ما كانت تنبغي محاولة اقتباس الدم من على نصل السكين، و تحويله إلى مقولة سلام باهتة، فليس على الضحية أن تنبه الجلاد، أو داعميه و رعاته ، أو أن تعلمه فنون و مزايا السلام و سائر المقولات الأخلاقية، ذلك الجلادين جميعهم عبر التاريخ يعلمون و يدركون تماماً فحوى المقولات الأخلاقية، و من سماتهم المشتركة الأساسية أنهم يستهزئون بها، فالمسألة ليست جهلاً بالشيئ و إنما عدم الاستعداد المتأصل و المصيري لفهمه، فالجلاد يدرك تماماً بأن حتفه سيبدأ عندما يلتفت اللفتة الأولى نحو القيم و الأخلاق، مما يعني وعيه و إدراكه لاستحالة وجوده في ظل منظومة أخلاقية حقيقية، فهي تفتت الأسس التي تقوم عليها عملية مبنى الظلم، هو يدرك بأن قاعدة وجوده الأساسية تتنافى مع القيم الإنسانية، لهذا تم البحث عن ضالة تبرير وجوده بتبرير المنظومة الأخلاقية المريضة لا استيعابها أو نقضها.
بخصوص فلسطين، لا يختلف عاقلان صادقان على المشروعية التاريخية ، زمنياً وحضارياً و واقعياً، على أن التاريخ يحكم لصالح الفلسطينين من كنعان الأول حتى آخر طفل ولد في صفد، هي ليست حكمة أو بحثاً معمقاً في هذا الشأن، بل يمكن اعتبارها توصيفاً واقعياً، حيث تشي كل حروف هذه الأرض، من فلسفتها و آثارها ، أوابدها و حاضرها القريب، كتابات و أدبيات ورسومات الفنانين القدامى و الجدد بالإجابة عن سؤال ساذج ذكي، فحواه لمن هذه الأرض؟
لا بأس بالانحناء أمام عصف القوة ، لكن البأس فاضح بتجميل مصدر و فعل هذه القوة، هذا ما تقوله علوم السياسة التي هي من اختصاصك الأكاديمي، أي أن السياسة تعني منظومة التحكم بتصدير المطلب و حتى الألم الشعبي إلى مقولة و مفردات مقبولة للآخرين، لا نفي الألم و البكاء على تعب يد الجلاد من كيل السياط على جسد الضحية، فالضحية هي وحدها من يدرك تماماً شدةَ أو خفة هذا الألم.
إشكالية السياسة الفلسطينية، بل المقاومة ذاتها سواء السلمية أو العنفية، هي أنها لم تخلق علناً منظومتها الأخلاقية المتينة، فقد أوجدت فقط مقولتها الأخلاقية، مما أدى منذ البدايات و حتى الساعة، إلى خلل في سير المقاومة ذاتها و من ثم سياسة قادتها، و هو الأمر ذاته الذي يشعرنا بمرارة بأن التضحيات لم تكن متناسبة مع الإنجازات، فإنجاز أمر ما يُحكم على ماهيته بالثمن الذي دفع لأجله ، لا باعتباره إنجازاً مجرداً و كأنه هبط من السماء!
لا بأس بالحداثة ، بل و حتى تطوير المقولة ذاتها، بل و نسف مقولة سابقة بعد اكتشاف سطحيتها مثلاً، و لكن ليس هذا بترف فكري، و لا هو اقتباس لما يريده الآخر بقدر ما يعني العودة إلى سلبيات الذات و تطويرها، هي حكمة المتألم ، لا ألم الحكمة، انتباه الحالم إلى "لا واقعية" حلمه الكبير، لا تقزيم هذا الحلم بحسب المقاسات العالمية أو الموضة، فالقضايا المصيرية لا تستلهم أو تتبنى فحواها باعتبارها موضة أزياء سنوية.
لقد مر على زلزال أوسلو اثنان و عشرون عاماً، و على المقاومة المسلحة و السلمية و القانونية قرن شبه كامل، حسناً ها قد أدركنا الآن أخطاء المقاومة كلها، فماذا عن أخطاء أوسلو؟
يبدو من خلال شفهيات و خطة سير صانعيه بأنه منزه عن الخطأ!، و كأن أوسلو حقق أو يحقق أو سيحقق كل ما نريد، أو لنقل كل ما نستطيع تحقيقه، و بما أننا بتنا مغرمين بالمدرسة الواقعية فما هي الإنجازات التاريخية على ارض الواقع لا فيما يخص حروف المقولة.
علينا أن نعترف بأننا ضعفاء، محاصرون من كل جانب و لا حليف حقيقي لنا، حتى من يعدوننا بذلك و يخطبون مراراً خطبهم العالية الصراخ، ثبت كذبهم بلا استثناء، فهم يبطنون خطب دعمنا و البكاء علينا و على وطننا " المقدس" و يرمون إلى تحقيق مآرب أخرى ذاتية حصراً، هذا ليس توصيفاً لعقدنا النفسية و تشتتنا الذاتي بقدر ما هو خلاصة لسيرورة الواقع.
