Menu

أخلاقيات العملية الفدائية والاسطوانة المشروخة

العمليات الفدائية

معز كراجة

في كل مرة تقع فيها عملية فدائية، تدور الاسطوانة المشروخة نفسها حول مدى اخلاقية هذه العمليات، ويتركز الجدل تحديدا حول " قتل المدنيين". وفي العملية الاخيرة قتل بروفيسور يقال ان له كتابات كثيرة تنقد الصهيونية والاستيطان، مما كان بمثابة هدية للفريق الرافض لهذه العمليات، " ليبرهن أنها عبثية تقتل حتى أصدقاء الفلسطينيين".

هذا الجدل يذكرني بحادثة وقعت مع دلال المغربي حين وصلت شاطيء فلسطين لتنفيذ عمليتها المعروفة. أوقفت دلال حينها سيارة في الشارع الرئيسي وسالت المرأة التي تقودها: أين يؤدي هذا الطريق، وخلال الحديث القصير بينهما قالت تلك السيدة وكانت امريكية على ما اعتقد: جئت الى " اسرائيل " سياحة، انه بلد جميل". فكانت ردة فعل دلال التلقائية ان سحبت مسدسها غاضية وقتلت تلك المراة لانها قالت " اسرائيل" وعادت الى رفاقها المختبئين تشتم وتقول: قالت " اسرائيل" وكانها بلاد اللي خلفوها".

في محاكمة سريعة لهذه الحادثة، سنقول دلال " قاتلة" لأن هذه سائحة ولاذنب لها. ولكن يوجد في هذا الحكم والاستنتاج ثلاثة اشكاليات. اولا: قفزنا خطوة للامام وأهملنا واسقطنا من محاكمتنا هذه عشرين عاما عاشتها فتاة في مخيم، ولدت فيه بلا وطن.مع اننا لو ندقق في معنى ان يولد الانسان لاجئا بلا وطن، لخرجنا بالف سؤال ولظهر أمامنا الف مجرم ليس بينهم دلال على الاطلاق

ثانيا: اختزلنا المشهد لينحصر بين طرفين هما " دلال المدانة ، والسائحة الضحية"، مع أن هنالك طرف ثالث لا تستقيم محاكمة هذه الحادثة بدونه وهو الاحتلال، فلولا وجوده لما وقع هذا الموقف من اساسه. ولما اضطرت فتاة في ربيع عمرها ان تقطع البحر سرا في رحلة لا عودة فيها. بادخال الاحتلال الى المشهد تصبح كل من دلال والسائحة ضحايا والاحتلال هو المجرم. وهذا عيب في كل نقاشات " الانسنة"، حيث نضع الاحتلال ومن يعيش تحت بطشه في مستوى واحد ونحاكمها وفق ذات المنظومة الاخلاقية.

ثالثا: وهنا نعود لقضية البروفيسور الذي ينتقد الصهيونة " وهو يعيش في حضن مشروعها العملي " أسرائيل". لدينا خلل في تعريف معنى وماهية الاحتلال. حيث مع انتشار موجة " الانسنة المبتذلة" بات الاحتلال مجرد بدلة عسكرية وسلاح وحاجز وطائرة. مع ان المنطق يقول بان هذه مجرد ادوات الاحتلال ومظاهرة، بينما جوهره ووجوده الفعلي يتمثل في بنية " فكرية، تاريخية، مؤسساتية، سياسية، اقتصادية.لا يمكن للاحتلال ان يستقيم او يستمر بغياب واحدة منها. بنية متكاملة. وبالتالي ببساطة: لا يمكن ان يكون هذا البروفيسور أخلاقيا ومدنيا ولا علاقة له بالاحتلال لانه كتب كتابا " موضوعيا" بينما في نفس الوقت يكون من دافعي الضرائب التي تمول هذا الاحتلال وتساهم في بقائه. لا يمكن لهذا البروفيسور ان يكون رافضا للصهيونية او ناقدا لها بكتاب، بينما هو يعيش في " نعيم مشروعها المتثمل في اسرائيل". وكأنه هنا يفصل بين " اسرائيل " والاحتلال.

لا يمكن ان يكون للاحتلال وجها انسانيا. ولا يمكن للفلسطيني الذي يقاوم بطشه ان يصبح مجرما. وضع الاحتلال والمحتل في ميزان واحد هو اما غباء واما دهاء