Menu

صمت العقول

محمود الراس

صمتت العقول ووجفت القلوب وأصاب الهلع والغضب عدد من روّاد السياسة الفلسطينية أمام إقدام شباب غاضب من قواعد الجبهة وأنصارها بإحراق صوره، متناسين خمسة عشر تابوت حمله الشباب على الأكتاف علّهم يذكّرون ساستهم بجثث احتجزتها قوات الاحتلال بعدما نفّذت جرائم الإعدام الميداني بحق أصحابها ومارست سرقة اعضائهم البشرية، وعرّضتهم لأقسى وأبشع صور التجميد القاسي والتي فاقت بنازيتها نازية هتلر.

تناسى روّاد السياسة أسر لا زالت تنتظر أبنائها في لقائهم الأخير، لم توجف قلوب الكثيرين أمام معاناة وآلام أم لا زالت تنتظر ولدها لتلقي عليه نظرة الوداع، لم يصِب الهلع والغضب هؤلاء السياسيين وهم يتابعون الأخبار والتقارير عن وفد قاسم ذوي المجحوم ضابط الإدارة المدنية عزاءهم بينما تمنع عن زيارة صوان شهيد سقط غدراً وغيلة على حواجز الموت.

لم يُصَب هؤلاء بالهلع والغضب ومناضل فلسطيني بحجم وقامة عمر النايف يضيق عليه ويتعرّض لتهديدات لأكثر من ستين يوماً داخل سفارة فلسطين ببلغاريا، بل اجتهدوا انسج الروايات ووضع السيناريوهات لطريقة اغتياله، وذهب البعض حد التشكيك في تعرّضه أصلا لعملية اغتيال، وتبارت الأقلام والعقول لنفي أي شبهة حول الإهمال والتقصير في أيام إقامة الشهيد بالسفارة.

لم يلتفت هؤلاء للتابوت الذي حمله الشباب اسم الشهيد الذي لا زال مطارداً للاحتلال حتى بعيد استشهاده، لم يصب هؤلاء بالهلع والغضب، صمتت عقولهم وألسنتهم عندما حرّض رئيسهم الاحتلال على طلبة وطالبات المدارس وهو يتحدّث للقناة الثانية الصهيونية عن ملاحقة رجالات أمنه لتلاميذ المدارس على مقاعد الدراسة وتجريدهم السكاكين، لم يتحدّث أحد بأن هذا التصريح تحريض مباشر للاحتلال للاستمرار بسياسات القتل والتنكيل بحق أطفالنا، وتشريع لسياسة الإعدام الميداني التي يمارسها جنود الاحتلال بحق المواطنين الفلسطينيين على حواجز الموت.

صمتت كل هذه الألسن أمام التصريحات المتكررة حول إحباط وتحييد كل عمل مقاوم ضد من يدنّس المقدّسات ويستبيح الحرمات، أصابهم العمى والخرس وهم يشاهدون قادة الأجهزة الأمنية تتبارى بحجم اللقاءات مع قادة الشاباك، وعدد العمليات التي تم إجهاضها، صمتت الألسن وارتجفت السواعد وقرارات المجلس المركزي تسبى لصالح فريق لا يرى بغير التنسيق وخيار التسوية طريقاً آخر.

نفسها تلك العقول التي صمتت وارتجفت قلوبها أمام عشرية الرماد والحصار وسياسات العقاب الجماعي بحق غزة وأهلها، تتبارى بالتطاول على هامات الشباب المحروق بالفقر والعوز والبطالة والحاجة لسنوات طوال، نفسها تلك العقول صمتت أمام ترك الشباب وحيداً في نقاط الاشتباك مع الاحتلال طوال ستة أشهر من عمر انتفاضته المجيدة، وبقت تجهض كل خطوة يمكن لها أن توفر الحماية السياسية والاقتصادية والاجتماعية للشباب المنتفض دفاعاً عن كرامتنا ومقدساتنا.