هل يعني هذا أن أوسلو فشل، نعم، و هل فشلت المقاومة؟ نعم أيضاً، و بما أن أوسلو غير قابل للتطوير حتى لو تم الانقلاب على شكله القائم، فليس لنا إذا إلا إعادة بناء بل خلق المقاومة بهيئة حداثوية، ليس حباً بالدم و المظاهرات أو برؤية أطفالنا يخبئون السكاكين في الحقائب المدرسية، و اللذين بكل صدقٍ يفترض أن يكونوا أكثر براءةً ، من سرق براءتهم؟ الجواب أنه الواقع، فمن صنع هذا الواقع؟ الإجابة واضحة ، هي النازية الصهيونية مدعومة بكل قوى الفساد في العالم، لم تسرق أمك براءة الأطفال و هي تجري صارخة تحت القصف العصاباتي الصهيوني النازي و القذارة البريطانية لصفد.
كل الثورات تخطئ، و ثورتنا كانت الأكثر خطأً، لكن ذلك لا يعني ذبحها و إحياء مقولات الطغمة النازية المحتلة و رموزها الجلادين، بل إن الخطيئة الاولى يتحملها من قام بها ، وهم من قدموا بناء على مقولة رب سخيف و مرابي، لا من دافع عن وجوده التاريخي و الأزلي، فالفلسطينيون لم يحتلوا وارسو أو بودابست،
يتحمل وزرها هرتزل و بن غوريون و جابوتنسكي، و ليس جورج حبش و ياسر عرفات و القسام و الحسيني، و ليس أنت بالطبع، لكن الوحيد من بين هؤلاء الذي يوحي و يكاد يصرح بأنه مذنب هو فخامتكم .
في حالات التحرر الوطني ، ليس من الحكمة نقاش بعض النقاط، ليس تهرباً من الحقيقة بل تأجيلها إلى حينها المناسب، و سيكون أمراً حسناً إن نوقشت بتروٍ و عمق، لكن في لحظات الصدام العنيف مع المحتل لا يمكن ذلك فأنت تحت الرصاص و صوب الخندق شئت أم أبيت، حتى و إن لم تحمل سكينة المطبخ ،أما السكوت عن الفساد و المحسوبيات و الشللية و العصاباتية التي توشك أن تصبح منظمة بدقة عالية تفوق حالات عصابات المافيا الأصلية فهو أمر لا يمكن تبريره ، فذلك يشكل حالة خطرٍ مباشر، خاصة عندما تكون القضايا الكبرى مترنحة على مفرق طريقين كلاهمكا خطير.
القضية الفلسطينية اليوم و من أي جانب تناولتها تجد بأنها في حالة عسر، ليس من حيث استعداد حامليها للخوض في كل جنباتها و من ضمنها التضحية في سبيلها، بل من جهة الواقع العالمي و الإقليمي، لا المحلي، فالمحلي يقول بصوت عالٍ ، نحن صامدون، هذه المقولة التي قد تبدو شعاراتية سطحية من الخارج تعني الكثير في أعماقها،و بالتالي فإن الشبان الذين يقاومون النازية الصهيونية بالسكاكين ليسوا مجموعة " زعران" بل هم مناضلون ساذجون –إن شئت- من أجل الحرية و الإنسانية، و مطالبة البعض " الحالم" بمحاسبة الفاسيدين هي تأسيس لحالة صحية لا تطال الهيئات السياسية و الأفراد و المؤسسات و حسب، بل بنية الفرد و ثقافته و كل ما يتعلق بالتنمية الذاتية الفردية و الجمعية، ومن ضمنها الاقتصادية بكل تأكيد.
إن شعباً لا يقاوم من استوطن و احتل أرضه و شرد أهله لا يستحق وطناً، هذا ما يريدون إيصاله للعالم من خلال تشويه أو سحب مشروعية المقاومة ، من يريد ذلك؟ كل فاسدي الكرة الأرضية، ذلك أنهم توحدوا على سحق أية حالة اعتراضية أو احتجاجية في العالم بأسره، إنهم يريدون إقناع الضحية بأنها مذنبة و إرهابية لأنها أزعجت بصراخها هدوء القاتل بعد تعب يوم طويل من الذبح !.
أمام الواقع و المستقبل الفلسطيني خياران لا يبدو لهما ثالث، إما الخوض في أوسلو مجدداً، أو تطوير و تفعيل المقاومة و اساليبها و مقولاتها و أشكالها، من حيث أوسلو فلا أعتقد بأن عاقلين يختلفان على عدميته، و استعصاء بل و استحالة نموه إلى حالة تلبي شيئاً من مطلب الضحية المنكوبة و تعيد إليها " بعض الحقوق"، و أما المقاومة بأشكالها السلمية و العنفية، الثقافية و السياسية و الفنية، إلى جانب الاحتجاجية و العسكرية فهي تبدو الحل الوحيد للخروج من المأزق، فالمقاومة تتجدد و تتغير و تتلون بألف لون خيار اوسلو ذو لون واحد، خيارات المقاومة تتسع لمئات الطرق !.
إن عدم رؤية جدوى المقاومة شيئ – و هي رؤية مشروعة-، و محاولة سحقها شيئ آخر، هي الفارق بين أن ترى لاجدوى الأسلوب أو أن ترمي مشروعية وجودك ذاتها في سلة المهملات، تلك هي المسألة الجوهرية، ليست سؤال نكون أو لا نكون فهذا سؤال شكسبير الخاص، أما الشعب الفلسطيني فقد أجاب على كل الأسئلة، من يستوعب الإجابة فليبق، من لا يدركها فليرحل.
وليد عبد الرحيم 1/5/2016 من على مقربة من مخيم اليرموك، هل تذكره سيدي الرئيس؟!

