Menu

تفاصيلٌ تُحكى لأولِ مرة.. كيف قتل الأبوان "بلعون" بفراقٍ بارد؟!

11125380_10205104204258310_1145511990_n

الهدف_ غزة_ رمزي المغاري/بيسان الشرافي:

بكلمات نزلت على القلب كالحجارة، حدّثنا محمّد عن حكايته مع الوجع والمأساة التي حلّت به، مذ كان جنيناً في رحم أمّه.

معاناةٌ تتفجّر يوماً بعد يوم.. ولا بصيص أملٍ في نهاية الطريق.

شابٌ، لم يعش لحظة واحدة في حضن العائلة.. طيلة 21 عاماً، هي سنوات عمره.

ربّما نسمع عن حكايا الوجع والمعاناة كل يوم، لكن هذه المرة، الوجع مضاعف عشرات المرّات..

بين غياب الأم.. و تنكّر الأب.. وقسوة العائلة والأقارب.. وظلم المجتمع، عاش محمّد حياةً يصعُب شرحها ببضع كلمات..

محمد المدهون، أو كما يُلقّب "بلعون"، من إحدى بلدات شمال غزّة، بدأت معاناته عندما حكّم وحش الطلاق أنيابه في جسد عائلته الصغيرة، فكانت النتيجة أن انفصل والداه، بينما كانت أمّه حاملاً به.

تزوجت الأمّ من رجل آخر، و تزوّج الأب من أخرى.. لتبدأ حكاية محمّد.
 

تنكّر وعنف

"تركتني أمّي عند أهلها، الذين عشت في بيتهم أياماً صعبة، ربما اعتنوا بي في أول سنوات عمري، ولكن حين كبرت وصرت في الـ 15 تقريباُ، طلبوا منّي الرحيل عنهم، وخاصة بعد أن تزوّج أخوالي؛ بحجة أنّي أصبحت غريباً بينهم، وقد أصبح لديهم نساء في المنزل، و قاموا بطردي بالقوّة.

لم أعش بين عائلة.. لم أعرف معنى الأم، أو الأب، أو أن يكون لديّ أخوة.

مكثت أياماً قليلة في الشارع، ثمّ فكرت في اللجوء لأبي، الذي لم أعِش معه يوماً.

وكانت النتيجة.. أن تنكّر لي أبي، ورفض أن يُدخلني بيته، وبعد أن أخبرته بما حدث عند أخوالي، لم يرفّ له جفن، بل ردّ علي بأن لا علاقة له بالأمر.

حينها لم تكن لدي حيلة سوى أن أتوجّه إلى لجان الإصلاح، التي تعمل عادة على حل مثل هذه المشكلات.

وبالفعل توجهت لإحدى لجان الإصلاح في منطقة تل الزعتر، و قاموا بدورهم بالحديث مع والدي، وحُلّت المشكلة بأن يتنازل أبي، ويسمح لي بالعيش عنده في المنزل.

لم يكتمل أسبوع.. حتى اعتدى عليّ أبي و قام بتقييد يديّ للخلف بالسلاسل الحديدية، و كان قد أرسل زوجته لبيت أهلها، ثم قام بضربي بشكل عنيف جداً، حينها جاءت زوجة عمي، على صوت صراخي، وظلّت تطرق الباب، إلا أن فتحت لها أختي الصغيرة "من أبي"، وحينها لم أدرك ما حصل، وكيف هربت من المنزل.. و أعتقد أنّي قفزت 10 درجات على السلّم مرّة واحدة، فزعاً من عنف أبي.

مشيت في الشارع.. جسدي أزرق ومُتورّم جداً، و عظمي كاد يُكسر من شدة الضرب، و وجهي تملؤه الدماء.. لا أدري كيف كنت أمشي على قدميّ".
 

محاولات بائسة

"بعدها أخذني بعض الجيران في الحيّ، و أرسلوني لأحد المعارف، يعمل في "مكتب تاكسيات المشروع"، وتواصل بدوره مع المختار، الحاج عمر، في حي تل الزعتر، لكنه لم يستطع فعل أي شيء لحل مشكلتي.

ومن ثمّ وصل الأمر لوزير الشباب والرياضة، أبو مصعب المدهون، والذي يُعنى بحلّ مثل هذه المشكلات، أو على الأقل هذا ما يُقال..!

و لم يفعل الوزير لي شيئاً، أو ربّما لم يلتفت لمشكلتي أساساً، على الرغم من أنّه من أول الجهات الرسمية التي يجب أن تعالج مشكلات الشباب.

