عن الحساب الشخصي لـ "اسماعيل أبو شميس" على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"
في الفترة الممتدة من أواخر عام 1865 وحتى نهاية عام 1866 توالت على مراكز الشرطة العثمانية بلاغات يدعي فيها فلاحيين فلسطينيين تعرضهم لهجوم بهيمة غريبة أطلقوا عليها اسم "الشيبة".
"الشيبة" ووفقاً لمجموع الأوصاف التي قدمت في المحاضر العثمانية، هي كائن أصفر اللون، بحجم الحمار، وبخصائص جسدية أنثوية، يباغت بوثبة واحدة يستطيع فيها شطر الضحية إلى نصفين.
حوادث اعتداء "الشيبة" المختلقة والإشاعات التي نشرت في عموم البلاد، كانت حيلة الفلاحيين الأخيرة لاستعادة أسلحتهم التي جردوا منها بعد أن أصدرت السلطات العثمانية قانوناً، يحظر حمل السلاح الناري والاتجار به في كل الولايات الخاضعة للدولة العلية.
أمام حالة الهياج العام التي عمت البلاد بعد وصول الإشاعات إلى أغلب قرى فلسطين، عدلت الدولة العثمانية عن إجراء القانون على أهالي فلسطين بخاصة، واكتفت بحظر التجول بالسلاح الناري داخل الحواضر الكبرى كيافا و القدس ، حيث كان الفلاح يسلم سلاحه الناري عند البوابة ويسترده ثانية عند خروجه، فيما كان يحتفظ بحزام الذخيرة وقرن البارود على صدره، بالإضافة إلى "نبّوت" أو "دبّوس" في يده.
قد تفسر قصة "الشيبة" عدول السلطات العثمانية عن قرارها بحظر السلاح ظاهرياً، أو على الأقل لفلاحي ذلك العصر، إلا أن الموقف كان مختلفاً في عين الحكام العثمانيين الذي شهد أغلبهم عاقبة تجريد الفلسطيني من سلاحه، فلم يكن يومها قد مضى ثلاثين عاماً على محاولة إبراهيم باشا الفاشلة لتجريد فلاحي فلسطين من أسلحتهم النارية.
ففي ثلاثينيات القرن التاسع عشر وبعد مقاومة فلاحي فلسطين الشرسة لمساعي تغريبهم عن حقولهم للخدمة في الجيش أو المصانع المصرية، وبعد تمرد 1834 لم يكن أمام إبراهيم باشا سوى جمع السلاح من القرى، إلا أن أهل فلسطين كانوا مستعدين لدفع أي ثمن مقابل الاحتفاظ بأسلحتهم، وقد خسروا لقاء ذلك العدد الأكبر من شبابهم (تشير الإحصاءات إلى تقلص عدد الذكور في فلسطين بنسبة 20%)، وتحملوا تدمير عدد كبير من قراهم بشكل كامل (على سبيل المثال لا الحصر 16 قرية من محيط نابلس فقط).
في عام 1840 وبعد أن استقر الحكم لهم ثانية في فلسطين قام العثمانيين وبفرمان من عبد المجيد الأول بتوزيع السلاح بشكل واسع على أهل فلسطين ليشكلوا "منطقة دارئة /Buffer Zone" بين الإمبراطورية وبين طموح محمد على في بلاد الشام.
لم تكن الإمبراطورية العثمانية بدعاً في تسامحها مع حمل الفلسطينيين للسلاح، فصور الحياة اليومية التي يقدمها لنا العهد الجديد، توضح أن الرومان أيضاً ورغم حظرهم للسلاح على غير الجند، تسامحوا مع فكرة الفلاح الفلسطيني المسلح.
تعود علاقة الفلسطينيين بالأسلحة النارية إلى عهد أمير الجليل ظاهر العمر، الذي استورد بنادق "الموسكيتو" لتسليح جيشه، وتسليح العشائر البدوية التي ناصرته.
"الموسكيتو" والتي دعاها أهل البلاد "بالبارودة" ما لبثت وأن أصبحت سلاح الفلاح الفلسطيني المفضل، والذي لم يفقد اعتباره حتى بعد دخول أسلحة حديثة سريعة التلقيم، وسهلة الاستخدام، ولم يعدل الفلاحين عن استخدام "البارودة" إلا أوائل القرن العشرين، حيث بدأت بندقية "مارتيني-هنري" والتي سميت محلياً "بالمرتيني / المرتينة"، تحل محل "البارودة" التقليدية.
وتحول الفلاحين هذا من "البارودة" إلى "المرتينة" لا يرتبط بامكانات السلاح التكتيكية، وإنما للقيمة المعنوية التي اكتسبتها بندقية "مارتيني-هنري" بعد أن بدأت قصص البطل الشعبي التركي حكيم أوغلو ومرتينته تتواتر إلى المجالس الفلسطينية من خلال الشباب العائدين من الخدمة العسكرية، والذين لم يختلفوا عن الأتراك في نظرتهم إلى حكيم أوغلو، باعتباره "قهرمانلار قهرماني /بطل الأبطال"، ونصير الفقراء، ومعجز الدولة.
وقصة حكيم أوغلو كانت قد بدأت في أوائل القرن العشرين بعد فراره إلى الجبال إثر تورطه بقتل أحد الأفندية، الذين هموا بقتله بعد أن نقل إليهم أحد الوشاة أن الفلاح حكيم الذي يعمل أجيراً لديهم يتحدث إلى ابنتهم سراً، ويرتب للزواج منها، حكيم أوغلو ومن مخبأة الجبلي استطاع تنظيم مجموعة من الفقراء والفارين من الخدمة العسكرية كمغاوير مهمتهم الانتصار للمظلومين، أو الانتقام من السلطات الرسمية.
