءات كانت بسيطة وسهلة".
وأشار خلال حديثه لـ"بوابة الهدف" إلى أن سكة الحديد كانت تتكون من أربعة خطوط، اثنين منها للمسافرين، وآخرين للبضائع والتجار.
وتمنّى الطبيب الهرِم "ان تعود أمجاد القطار للقطاع ، بدلاً من القطيعة التي يمر بها مع مصر، بسبب السياسة وتقلّباتها".
يُشار إلى أن العلاقة بين مصر والقطاع، تدهورت مؤخراً في أعقاب عزل الرئيس المصري السابق محمد مرسي، الذي كان يحظى بتأييد حركة حماس ، التي تُسيطر على قطاع غزة، منذ 10 سنوات.
ويترقّب الغزيّون هذه الأيام، ما قد تجلبه لهم الزيارات الأخيرة التي يُجريها وفدٌ من حركة حماس، لعدد من الدول العربية، كانت أولّها مصر، بشأن ملفات حياتيّة وسياسيّة عالقة.
"بوابة الهدف" تواصلت مع وزير النقل والمواصلات في حكومة التوافق بالضفة المحتلة، سميح طبيلة، الذي قال إنّ الوزارة تعمل على مشروع مخطط شمولي لحركة المرور في فلسطين، والذي تعمل عليه خمس شركات أجنبية وشركة فلسطينية.
ولفت الوزير طبيلة إلى أن مخطط الوزارة يشمل خطوط سكك حديدية تربط مدن الضفة ببعضها، وكذلك تُوصل الضفة بغزة، وبالدول المجاورة.
وعن تنفيذ هذه المشاريع أوضح الوزير أنها تنتظر الموافقة "الإسرائيلية"، مُشيراً إلى أن ضغوطاً أوروبية تُمارس على دولة الاحتلال للموافقة على إقامة السكك الحديدية.