بعدها توجّهت لأبي أحمد طشطاش، وهو  مدير مكتب التاكسيات الذي تحدثت عنه سابقاً، ولم تكن بيده حيلة سوى أن يصطحبني لمركز الشرطة، الذي لم ألقَ فيه سوى كلمات ترضية ".
 

أصبح الشارع منزل محمّد..و غرفة نومه و سريره و عائلته.

كان ينام عند الأصدقاء تارة، و في الشارع تارة أخرى.

نام على "الإسفلت" وعلى الرمل، كانت تمرّ عليه اللّيلات في عزّ الشتاء بدون غطاء.. وفي ذروة الصقيع .. بلا مأوى، كان يستيقظ أحياناً على عواء الكلاب قربَه، وعلى فئرانٍ تحكّ جسده.

وكما يقول محمّد لم تتبقّ "بسطة" في  سوق المشروع إلّا ونام تحتها.
 

عائلة بديلة!

"شاء القدر أن أقابل أبناء الحاج المرحوم أبو جلال أبو شرخ، الذين أشفقوا على حالي ، وسمحوا لي بالنوم ليلاً في بيتهم، و استغل هذا الحديث لأوجّه شكري لأولاده جلال و سمير وسامي أبو شرخ.

منذ عام 2008، وحتى العام الماضي.. كان حياتي تتلخّص في التجوال بين أزقّة الحي والأسواق، حتى أمّي التي تزوجت فور طلاقها من أبي، أزورها أحياناً، لكن أصبح الآن لديها حياة جديدة.

لا يوجد بيننا تواصل بشكل دائم، نتحدث عبر الهاتف كل شهرين أو أكثر..

وحتى لو كانت أمي ، في هذه الدنيا لا يحك جلدك مثل ظفرك..

حاليّاً.. أنا أعيش في منزل الأستاذ زياد العمري، ببلدة جباليا، منذ عام تقريباً .. وقد تعرفت عليه من خلال ابنه وسام، حيث كنت أنام في مزرعة للدواجن تعود ملكيّتها لهم.

وفي الحرب الأخيرة، تم قصف المزرعة وأنا نائم بداخلها، و بعدها لم يقبل صديقي وسام أن أعود لحياة الشارع، فعرض عليّ العودة معه للبيت و مقابلة والده.

ليصبح منزل عائلة العمري هو منزلي، فقد رحبت بي العائلة بشكل كبير، و اهتمت لأمري، وحين كنت أغيب لساعات، كان يجتاحهم القلق و التوتر، و لا يهدأون إلا بعد الاطمئنان على حالي.

و الأستاذ زياد، يتفقد أحوالي يوماً بيوم، و ما إذا كنت بحاجة للمال أو الثياب، أو الطعام.

يُحزنني عندما يهتمّ بي، أشخاصٌ لا تصلني بهم أي قرابة، بينما أهلي يتنكّرون لي و لا يسألون عنّي، وربما لا يعرفون حتى إن كنت على قيد الحياة أم لا".
 

فتاتُ مالٍ

"منذ أن تجاوز عمري 17 عاماً وطُردت من بيت جدّي.. حاولت البحث عن عمل كي أعتاش منه، لكن الناس هنا لا ترحم، فقد تعمل عند أحدهم طيلة النهار دون توقّف، ليمنّ عليك بفتات المال نهاية اليوم.

مرّت عليّ فترة، ما قبل عام 2011، عملت خلالها في الأنفاق، و الحال ذاته، فكنت أعمل كالآلة، لأتحصّل على بضع شواكل آخر النهار، هذا إن تحصّلت، فأحياناً كان يخدعني صاحب العمل، ولا يعطني أجري.

أتذكّر أيّاماً ، أذاقتني الويل، حين كنت أعمل في الأنفاق، حلّ شهر رمضان، وكنت أصوم طيلة النهار، وعندما يأت وقت الإفطار, كنت أظلّ صائماً، فمن أين لي أن آكل.

و تسبب لي هذا الأمر، بمتاعب صحيّة كبيرة، كالغثيان والإعياء و التقيّؤ".

على بعد رصاصة.. من الموت

علمنا بحكاية محمّد، وأردنا إجراء هذا الحوار منذ 3 أيّام، و تواصلنا مع عائلته ، التي لم يكن لديها أي علمٌ بحاله، على الإطلاق.

ثمّ علمنا أنّه يعيش عند الأستاذ زياد العمري.. الذي بدا عليه القلق والتوتر حين سألناه عن مكان محمّد، وأخبرَنا أنّ محمّد غائب عن البيت منذ ساعات.