بالنسبة للفلسطينيين تظافرت عدة عوامل جعلت من حكيم أوغلو ومرتينته مناسباً للمزاج الفلسطيني؛ أول هذه العوامل وأهمها، هو عدد الفارين من الخدمة العسكرية الذين التحقوا به، حيث عزز هذا السبب من تناقل النساء الفلسطينيات أيضاً لقصص وبطولات حكيم أوغلو، وهن اللائي غنين لطيلة نصف قرن: أخدوك الترك منّي لوّعوا عقلي وِقلبي
والعامل الثاني المهم، هو كون حكيم أوغلو فلاح على خصومة مع طبقة الأفندية شأنه في ذلك شأن السواد الأعظم من أهالي فلسطين.
أما العامل الثالث، وهو ما سأسميه بالعامل الساحري، هو أن الفلسطينيين اعتادوا الربط بين الأسطورة وبين السلاح منذ اليوم الأول الذي حملوه فيه، بل إن المعايير التي وضعت للحكم على جودة السلاح كانت أسطورية كذلك، فالسيف الصارم في عين الفلسطيني هو السيف القادر على اختراق "المألّفة / العرقوب" وهي الأفعى الضخمة التي بلغت من العمر ألف عام، واكتسبت بذلك قدرة سحرية بحيث لا يصيبها أي سلاح أبيض ولا سلاح ناري بأذى، إلا سيف بلغت حدة نصله، ما يجعله وبضربة واحدة يشطر حبة قمح وضعت فوق كومة من القش إلى قسمين.
أما العامل الأخير والذي ساهم في تثبيت المرتينة في الوجدان الشعبي الفلسطيني إلى وقت قريب من القرن العشرين، فهو نهاية حكيم أوغلو المأساوية والمشرفة في آن، فصور حكيم أوغلو التي نشرتها السلطات العثمانية في الصحافة وفي عموم البلاد لتأكيد نجاحها في قتله، عملت مفعولاً عكسياً، فقد ظهر في الصور مسجى إلى جوار مرتينته، مما ألهب قلوب الشباب وزاد في حماستهم للحصول على بندقية "هنري-مارتيني".
لم تمض سنوات قليلة على مقتل حكيم أوغلو حتى انهيار الحكم العثماني، ليحل محله الاحتلال البريطاني، ولتستدعي الذاكرة الجمعية الفلسطينية المرتينة ثانيةً كرمز للثائر الحر، الذي ينكل بالجيوش الكبيرة ببندقيته البسيطة.
====================
ملاحظات:
سأفرد منشور خاص بتطور الأسلحة في فلسطين، بدأ بالعصي أكثرها بدائية، مروراً بالسيف المعقوف الذي صنع لأول مرة في مساكب غزة القديمة "تل العجول" في أواخر العصر البرونزي وأوائل العصر الحديدي، وحتى دخول الأسلحة النارية.
بالإضافة إلى الاعتبارات الاجتماعية والثقافية التي ارتبطت بالأسلحة وأنواعها وطرائق تزيينها.
الشيبة:
تستخدم الغالبية العظمي من أهالي فلسطين كلمة "شيبة" في اللغة المحكية للدلالة على الطفلة أو المرأة القوية، فيقال شيبة أو غولة، وقد استخدمت "الشيبة" قبل النكبة بمعنى مشابه للغولة، لإخافة الأطفال في حال بكائهم ليلاً.
المرتينة:
تأخر الفلسطينيين في تبني البنادق الجديدة كبندقية "هنري-مارتيني"، يعود إلى ارتباط حمل البارودة والرماية بها بقوة البنية الجسدية، فقد كانت الرماية بالبارودة تعتبر تحدياً للشاب يثبت فيه لأقرانه رجولته، أو شدة مهارته في الصيد، وهذه الرغبة في التحدي يمكن ملاحظتها أيضاً في نوع الطرائد التي كان يخرج شبان فلسطين لتعقبها، فبدلاً من تعقب الطيور التي يؤكل لحمها فضل شباب فلسطين صيد أحد فصائل الغربان يصنفه علماء الطيور اليوم كواحد من أكثر الطيور حذراً على الإطلاق.
يميل الفلسطينيون إلى إمالة التاء المربوطة بحيث تبدو للسامع كالياء، وهذا القلب، هو ما جعلهم يخالون أن "مارتيني" هي مفردة مؤنثة، تعني بندقية بعمول مدق مرتد أو ما عرف بالتركية "آينالي مارتيين."
رومنسية الكلمة جعلت الروائي الفلسطيني غسان كنفاني يؤثرها على الكلمة الأفصح "البندقية"، رغبةً منه بالاحتفاظ بالشحنة الانفعالية المرتبطة بالكلمة.
حكيم أوغلو:
لازالت الذاكرة الجمعية التركية تعتبر حكيم أوغلو أحد أهم أبطالها الشعبيين، ولازالت الأغاني التي لحنت لتمجيد ذكراه من الأغاني المحببة التي يعاد انتاجها من وقت لآخر، كان آخر هذه النسخ الأغنية التي عرضت في مسلسل وادي الذئاب تحت اسم حكيم أوغلو.