فأين كان هذا الشاب..  وماذا كان يفعل؟

توجّهنا بهذا السؤال لمحمّد.. الذي قال لنا: "أنا غبت عن البيت 4 أيام.. فقد وصل بي ضيق الحال لأن قررت أن أهرب عبر الحدود إلى مصر، وتوجهت لرفح.. كنت أريد الهرب عبر الأنفاق.. لكن أحد جنود الأمن الوطني الفلسطيني ألقى القبض عليّ، وبعد أن أخبرتهم بقصّتي، تواصلوا مع أبي.. و كما توقّعت، رد عليهم أبي بأنني لست ابنه ولا يعرفني، فطلب منه الشرطي أن يأتي لرفح كي يُرجعني للبيت، فردّ أبي: كما ذهب لرفح وحده ، ليعد وحده".

وحقيقةً.. كان يُمكن لمحمّد أن يقتل في هذه المحاولة للهرب، فجنود الأمن الوطني لديهم أوامر بقنص و قتل من يشتبهون بأنّهم مُهربين أو ما شابه.
 

أمنية

يقول محمّد بحرقةٍ أضاعت حروفه: "تظلّ تُلاحقني كلمة قالها لي أبي ذات يوم.. عندما قال: لو غبت عنّي 20 عاما لن أفتقدك.. وأتمنّى أن تموت أو تُصاب كي أتحصّل على الأموال التي تمنحها الحكومة لأهالي الشهيد أو الجريح".

وبيأس، يُتابع: "ربّما أصبحت أمنيتي واضحة بعد هذا الحديث، أريد العيش بكرامة، بإنسانية، لا أريد من أحد طعاما أو أموالا ، و لا أريد أن أعيش عالة على أحد.. أريد أن أعمل كي أتحصّل على قوت يومي، و أريد مأوى يحميني من برد الليل و قسوة اللامكان.

لا أدري لمن يمكن أن يصل صوتي، ولكنّي أناشد الحكومة ب غزة والحكومة برام الله، أناشد الجمعيات الحقوقية والمؤسسات الدولية التي تأخذ من حقوق الإنسان شعارا لها ، أوقفوا عذاباتي

وأنا لا أطلب الكثير.. وعندما يذهب أيّ منكم لأبي، أخبروه إن كان لا يرديني في بيته، يمكنه أن يبني لي غرفة على سطح المنزل، وسأعيش وحدي فيها

وربّما أتحتم لي الفرصة كي أوجّه كلمة للحكومة.. وهي أن تسأل نفسها سؤالا واحداً ، عندما تلقي القبض على عميل للعدو.. بالطبع هو فلسطيني خائن لوطنه وقضيته ودينه، ويستحق أقسى عقوبة، لكن ، لتسأل الحكومة نفسها ، ما الذي آل بهذا الشخص كي يسقط فريسة العمالة والتعاون مع العدو ضد أهله.. ما الذي أغواه لدرجة أن يخون و يُجرم ويبيع إنسانيته..

بالطبع هي الحاجة.. وقسوة الحال.. وقلة الحيلة.. فمن لديه عائلة من  أفراد.. كيف ومن أين له أن يصرف عليهم.. وأنا هنا لا أقدّم أعذار للعملاء .. ولكن هذا هو الواقع والحال الذي يمرّ به الشباب بغزّة..

وللأسف من استطاع مقاومة إغواء المال و رفض السقوط في وحل العمالة، قد لا ينجح في مقاومة الأموال السهلة التي يمكن أن يتحصّل عليها جراء التجارة في المخدرات و الترامادول و غيره..

أناشد الحكومة و لجان الإصلاح وعلماء فلسطين الكُثر، "حفظهم الله" أن يرأفوا بحالي ويشعروا بمأساتي.. و أن يسعوا بكل ما أوتوا لمساعدتي ..فأنا أرى الموت كل يوم".
 

عيد ميلاد تعيس

محمد أصيب خلال عدوان الاحتلال على غزة عام 2008، وأصيب مُجدّداُ خلال عدوان 2012، ليُهمَل في هذا الجانب أيضاُ، كحال حياته كلّها.

سيحلّ يوم ميلاد محمّد، الأسبوع المقبل ، فهو مولود بتاريخ 14إبريل 1994، و ككل عام، لن يحتفل محمد بعيده، ولن يعلم أحد به.

وكل ما سيمثّله هذا اليوم، هو أنّ مأساة محمّد ستكبر عاماً آخراً.
 

"تمت صياغة حديث الشاب من العامّية للفصحى، من قبل المحرر، دون إخلال أو تغيير في المعنى"